«يعيش المرء على أمل أن يُصبِحَ ذكرى»

أنتونيو بورشيا

رجلان متقاعدان في خريف العمر يجلسان كل يوم في المقهى ذاته المطلّ على زاوية يتقاطع فيها شارعان فرعيّان في بيروت ويعلّقان على ما يشاهدانه من النّافذة. ثّمة ورشة تجري في بناء في الشّارع المقابل، وهما يلحظان تقدّم العمل فيها بكلام عابر. يمرّ المشاة أمام المقهى، فيعلّق الرّجلان على أصحاب المشية الجيّدة للبعض وعلى القوام الممشوق للصّبايا الفاتنات وعلى اختلاف لون الحجاب حسب الطّوائف، أيضاً بشذرات الكلام العابر. يجمعان عدّة جرائد يوميّاً لتصفّح العناوين وقراءتها بصوت عال ثم لحلّ شبكة الكلمات المتقاطعة، فيجهدان في تذكّر المرادفات ويشطحان في التّعليق عليها بحيث يختلط الواقع باللّعب وغالباً ما يتعبان بسرعة من هذه المهمّة. أحدهما عادل شاهين، الذي يلعب شخصيّة جنرال سابق، يميل إلى المرح والدّعابة ويُلقي قصائده القديمة على مسمع الصّحافي الشّاب ويتطوّع لترديد النّكات على روّاد القهوة من غير سؤال أو سبب سوى رغبته في التّعبير والتّواصل الإنسانيّ البريء بلا غاية محدّدة. الثّاني هو غابريال يمين، ويلعب شخصيّة طبيب سابق، هو أكثر حزناً وتحفّظاً، ويشير بكلمات مقتضبة إلى معاناة زوجته من مرض الألزهايمر وإلى اضطراره لملازمتها، ويحذّر صديقه بلطفٍ إذ يلحظ غرابة أسئلته المتزايدة وتماديه في الكلام مع الرّواد وتسبّبه في تطفيشهم من المقهى، لينقبض بعدها وجه الجنرال كطفلٍ جُرِّدَ من لعبته ويتساءل عمّا إذا تسبّب فعلاً في إزعاج الرّواد ويفسّر سلوكه للصّحافي الجالس قربه بالقول، أيضاً من غير أن يُسأَل: «أنا تعذّبت كتير بحياتي، ولذلك أحبّ رواية النّكات». نرى الجنرال ينسى بعض الأشياء من هنا وهناك، يُخفق في تذكّر كلمة أو ينسى قبّعته ومفاتيحه. إشارات مبثوثة في ثنايا الكلام المقتضب والأمور البسيطة ظاهريّاً. ولكن، كما في الحياة: العيون المفتوحة لا تعني بالضّرورة أنك ترى.
تلك هي الخطوط العريضة لفيلم «غود مورنينغ» للمخرج اللبناني بهيج حجيج، والمعروض حالياً في الصّالات اللّبنانيّة والمبنيّ على سيناريو أصلي تعاون على كتابته مع الرّوائي رشيد الضعيف. قد تبدو هذه الخطوط للقارئ عاديّة ونمطيّة وباهتة، ولعلّها تخلو بنظر البعض من الحبكات الدراميّة المألوفة والإبهار والإثارة والتّشويق. فالفيلم يدور بأكمله في مكان واحد، وهو المقهى، ويقتصر الدّوران الرّئيسيّان فيه على ممثّلَين اثنين تسندهما شخصيّات أقلّ حجماً ومساحة. إنه فيلم لا يُقتَل فيه أحد ولا يُطارَد أحد ولا يُغرَّر بأحد، ويتألّف الحوار فيه جزئيّاً من شتاتٍ كلاميّ متناثر ومبعثر، ومحطّات كلام، يصدر بعضه عن شخصيات عابرة تظهر وتختفي، ولا تربط أجزاءه المتنافرة قصّة نموذجيّة ولا يكشف عموماً إلا القليل. لا شرح ولا ثرثرة ولا أحداث متلاحقة. رغم ذلك، بل بالأحرى بسبب التوظيف الذكي لكلّ ذلك، ينجح الفيلم في التسلّل إلى روح المتفرّج ويلسعها بخفّةٍ في مكانٍ ما، بحيث أنّك لن تخرج منه كما دخلت.
الحقيقة هي أن ما أنجزه بهيج حجيج في هذا الفيلم لا يقلّ عن ابتكار قصيدة سينمائيّة تنضح بالعذوبة والرّقة والحنين، وتخاطب القلب والذاكرة والانتماء، ومحورها الرئيس هو الحسّ الإنسانيّ. إذ يختبر أقسى ما يُمكن أن يتعرّض له المرء: لحظات الانحدار الرهيبة نحو التّلف التدريجيّ المؤلم للذّاكرة، وتوسّع ثقوبها الخفيّة، بحيث يجلد الألم فعليّاً كلّ المحيطين بالشّخص المصاب ويبقى وحده بمنأى عنه.
إنها قصيدة حزينة عن ثقوب الذّاكرة يُجسّدها عادل شاهين كعملاقٍ أصيل يفيضُ في البداية بما جُبِلَ عليه من لطفٍ ودماثةٍ وحبٍّ نقيّ، ثمّ تنحبس الأنفاس لرؤيته يَغرق رويداً في لجّة النّسيان، وينزلق ببطءٍ نحو عالمٍ مجهول، فيما يذوي كقنديلٍ شاحب، كلمة وراء كلمة وحركة تلو حركة، في أداءٍ عفويّ داخليّ مدهش.
