الخريف في بعبدات والشتاء في جارتها بيت مري (قضاء المتن) وبين الفصلَين في الوسط التجاري لبيروت. هكذا تتوزّع الأنشطة الموسيقية الكلاسيكية الغربية في لبنان، بحسب الفصول والجغرافيا، ونقصد تلك الثابتة سنوياً. نحن في فصل الخريف، والقِبلة مهرجان «موسيقات بعبدات» (Les musicales de Baabdat) لمحبّي هذا النمط، قبَيل حلول «بيروت ترنّم» في العاصمة بين مطلع كانون الأول (ديسمبر) المقبل و23 منه، وبعده «مهرجان البستان» في بيت مري الذي ينطلق منتصف شباط (فبراير) من السنة المقبلة.

إنها الدورة الثالثة للمهرجان المتني. في المرة الأولى تناولناه باختصار، نظراً لفعالياته المحدودة (ثلاث أمسيات فقط). السنة الماضية توسّعنا في الشرح وأضأنا على ملامح هذا الحدث وأجرينا مقارنة بينه وبين الأنشطة الموسيقية الكلاسيكية الأخرى، لتبيان نقاط الاختلاف والنظائر، بفعل التطوّر الذي طرأ على المهرجان عموماً. وتأكُّدِنا بأنها مبادرة جدّية تبغي الاستمرار وليست لفتة فنية عابرة من دون مستقبل. من ثلاث أمسيات اتسعت الدورة السنة الماضية إلى خمس أمسيات، أي كاد أن يتضاعف العدد بفارق أمسية واحدة. هذه السنة أيضاً كاد أن يتضاعف عدد المواعيد وكذلك بفارق أمسية واحدة. بمعنى أوضح، برنامج 2018 يمتد على تسع ليالٍ، وهذا يفرض تعاطياً مختلفاً.
لنعد التذكير، باختصار، بخصائص المهرجان اليافع، فنياً وشكلياً. إنه حدث محصور بالموسيقى الكلاسيكية الغربية دون سواها، مع العِلم أن المنظمّين (مجموعة من المتطوّعين الهواة والمحترفين) أشاروا في التعريف الخاص بـ«موسيقات بعبدات» إلى الجاز والموسيقى الإثنية، ربما لترك المجال مفتوحاً أمام إدراج هكذا أنماط في المستقبل. لكن، في كل الأحوال، الواضح الذي لا لبس فيه، أن في الأمر محاولة لتقديم البديل الفنّي المحترم لمقاومة انحطاط الذائقة الشعبية وتفشّي الأغنية التجارية ذات المستوى المتدنّي كلاماً ولحناً وتوليفاً وأداء. ما يعزِّز فرضية وجود هذه النية لدى المنظمين هو مجّانية حضور جميع الأمسيات. أمر يتشاركه «موسيقات بعبدات» مع «بيروت ترنّم» ولا يتشاركه بتاتاً مع «البستان»! صحيح أن الأخير هو الأعرق بين «زملائه»، وصحيح أيضاً أنه الأكثر مهنية والأرفع مستوى، لكن «ثماره» أسعارها مرتفعة جداً، ما يهمّش شريحة واسعة من محبّي الموسيقى، رغم المحاولات المتكرّرة لخلق إمكانية حضور أمسيات من خلال بطاقات خاصة بأسعار مقبولة نسبياً. من جهة ثانية، وبالنظر إلى الدورات الثلاث، الحالية والسابقتَين، يمكن الإشارة إلى بعض الميّزات الفنية الثابتة في مهرجان بعبدات: أولاً، لغاية الآن، وكما أسلفنا، هو محصور بالموسيقى الكلاسيكية الغربية. ثانياً، هناك حصة ثابتة للهوية الأرمنية في أمسياته، لناحية المؤلفين وكذلك الموسيقيين المشاركين. ففي الدورتين الأولى والثانية، أدرجَت أعمال لتيغران منصوريان ولآرام ختشادوريان وطغت الأسماء الأرمنية (القادمة من أرمينيا أو المقيمة في لبنان) على الأمسيات. أما في الثالثة، التي تنطلق الليلة، فثمة حصة لأعمال المؤلف الأرمني إدوارد ميرزويان (1921 — 1912). اللافت اليوم، في هذا الجانب تحديداً، هو تراجع الحضور الأرمني بين الموسيقيين المدعوّين إلى المرتبة الثانية، لصالح أسماء أوروبية (الفرنسية أولاً)، معظمها مغمور أو صاعد، وبعضها يتمتع ببعض العالمية، في حين يبقى الأبرز في هذه الدورة عازف البيانو الفرنسي فرانسوا دومون الذي يشارك بثلاث أمسيات (عزف منفرِد/ موسيقى حجرة / مرافقة سوبرانو). ثالثاً، هذا مهرجان موسيقى كلاسيكية، لا شك، لكنّه لا يزال محدوداً ضمن فئة موسيقى الحُجرة (عزف منفرِد، ثنائي، ثلاثي، رباعي، مجموعة صغيرة، غناء مع مرافقة بيانو…)، إذ تغيب كلياً الموسيقى الأوركسترالية (افتتاحيات، كونشرتوهات، قصائد سمفونية، سمفونيات،…) وبالتالي الأوبرالية (أي الأعمال الأوبرالية الكاملة وليس المقتطفات). السبب طبعاً مادي بحت، وربما لوجسيتي أيضاً، إذ تجري الأمسيات في «كنيسة مار أنطونيوس البدواني» (باستثناء أمسية واحدة أدرِجَت هذه السنة في الجامعة الأميركية بفعل مشاركة عازف أرغن كنسي فيها). رابعاً — وهذا له علاقة بالنقطة السابقة — يغيب مبدأ الافتتاح/ الختام عن هذا المهرجان والسبب واضح، ألا وهو غياب إمكانية إدراج عمل ضخم أو تنظيم عرض كبير لإطلاق الدورة و/ أو لاختتامها. لكن التطوّر الثابت والملحوظ قد يوصل «موسيقات بعبدات» إلى ما يجعله مهرجاناً شاملاً (أعمال من كل الفئات) تزيّنه رموز الصف الأول، الغائبة كلياً لغاية اليوم.
إذاً، انطلق «موسيقات بعبدات» بثلاث أمسيات، ارتفع عددها في الدورة الثانية إلى خمس أمسيات، ثم إلى تسع هذه السنة. إذا اتبعنا هذه السلسة الأريتميتيكية، ذلك يعني أن الدورة المقبلة يجب أن تتألف من 17 أمسية!

