التقيت ‬بناجي ‬العلي ‬عام ‬١٩٨٣‬ ‬في ‬معرضي ‬الشخصي ‬في ‬الكويت، ‬وكانت ‬لوحة ‬«صبرا ‬وشاتيلا» ‬أبرز ‬المعروضات. تجددت ‬لقاءاتنا ‬عند ‬وصوله ‬إلى ‬لندن ‬عام 1985 ‬‬مبعَداً ‬من ‬الكويت ‬نتيجة ‬ضغوط ‬من ‬شخصيات ‬فلسطينية ‬نافذة، ‬ولم ‬يخفِ ‬ضيقه ‬قبل ‬اغتياله ‬عام 1987 ‬لما ‬يتعرض ‬له ‬من ‬ضغوط ‬وتهديدات ‬ممن ‬طالتهم ‬رسوماته ‬بالنقد ‬والسخرية. ‬بدا ‬واضحاً ‬تأزم ‬علاقته ‬بالمؤسسة ‬الفلسطينية ‬الرسمية ‬يوم ‬تشييعه ‬حيث ‬لم ‬يحضر ‬جنازته ‬إلا ‬بضعة ‬أشخاص ‬من ‬الأصدقاء ‬والأهل، ‬مع ‬سلة ‬ورد ‬متواضعة ‬من ‬شخصية ‬من ‬الحزب ‬الشيوعي ‬الفلسطيني، و‬‬بصفته ‬الشخصية. ‬كما ‬تم ‬تجاهل ‬احتفالية ‬الأربعين ‬لوفاته ‬التي ‬أقيمت ‬في غاليري «الكوفة» ‬من ‬خلال ‬معرض ‬لرسوماته ‬المعروفة ‬في ‬نقدها ‬المباشر ‬للفساد ‬السياسي ‬الذي ‬ينخر ‬منظمة ‬التحرير ‬والأنظمة ‬العربية ‬على ‬حد ‬سواء.‬

منذ بداياته، مثّل ‬ناجي ‬خطّاً ‬واضحاً ‬في ‬انحيازه، ‬وكما ‬قال ‬في ‬بيانه ‬الذي ‬صاحب ‬الإعلان ‬عن ‬شخصية ‬حنظلة ‬(‬ولدت ‬عام1967) ‬«أنا مش ‬فلسطيني ‬مش ‬أردني ‬مش ‬كويتي ‬مش ‬لبناني ‬مش ‬مصري ‬مش ‬حدا.. ‬الخ، ‬محسوبك ‬إنسان ‬عربي ‬وبس، ‬وقلتله ‬اني ‬مستعد ‬ارسم ‬عنه ‬الكاريكاتير. ‬كل ‬يوم ‬وفهمته ‬اني ‬ما ‬بخاف ‬من ‬حدا ‬غير ‬من ‬الله ‬واللي ‬بدوا ‬يزعل ‬يروح ‬يبلط ‬البحر». بهذه ‬العبارات ‬البسيطة ‬رسم ‬ناجي ‬طريقاً ‬مخالفاً ‬لتقاليد ‬المدرسة ‬المصرية ‬أهم ‬المدارس ‬لفن ‬الكاريكاتور ‬التي ‬كان ‬جل ‬اهتماماتها ‬نقد ‬الجانب ‬الاجتماعي ‬وبشكل ‬خاص ‬للمجتمع ‬المصري. ‬عبر ‬الشخصيات ‬التي ‬خلقها ‬ناجي، ‬حوّل ‬رسوماته ‬الى ‬مسرح ‬شعبي ‬بعيداً عن ‬الإبهام، ‬مستعيناً ‬في ‬حالات ‬كثيرة ‬بصيغ ‬حوارية ‬هي ‬أداته ‬في فضح ‬ما ‬يحصل ‬من ‬فساد ‬في ‬الأنظمة ‬السياسية ‬العربية ‬والفلسطينية ‬وما ‬تستبطنه ‬مواقف ‬بعض ‬المسؤولين ‬من ‬الشخصيات ‬الفلسطينية ‬من ‬مهادنة ‬وتلميح ‬بضرورات ‬البعد ‬عن ‬التشنج ‬إزاء ‬مواقف ‬الولايات ‬المتحدة ‬وعلاقتها ‬بإسرائيل. ‬ولشدة ‬عدائه ‬لأميركا ‬وخاصة ‬عندما ‬وضع ‬على ‬إحدى ‬رسوماته ‬عبارة ‬«أن ‬أميركا ‬لم ‬ولن ‬تكون ‬في ‬يوم ‬من ‬الأيام ‬صديقة ‬للعرب»، ‬قالت ‬عنه ‬صحيفة ‬«نيويورك ‬تايمز‬»: «إذا ‬أردت ‬أن ‬تعرف ‬رأي ‬العرب ‬في ‬أميركا، ‬فانظر ‬إلى ‬رسومات ‬ناجي ‬العلي».