إنها قصيدة موجِعة عن اللّغة وعن ذبولها المحبِط، واحتضارها البطيء، والتعثّر المربِك في محاولات إحيائها بالتّذكّر اللّاهِث والتّمسّك بأهداب الكلمات. إنها قصيدة تتوسّل تفاصيل الكلام اليومي العابر والعاري والمتشظّي والأبيات المنظومة البسيطة والنّكات المستهلَكة والأغاني القديمة وعناوين الجرائد ونشرات الأخبار التلفزيونية وموادّ الصحافة المسلّية وتنبّؤات أبراج الحظّ وعبارات المجاملة، لتنسج من كلّ ذلك الخليط، بذكاءٍ ومهارة، مرثاةً مؤثِّرة لعالمٍ ينزف وكهولةٍ تنحدر وشبابٍ مأزوم ومدينةٍ تتدهور وبلادٍ تندثر.
أعود إلى التّشديد على العذوبة المعزَّزة بالموسيقى التّصويريّة الآسرة، لأن الفيلم لا يقول بل يُوحي، ولا يَستنتج بل يُلمِّح، ولا يَعِظ بل يُحفِّز، على غرار الأعمال الفنّية الجدّية التي تحترم عقل المشاهد وذكاءه فيبادلها الاحترام. انظر جيّداً واستمع إلى كلّ كلمة وحلّل كلّ مشهد وتابع كلّ التفاتة، فالأمر يستحقّ، ولا شيء متروكاً للصّدفة؛ فكلّ التّفاصيل في هذا الفيلم مشغولة بعناية وتُسهم بتّأنٍ ورويّة في حياكة اللوحة العامّة وإغنائها وتعميقها. ثمّة لغة سينمائيّة هنا تعتمد مبدأ الاقتصاد في التّعبير. فما تراه ليس مكرّراً وإن بدا كذلك، كأن الفيلم يتحدّى ذاكرتك في التقاط إشاراته الخافتة في النظرة ورفّة الجفن والسّخرية المبطّنة في شتات الكلام.
ليس صدفة أن الورشة في الشّارع المقابل للمقهى تهدم ولا تبني، وتدمّر ولا تعمّر، فالهدم هو بالذّات ما يخشى الرّجلان - الجنرال والطّبيب - زحفه واقترابه الحثيثين نحو جسديهما المنهكين، فهما كائنان يتهدّمان قليلاً كلّ يوم وليس بمقدورهما وقف هذه المسيرة.
وليس صدفة أنهما يسعيان إلى تجنّب غرق ذاكرتيهما المعطوبتين بالتّمسّك بقشّة الكلمات المتقاطعة. فبمعزل عن التّسلية المرجوّة منها، تمثّل هذه اللّعبة في الفيلم مرآة تعكس الواقع المتشظّي والمتفسّخ وغير القابل للفهم والعقلنة. وإذ تُحيل الكلمات اللّاعبَين إلى ما يحدث حولهم، تتداخل الصّور والإحالات من العالم الحقيقي وتتشوّه معها بقايا الذاكرة المتهاوية عندهما، وحينها تنقلب الأدوار وتتلاعب الكلمات بهما ويقع الرّجلان ضحيّة لمحاولة التّذكّر ويداهمهما التّعب بسرعة كمن يغوص في رمالٍ متحرّكة فيتوقّفان وقد أنهكهما الدّوران في جوانب معانيها وإحالاتها.
ألسنا جميعاً روّاد المقهى ذاته؟ ألا نراقب مسيرة الهدم وهي تقترب منّا فيما نعجز عن وقفها؟ وهل يخرّف الجنرال السّابق في الفيلم حقّاً عندما تتطرّق أسئلته الفضوليّة إلى السّؤال عن طوائف من حوله، فيما يستميت حكّامنا بكلّ وقاحة في مذهبة المناصب والحصص والصّفقات؟
يسأل الجنرال الطّبيب في الفيلم عن مرادفٍ لكلمة «نازح» فيجيبه: «سوريّ». يكرّر الأوّل السّؤال فيتكرّر الجواب: «سوريّ، فلسطينيّ، عراقيّ، يمنيّ، ليبيّ، لم يصل دورنا بعد». كيف تختزن كلمة واحدة كلّ هذا الكمّ من الألم؟
وليس صدفة أن الزّوار العابرين الذين يدخلون المقهى مرّةً لا يعودون إليه. إذ بالكاد نلتقط نتفاً من أحاديثهم اليوميّة العابرة كشراراتٍ ساطعة سرعان ما تخبو باختفاء قائليها. فالمقهى/ الوطن يغادره روّاده/ أبناؤه لأن ليس هناك ما يشجّعهم على البقاء فيه؛ والجنرال السّابق جاهز دوماً لإسماعهم ما لا يرغبون به وما لا يعنيهم، كأنه يطردهم من غير أن يدرك عواقب ما يفعل.
وليس صدفة أن الشّباب في الفيلم ليسوا عموماً أفضل حالاً من الكهول، فها هي النّادلة الصبيّة الحسناء (لعبت مايا داغر الدّور بتميّز) تكاد تذوب في وحدتها وهي تراقب الإرهاب يضرب حلمها بالذّهاب إلى العاصمة الأجنبيّة التي ترغب في الهجرة إليها. وها هو الصّحافيّ الشّاب (أتقن تلاوينه رودريغ سليمان) يتجمّد مشلول الإرادة في موقفٍ مصيريّ رغم تمتّعه بثقافةٍ واسعة.
وليس صدفة أن يلحظ الرّجلان على مدى أيّام رسماً يخطّه شاب على الجدار المقابل للمقهى يضمّ صورة لمحمود درويش مرفقة بسطوره الشّعريّة الخالدة عن بيروت التي أحبّ، في إشارة إلى ارتباط الألم الفلسطيني بالألم اللبناني واتّحادهما في حبّ بيروت والذّود عنها، ولكن ثمّة من يريد محو وجود الفلسطينيّين وقضيّتهم فيغطّي صورة أيقونتهم الأدبيّة بطلاء الحقد الأسود.