* «موسيقات بعبدات»: بدءاً من اليوم حتى 5 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ 20:00 ــ «كنيسة مار أنطونيوس البدواني» (بعبدات ــ المتن الشمالي) وقاعة «أسمبلي» (الجامعة الأميركية في بيروت). الدعوة عامة. للاستعلام: 03/396271



من البرنامج

الافتتاح مع ريبال ملاعب
(27/10)



يُفتتَح مهرجان «موسيقات بعبدات» الليلة، بريبرتوار موسيقى حجرة متنوّع لناحية النكهة، مع طغيان الحقبة الرومنطيقية على البرنامج. نجم الأمسية عازف الألتو (فيولا) اللبناني الشاب ريبال ملاعب (1992/ الصورة)، وتشارك فيها النمساوية فيرا كارنر (كلارينت) والنمساوية الإيرانية ميترا كوتيه. سيؤدي الثلاثة، بشكل ثلاثي أو ثنائي أو منفرِد (بيانو)، أعمال لموزار وبرامز وهنديميت وشومان وبروخ وشوبرت (من إعداد فرانز لِيسْت).

غيتار روسي ورباعي أرمني
(28 و29/10)



يحل عازف الغيتار الروسي المرموق أرتيوم درفويد (الصورة) ضيفاً للمرة الثانية على «موسيقات بعبدات» (28/10). على برنامحه هذه المرة أعمال لآلته المنفردة (بعضها منقول من أشكال أخرى) وأخرى مع رباعي وتريات، حيث ينضم إليه «رباعي ميرزويان» في محطتَين. في 29 الجاري، يقدّم الرباعي الأرمني أمسية أخرى، نصفها الأول تحية للمؤلف الذي يحمل اسمه والثاني لـ«الحسناء والموت»، رباعي شوبرت الغني عن التعريف.

الثلاثية الفرنسية مع دومون، لولو ولوروا
(30 و31/10 و01/11)



يحتل الفرنسيون ثلاثاً من الأمسيات التسع. يستهل الثلاثية (30/10) عازف البيانو الشهير فرانسوا دومون (1985/ الصورة) الذي يؤدي دوبوسي ولِيسْت وباخ/ لِيسْت وموسّورغسكي، قبل أن يشارك في اليوم التالي في أمسية مواطنه عازف الترومبت البارع رومان لولو (ومعهم خماسي وتريات) لأداء برنامج يبدأ من فرنسا وينتهي في أميركا اللاتينية. في 1/11 ينتقل لولو إلى الـ«أسمبلي هول» ويلاقيه مواطنه عازف الأرغن الكنسي غيسلان لوروا وعلى البرنامج باخ وبورسل ورخمانينوف وبونكييلّي…

زوهراب وآنّا
(03/11)



بعد استراحة الثاني من الشهر المقبل، يستأنف «موسيقات بعبدات» برنامجه بأمسية للثنائي الأرمني زوهراب تاديفوسيان (كمان/ الصورة) وآنّا ميراكيان (بيانو) اللذين يؤديا السوناتة رقم 7 لبيتهوفن والسوناتة الوحيدة لبولنك والثانية لغريغ. إن ما يميّز هذه الأمسية عن سائر أمسيات الدورة هو أن كل الأعمال الواردة فيها تعزَف بشكلها الأصلي، بخلاف الأمسيات الأخرى التي لا تخلو من توليف أو نقل من شكل لآخر.

هيلين كيرنز و… دومو مجدداً
(04/11)



الليلة ما قبل الأخيرة حجِزَت بالكامل لموزار. هكذا تؤدي السوبرانو الإيرلندية هيلين كيرنز (الصورة) مجموعة من المقتطفات الأوبرالية (زواج فيغارو، الفلوت السحري، لوتشيو سيلا ودون جيوفاني) أو الأغاني المستقلة التي تركها المؤلف النمساوي. يرافقها في جميع الحالات فرانسوا دومو في ثالث إطلالة له ضمن الدورة، وينفرد في أداء سوناتتَين (8 و10) في مستهل قسمَي الأمسية.

الختام لثنائي التشيلّو والبيانو الهولندي
(5/11)



يختتم «موسيقات بعبدات» بأمسية تجمع التشيّلو بالبيانو في برنامج يعود إلى العصر الرومنطيقي ويطال بعض الأعمال المعاصرة. على التشيلّو الهولندي يوريس فان دن برغ (الصورة) وعلى البيانو مواطنه مارتينز فيلرز، وسنسمع منهما أعمالاً للتشيكيَّين دفورجاك وياناتشَك والبولوني الفرنسي شوبان والروسي بروكوفييف والفرنسي ميسيان وغيرهم.