أول ‬من ‬اكتشف ‬ناجي ‬كان ‬الشهيد ‬غسان ‬كنفاني ‬عندما ‬اختار ‬أربع ‬لوحات ‬من ‬أعماله ‬خلال ‬زيارته ‬مخيم ‬عين ‬الحلوة ‬‬ونشرها ‬في ‬مجلة ‬«الحرية». ‬سرعان ‬ما ‬طور ‬ناجي ‬تجربته ‬ليتخذ ‬من ‬فن ‬الكاريكاتور ‬بديلاً ‬للوحة ‬المحدودة ‬في ‬قدرتها ‬على ‬التحريض ‬السياسي.‬ ولعل ‬أبرز ‬نجاحاته ‬الأولى خلقه ‬عدداً ‬من ‬الشخصيات ‬التي تَعامَل عبرها في نقد الأوضاع ‬العربية ‬والفلسطينية ‬هو ‬«حنظلة »، ‬فاطمة ‬وإلى ‬جانبهما ‬تقف ‬شخصية ‬السمين ‬ذي ‬المؤخرة ‬العارية ‬الذي ‬لا ‬قدمين ‬له، ‬ممثلاً ‬به ‬القيادات ‬العربية ‬المرفهة ‬والخونة ‬والانتهازيين.‬
ولأفسح ‬المجال ‬لناجي ‬العلي ‬ليتحدث ‬عن ‬أهم ‬شخصياته ‬على ‬الإطلاق‬:‬ ‬«ولد ‬حنظلة ‬في ‬العاشرة ‬من ‬عمره، ‬وسيظل ‬دائماً ‬في ‬العاشرة، ‬ففي ‬تلك ‬السن ‬غادرت ‬الوطن، ‬وحين ‬يعود، ‬حنظلة ‬سيكون ‬بعد ‬في ‬العاشرة، ‬ثم ‬سيأخذ ‬في ‬الكبر ‬بعد ‬ذلك، ‬قوانين ‬الطبيعة ‬المعروفة ‬لا ‬تنطبق ‬عليه. ‬إنه ‬استثناء ‬لأن ‬فقدان ‬الوطن ‬استثناء، ‬وستصبح ‬الأمور ‬طبيعيةً ‬حين ‬يعود ‬للوطن، ‬لقد ‬رسمته ‬خلافاً ‬لبعض ‬الرسامين ‬الذين ‬يقومون ‬برسم ‬أنفسهم ‬ويأخذون ‬موقع ‬البطل ‬في ‬رسوماتهم. ‬فالطفل ‬يُمثل ‬موقفاً ‬رمزياً ‬ليس ‬بالنسبة ‬لي ‬فقط، ‬بل ‬بالنسبة ‬لحالة ‬جماعية ‬تعيش ‬مثلي ‬وأعيش ‬مثلها، ‬قدمته ‬للقراء ‬وأسميته ‬«حنظلة» ‬كرمز ‬للمرارة. ‬في ‬البداية، ‬قدمته ‬كطفل ‬فلسطيني، ‬لكن ‬مع ‬تطور ‬وعيه ‬أصبح ‬له ‬أفق ‬قومي ‬ثم ‬أفق ‬كوني ‬إنساني». ‬وعن ‬سبب ‬إدارة ‬ظهره ‬للقراء، ‬فتلك ‬قصة ‬تروى:‬ ‬«في ‬المراحل ‬الأولى ‬رسمتُه ‬ملتقياً ‬وجهاً ‬لوجه ‬مع ‬الناس، ‬وكان ‬يحمل ‬«الكلاشنكوف»، ‬وكان ‬أيضاً ‬دائم ‬الحركة ‬وفاعلاً ‬وله ‬دور ‬حقيقي:‬ ‬يناقش ‬باللغة ‬العربية ‬والإنكليزية. ‬بل ‬أكثر ‬من ‬ذلك، ‬فقد ‬كان ‬يلعب ‬«الكاراتيه»، ‬يغني ‬الزجل ‬ويصرخ ‬ويؤذن ‬ويهمس ‬ويبشر ‬بالثورة».
