في «عالم النساء الوحيدات» بطبعته الجديدة (دار المدى)، تضعنا الكاتبة العراقية لطفية الدليمي أمام نماذج نسوية تعيش وحدتها في مجتمع يضيق بمكابدات الجسد وأشواقه وصبواته، كأن الوحدة قدرها الأزلي، لكنها تؤثث هذا الفضاء الكتيم بمشاعر وأحلام وغوايات، تكسر صلابة الأبواب المغلقة، نحو فضاء حميمي، يتأجج ويخبو، تبعاً لمسالك الحكي.


رواية قصيرة وقصص تجمعها مفردة الوحدة. هكذا تقودنا «مذكرات الآنسة م: غرفة النساء الوحيدات» التي تجدها الراوية لحظة خروجها من معرض الكتاب عند سور الحديقة إلى عالم امرأة مجهولة، تعيش وحدتها بصحبة أب عجوز، إلى أن تجد شريكها أخيراً عبر الهاتف أولاً، ثم تلتقيه مباشرة. وإذا به جارها في الحي، الجندي الذي عاد من الحرب بعينين مطفأتين. ورغم فارق العمر بينهما، إلا أن حمّى الحب تطيح المعوقات، فيمضيان معاً إلى جغرافيا أخرى.
الحكاية لا تنتهي هنا، بل تشتبك مع حياة الراوية نفسها التي تعيش حباً مضطرباً ومراوغاً، بسبب إصابتها بالسرطان، من دون أن تُعلم حبيبها بما تكابده، كأن الحكي هنا بمثابة علاج، ومذكرات الآنسة م لن تكتمل من دون أن يرويها أحد، أو تحويل المكتوب إلى مقروء، والسرّي المكبوت إلى صرخة علنية: «لست نادمة لأنني أحببته خلال أيام قليلة حب سنوات طويلة» تقول.
في قصة «هو الذي أتى»، تستثمر الروائية العراقية فضاء المتحف لاستدعاء الأسطورة، في ارتباطها بقصة حب معاصرة. تحل روح جواد الذي تخصَّص في دراسة الآثار السومرية على أحد التماثيل في المتحف، ليخاطب نهال، مستعيداً قصة حبهما قبل رحيله الأبدي، بقوة الأساطير المحلية، وفكرة الحياة والخلود والزمن لدى الأسلاف، وتالياً، ما الذي يمنع أن تلتقي عشتار بـ«جوديا» حاكم لكش؟ أليس الحب وحده، من يعيد الحياة إلى ألواح الطين والتماثيل الصامتة في الأروقة؟ وما الذي يمنع أن نكتب نسخة معاصرة من ملحمة جلجامش «هو الذي رأى»؟
على الضفة الأخرى، تلتقط الدليمي نماذج مختلفة للعسف الاجتماعي الذي ترضخ لسطوته النساء الريفيات، من دون أن يجدن متنفساً للهواء، إذ تجثم الخرافة بثقلها فوق الأجساد المنهكة والمنتهكة. المسافة بين الكارثة والأمل تتأرجح على حبالٍ واهية، بقوة الحب أو احتضاره، فأسباب البهجة تنطفئ بعاصفة تطيح الألفة، وإذا بالوحشة والعزلة والفقدان تهيمن على الأرواح. لكن هذه الانكسارات والخيبات تواجهها نساء لطفية الدليمي بالتمرّد، ورفض الخضوع، وإعلاء شأن العزلة، في غياب من يستحق الشراكة عبر سرديات ذاتية مشحونة بدفق أنثوي أصيل.
كانت فرجينيا وولف قد دشّنت في «غرفة تخص المرء وحده» خصوصية الكتابة النسوية. لعل الدليمي تحفر في المجرى ذاته بنبرة محليّة، حين تستحضر هموم نساء مأزومات، من موقع الكشف وتعرية الذات من ندوبها، والغوص عميقاً، في ما يمور في الداخل، من دون مواربة، أو كما تقول نازك الأعرجي عن وعي شخوصها بأن كل بطلة من بطلاتها «صفقت وراءها الباب بطريقة ما، رفضاً لواقع لم يعد ينسجم في جوهره مع التحوّلات الفكرية والثقافية التي تتلقفها النساء. ولا يمكن أن يؤدي ذلك إلى الهزيمة أبداً، رغم أنه قد يفضي إلى الانهيار».