الشعور بوفاة إميل حنوش متعدّد المذاقات. عارفوه، سواء بصفته صاحب متحف أم صاحب مطعم وصف بـ «المطبخ السياسي» خلال الحقبة السورية في البقاع، خسروا خزنة في رجل. قبل أيّام، ووري الثرى في بلدته جديتا (قضاء زحلة)، منهياً 65 عاماً أمضى ثلاثة أرباعها يجمع كنوزاً من العالم ويحفظ أسراره.

في المنزل الذي يتفيأ بأشجار سهل تعنايل على طريق شتورة ــ المصنع، تعرّف حنوش إلى الفن والسياسة من خلال زبائن «كازينو حنوش» الذي افتتحه والده ملحم في جزء من منزله عام 1948. في حديقة المنزل الذي شيّده فرنسي عام 1920، التقى إميل عام 1964 بالرسّام عارف الريّس (1928 ــ 2005). ومنه، تذوّق فن الرسم وبدأ يسبر أغواره ويبحث عن الرسامين ولوحاتهم. بعد أربع سنوات، عرف من إحدى الزبونات أنّها تقيم معرضاً للفنان بول غيراغوسيان (1926 ــ 1993) في منزلها. هناك، اشترى أوّل لوحة ثمنها 600 ليرة دفعها بالتقسيط. في حديث سابق لـ «الأخبار»، قال إنّ «اللوحات أخذت عقلي. قسط جامعتي السنوي كان 100 ليرة، وثمن لوحة غيراغوسيان وحدها كان 600 ليرة». ثم ابتسم بفخر، وتابع: «حينها كان عمري 16 عاماً، وأيقنت قيمة اللوحة التي استعادها صاحبها نفسه مني بعد سنوات وأهداني بدلاً منها لوحة كبيرة». تلك اللوحة رسمت طريق حنوش. تعلّم الرسم لعامين على يد الإيطالي رينتو بورميلو، قبل أن يركّز اهتمامه على تأسيس مجموعة خاصة به من رسومات سواه. كان حنوش يغبّ يميناً ويساراً. «بعت واشتريت عشرات اللوحات، لكنّني احتفظت بالقيم منها. اشتريت أثاث منزل كامل من ضمنه لوحات لأنّ أصحابه رفضوا بيع اللوحات فقط. صرفت مصروفي في محال الأنتيكا والتحف في البسطة. همت في الكنائس والأديرة ومحفوظات الكهنة بحثاً عن مخطوطات شرقية وبيزنطية وأيقونات نادرة»، قال. الخطوة المفصلية كانت لقاءه بالفنان الروسي إيفون تشوكين المتخصص في دراسة الفن الإسلامي، والذي نصحه بالتركيز على تراث بلده. أخذ حنوش بالنصيحة حتى جمع أكثر من 400 لوحة نادرة رُسمت بين القرن التاسع عشر ونهاية القرن العشرين، لرسامين لبنانيين روّاد، منهم: داود قرم (1852 ــ 1930)، وخليل الصليبي (1870 ــ 1928)، وحبيب سرور (1860 ــ 1938)، وفيليب موراني (1875 ــ 1970)، ولتلامذتهم كقيصر الجميل (1898 ــ 1958) وصليبا الدويهي (1913 ــ 1993) ورشيد وهبي (1917 ــ 1993). ثم لجيل الرسامين الثالث كغيراغوسيان والريس ورفيق شرف (1932 ــ 2003)، وصولاً إلى الجيل الحديث كحسن جوني (1942) ووليد صادق (1966) وحسان الشوباصي، بالإضافة إلى لوحات لرسامين عرب وأيقونات دينية ومطبوعات يابانية وأزياء عثمانية اشتراها من عائلات من أصل تركي. الأعمال في مجموعة حنوش الموثقة بعمرها وسيرتها ومميزاتها، أصبحت مرجعاً لدارسي الفن. استعان بها «معهد العالم العربي» في باريس في كتاب صدر عنه حول الرسم اللبناني، فيما استندت منظمة الأونيسكو إليه في بعض مراجعها. حتى أنّ «متحف الفاتيكان» حصل منه على أيقونة تجسّد ختان السيد المسيح ابتاعها سنة 1972.
فاضت زوايا البيت وجدران صالات المطعم بالفن. قرّر الراحل استقبال العامّة في متحف شيّده في حديقة المطعم، عرض فيه جزءاً يسيراً مما اقتناه. شقيقته ورفيقته أوجيني تؤكد أنّ ما يشاهد بين البيت والمطعم والمتحف ليس كل ما التقطه شقيقها الذي نذر حياته للرسم. وقبل وفاته بعام، تنبّهت وزارة الثقافة لجهده، قبل أن ترعى افتتاح المتحف وتبارك مع وزارة الداخلية تسمية شارع باسمه في جديتا.