ظهر ‬حنظلة ‬للمرة الأولى ‬عام ‬1969 ‬في ‬جريدة «السياسة» ‬الكويتية، ‬وأدار ‬ظهره ‬في ‬سنوات ‬ما ‬بعد ‬1973، ‬وأصبح ‬حنظلة ‬بمثابة ‬توقيع ‬ناجي ‬العلي ‬على ‬رسوماته، ‬مستبدلاً ‬ما ‬استخدمه ‬سابقاً ‬من ‬تواقيع ‬كالصليب ‬في ما ‬نشره ‬في ‬مجلة ‬«الحرية» ‬وصحيفة ‬«اليوم» ‬اللبنانيتين، ‬وكذلك ‬في ‬أعماله ‬التي ‬نشرها ‬في ‬مجلة ‬«الطليعة» ‬الكويتية. ‬تشكل ‬شخصية ‬حنظلة ‬ظاهرة ‬إبداعية ‬لم ‬تعرفها ‬التجارب ‬العربية. ‬فهي ‬انتساب ‬فني ‬-‬ ‬كتوقيع ‬على ‬العمل - ‬وهي ‬شخصية ‬كجزء ‬من ‬عالم ‬مسرحي. ‬شخصية ‬مشاركة ‬في ‬الحدث ‬وفي ‬الوقت عينه، مراقبة ‬حذرة ‬لا ‬تتردد ‬في ‬شتم ‬من ‬تراه ‬فاسداً ‬أو ‬رافعاً ‬راية ‬الاستسلام.‬ هو ‬صوت ‬الطبقات ‬المسحوقة، ‬منحاز ‬لأوجاعها ‬ولأحلامها ‬أو ‬كما ‬يقول ‬ناجي «هي ‬تهمة ‬لا ‬أنفيها، ‬أنا ‬منحاز ‬لمن ‬هم ‬ـ ‬تحت ‬-‬ ‬أن ‬نكون ‬أو ‬لا ‬نكون».‬
حوّل ‬رسوماته ‬إلى ‬مسرح ‬شعبي ‬بعيداً عن ‬الإبهام، ‬مستعيناً ‬بصيغ ‬حوارية ‬هي ‬أداته ‬في فضح فساد ‬الأنظمة العربية ‬والفلسطينية


رافقتني ‬شخصية ‬حنظلة ‬منذ ‬تعرفت ‬إليه ‬في ‬الكويت ‬ومتابعاً ‬لما ‬تقوم ‬به ‬بعض ‬المؤسسات ‬الشعبية، ‬وولده ‬خالد ‬من ‬فعاليات ‬في مناسبة ‬ذكراه ‬كجهد ‬في ‬إبقاء ‬شعلته ‬قيمةً ‬أخلاقيةً ‬لم ‬تعرفها ‬السياسة ‬العربية. ‬في ‬عام 2010، فكرت ‬في ‬نقل ‬رسمة ‬حنظلة ‬إلى ‬واقع‬، ‬إلى ‬شكل ‬أيقوني ‬خارج ‬الورق ‬أو ‬الكتب‬، ‬له ‬مواصفات ‬طفل ‬معتد ‬بوقفته ‬متطلعاً ‬إلى ‬الأمام. ‬أنتجتُه ‬بنسخ ‬محدودة ‬من ‬مادة ‬البرونز ‬وأطلقت ‬عليه ‬في ‬حينها‬ «توقيع ‬الشهيد». ‬وعندما ‬تم ‬تنظيم ‬معرض ‬استعادي ‬لأعمالي ‬من ‬قبل ‬مؤسسة ‬المتاحف ‬القطرية، ‬وجدت ‬الفرصة ‬لكي ‬أجعل ‬من ‬شخصية ‬حنظلة ‬علامة ‬فنية ‬متميزة ‬الى ‬جانب ‬لوحة ‬«صبرا ‬وشاتيلا». ‬عند ‬البحث ‬في ‬المئات ‬من ‬الأعمال ‬المنشورة ‬في ‬الكتب ‬التي ‬صدرت ‬عن ‬ناجي ‬وما ‬وثقته ‬شبكة ‬البحث ‬غوغل، ‬لم ‬أجد ‬عملاً ‬يتلاءم ‬مع ‬روح ‬ناجي ‬التواقة ‬لانتسابها ‬العربي ‬غير ‬رسمته ‬الشهيرة ‬التي ‬نشرها ‬في ‬الصفحة ‬الأولى ‬من ‬جريدة «‬السفير» عام 1982‬، ‬يوم ‬صبت ‬الآلة ‬العسكرية ‬الإسرائيلية ‬حممها ‬جراء ‬صمود ‬المدينة ‬وأهلها ‬ومقاتليها‬، إلى ‬جانب ‬العنوان ‬الرئيسي ‬للجريدة «بيروت ‬تحترق ‬ولا ‬ترفع ‬الأعلام ‬البيضاء». كان ‬كاريكاتور ‬ناجي ‬تحت ‬عنوان «صباح ‬الخير ‬يا ‬بيروت». هذا ‬العمل ‬يؤكد ‬انتسابه ‬العربي ‬ويعلن ‬محبته ‬للمدينة ‬التي ‬استقبلت ‬أهله ‬عند ‬نزوحهم ‬عام 1948. عاش ‬وتعلم ‬فيها ‬وعرف ‬سجونها ‬في ‬أوقات ‬مختلفة. ‬المدينة ‬التي ‬احتضنت ‬المقاومة ‬الفلسطينية ‬وشكلت ‬قواها ‬الوطنية ‬رغم ‬كل ‬الأخطاء. ‬لحمة ‬الصمود ‬أمام ‬الغزو ‬الإسرائيلي، ‬وتعود ‬بيروت ‬اليوم ‬واجهة ‬للمقاومة ‬أكثر ‬من ‬أي ‬بلد ‬عربي، ‬المدينة ‬التي ‬يحق ‬لها ‬أن ‬تفتخر ‬بمبدع ‬عاش ‬فيها ‬وانتسب ‬لمناخاتها ‬الإبداعية، ‬ناشطاً ‬سياسياً ‬يحمل ‬الريشة ‬لا ‬البندقية ‬وكما ‬يقول «معيش ‬هوية ‬ولا ‬ناوي أتجنس».
إنّ ‬وجود ‬هذا ‬النصب ‬أمام ‬«متحف ‬نابو» بفضائه ‬العربي ‬وبتمثله ‬لتاريخ ‬المنطقة إابداعاً ‬وتوثيقاً، ‬هو ‬عودة ‬لتكريم ‬هذا ‬المبدع ‬بعدما ‬فُجِّر ‬نصبه ‬التذكاري ‬من ‬إبداع ‬الفنان ‬اللبناني ‬شربل ‬فارس ‬قبل ‬سنوات، ‬وكان ‬في ‬المدخل ‬الشمالي ‬لمخيم ‬عين ‬الحلوة... ‬عاد ‬حنظلة ‬مرة ‬أخرى ‬إلى حضن ‬المدينة ‬التي ‬كونته ‬وأطلقته ‬عبر ‬صحافتها ‬مبدعاً ‬لا ‬يهادن.

* نحات وفنان تشكيلي عراقي مقيم في بريطانيا