قصيدة سينمائيّة تنضح بالعذوبة والرّقة والحنين


وأخيراً، ليس صدفة أن الفيلم يرتكز إلى البديهيّات التي تكاد تُنسى بفضل التّردّي المخيف في الذّائقة السّينمائيّة والتلفزيونيّة حولنا: ثمّة نصّ قويّ ومتين يستند على ممثّلَين مخضرمَين يبثّان الرّوح في شخصيّتيهما ويبرعان في تلبّس تحوّلاتهما. ينتمي هذا الفيلم بجدارة إلى سينما المؤلِّف بحيث أجاد المخرج/ الكاتب إدارة المبدع عادل شاهين والقدير غابريال يمين، اللذين نراهما هنا في قمّة العطاء والتّمثيل المقتصد والمحبوك. وكما أرى، لم ينل أيّ من هذين الممثّلَين حقَّه من قبل في السّينما اللّبنانيّة والعربيّة بما يتناسب مع فائض الموهبة والثّقافة والحضور والأداء الذّكي الماثل في هذا الفيلم.
باختصار، لقد عرف بهيج حجيج كيف يُغني السّينما اللّبنانيّة بفيلم عميقٍ وناضجٍ وشاعريّ، بتركيزه على قوّة النّص وعلى تماسك البناء الدّراميّ فيه، وبحرصه على اختيار ممثّلين تألّقوا ببراعةٍ مدهشة، كلٌّ في شخصيّته المستقلّة والمتميّزة، وبقدرته على أن ينسج معهم خيوط عملٍ مؤثّرٍ وذكيٍ ينضح بالعذوبة الصّادقة.
ثمّة غصّة كبيرة في الرّحيل المؤلم والحديث العهد لصديق العمر ورفيق الدّرب، عادل شاهين، بعد الانتهاء من تصوير الفيلم وقبل اكتماله. وفي حين لم يُقدَّر لعادل أن يرى ثمرة إبداعه على الشّاشات، قُدِّر لعائلته وأصدقائه وتلامذته ومُحبّيه الكثر أن يضيفوا حضوره اللّافت والبارز في هذا العمل البديع إلى ذكراه الجميلة والعطرة، وإلى حضوره الدّائم، في قلوبهم الحزينة.
* كاتب لبناني

* «غود مورنينغ» في الصالات اللبنانية