«كل شعر فلسطيني قبل درويش إرهاصات له، وكل شعر فلسطيني بعده أصداء له». قد لا تبدو هذه العبارة السائدة في توصيف الشعر الفلسطيني بعيدة عن واقع المشهد الشعري الفلسطيني، الممتد من أوائل السبعينيات حتى نهاية التسعينيات، لكن بداية الألفية الثالثة كانت لحظة كسر تلك القاعدة في الشعر العربي، وخصوصاً الفلسطيني. بدأت الأصوات الجديدة الخافتة تتسلل ببطء خجول، ما لبث أن تسارع وعلت نبرته ليسيطر تقريباً على المشهد برمّته. أصبحت القصيدة اليومية هي السيد، لتُقصي قصائد «الصراخ»، «الهتاف» و«القضايا الكبرى» إلى خلفية المشهد المكتظ. ليس هذا التوصيف خاصاً بالشعراء الفلسطينيّين «الجدد» في الداخل. يمكن توسعته ليشمل الشعراء الفلسطينيّين عموماً داخل الأرض المحتلة وخارجها، وخصوصاً الأصوات الفلسطينية ـــ السوريّة الجديدة. «قصيدة الهامش»، النثرية بالضرورة، والمدينية معظم الأحيان، أصبحت الهدف الأوحد للانتشار بعد «غياب» الشعراء «الكبار»، سواء بالوفاة أو بالابتعاد عن الساحة.


طارق العربي (1984) ابن نابلس، هو أحد هذه الأصوات الجديدة في الداخل الفلسطيني. كانت باكورته «الرابعة فجراً في السوق» (دار الأهلية ــ 2013) التي نالت المرتبة الأولى مناصفة مع مجموعة «ماذا لو كنا أشباحاً» لسمر عبد الجابر في مسابقة «عبد المحسن القطّان للكاتب الشاب» (2012)، أولى الهمسات الشعرية المغايرة من نابلس الأقرب للتحفظ، إذا ما قورنت بمدن «شعرية» فلسطينية أخرى. غابت السماء، والبحر، والنبيذ، واللازورد، وبقيت المرأة سيدة للقصيدة اليومية الجديدة، قصيدة «الهامش»، لتتقاسم «البطولة» مع المنسيين المسحوقين، «المذلّين المهانين» الدوستويفسكيّين.
بدءاً بأولى قصائد المجموعة «لا أشبه المتنبّي»، يلاحظ القارئ هذا القَطْع مع ما سبق، والتأسيس الخجول لبناء شعري جديد مغاير لكل الصور النمطية القديمة للشعر الفلسطيني. يغيب صوت المتنبّي لمصلحة أصوات «الشعر المضاد»، مثل لوركا، السيّاب، الحلّاج، نيرودا، المعرّي، والماغوط. ولا يبدو أن تلك النبرة القديمة ستجد أصداء لها في المشهد الجديد إلا حين تحقق الشروط الجديدة. «لا أشبه المتنبّي/ غير أنّي أحبه/ حين أراه يمشي بين الناس في السوق/ قصير القامة.. وكذّاباً».
ينسف طارق الصورة القديمة للشعراء، شعراء البلاط، ليقدّم صورة «شاعر السوق»، الذي يشبه شخوصه في العزلة والحزن والسأم والغضب. هم «المنسيّون في العتمة والمنسحبون في النهار/ بألقابهم كلها وبكلّ الأفعال التي يبتكرها الفتى/ الفتى الذي يسرق حصّته من الهواء». هم التعساء أبداً «جامعو أمانٍ وذكريات». المتشابهون في كل شيء، والمتناقضون في آن واحد. مناقضون لأنفسهم قبل مناقضتهم لغيرهم. وهذا القلق هو مفتاح الباب الضيق الجديد لـ «قصيدة السوق». القلق الممتد من انتقاء العناوين المبتورة والغامضة، وصولاً إلى النهايات المفتوحة على المجهول، مروراً بكل مفردات «غير المفكَّر فيه» من شخوص وأشياء.
في «الرابعة فجراً في السوق» التي يمكن تقسيمها إلى نصفين متمايزين، ثمة حضور قوي للأصداء المتباينة. في النصف الأول، يجد القارئ توصيفاً للشاعر نفسه ولشخوصه التي تشبهه في الحرمان، فيما يشرّع النصف الثاني الباب أمام صورة حواريّة مع «الآخر»، سواء كان هذا الآخر هو العدو الإسرائيلي، أو حتى ذلك الآخر الفلسطيني في النصف المبتور من الأرض المحتلة. يتّسم النصف الأول بالقصائد الطويلة، التي يشوبها بعض الإغراق في الذاتية، وأحياناً تكرار بعض الصور والحالات. ولعل بإمكاننا تبرير هذا التكرار بوصفه ضرورياً في تكريس قصيدة مغايرة، إلا أننا نلاحظ أن القصائد القصيرة في المجموعة، أشدّ ألقاً وإدهاشاً من القصائد الطويلة التي تبدو متأثرة بأسلافها من القصائد «الوطنيّة» القديمة. وبرغم انخفاض الدفقات الشعرية في النصف الآخر بسبب التلاشي التدريجي للغنائية والاندفاع إلى النثر، إلا أنّه يبدو أكثر غنى في تقديم المشاعر والصور الفلسطينية المبتكرة، ولا سيما في الحوار مع الآخر الفلسطيني. «لا أعرف غزة/ هي تشبه فيلماً قديماً نسيت اسمه وأبطاله/ ولأنني من هواة السينما أذكر حركة الكاميرا الدائرية/ لالتقاط صورة للموت».
القصائد التي تخاطب الآخر العدو، تبدو أقرب إلى القصائد الدرويشية في مجموعاته الأخيرة، وإنْ بلغة حاولت الابتعاد عن التراث الدرويشي، فنجحت تارة وأخفقت طوراً. هذه المحاولات العبثيّة لخلق لغة جديدة هي السمة الأكثر تميزاً في قصائد طارق العربي، الذي يحاول تسمية «اللامُسمّى» وإضفاء أهمية على «النوافل»، سواء عبر الشخوص («العتّال الذي يمشي وحيداً في السوق ينام وحيداً/ في الليل»)، أو الأشياء («والسحاحير المفردة التي لم يتّسع لها معجم العرب»).
بهذه الروح العبثيّة التي لا تأبه لليأس الذي عايشته لعقود، تمضي «الرابعة فجراً في السوق» بهمسها وأصدائها ومسحوقيها، لتحاول هزّ العروش المكرّسة، وتجعل «الشعر سلطان من لا سلطان له». في رحلتها المرهقة هذه، وبرغم هشاشة أدواتها، تنفض المجموعة غبار الماضي «البطولي»، لترتدي أسمالاً جديدة تغرق في غبار آخر، هو غبار السوق، والخضار، والمدن المحرومة التي تقلّب نهاراتها المتماثلة، والأنثى- الحلم، في انتظار غدٍ مجهول لا خوف منه، لأن الخوف أصبح أداة ثابتة في القصيدة الجديدة، فهو «ليس أكثر من خيبة إضافيّة في طريق نابلس ــ رام الله».