الحساسية الجديدة التي أتى بها حليم (1929 ــــ 1977) إلى الغناء العربي لم تكن فقط نتاج تقادم الأشكال الغنائية القديمة، بل أيضاً كانت تعبيراً عن صعود جيل جديد يرفض الوصاية على طريقته في التعبير، ولا يريد تقييدها بأنماط تحد من قدرتها على التقاط روح العصر. التعبير هنا ليس فنياً فحسب، وهذا ما اتضح لاحقاً مع اقتران صعوده بهيمنة المفاهيم التي أنتجتها ثورة يوليو على المجال العام في مصر والمنطقة عموماً.


تمثيل الثورة فنياً
كانت الثورة بحاجة إلى من يعبّر عنها فنياً بعدما امتلكت الأدوات التي تتيح لها الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المصريين والعرب سياسياً. خطابات ناصر وتنظيره للثورة والاشتراكية بوجه عربي كانت لا تزال تفتقر حينها إلى المعادل الفني أو الإبداعي لها، ولم يكن ممكناً في ذلك الوقت أن يكون المعادل من «الرموز القديمة» التي ارتبطت في وعي الناس بحقبة الملكية. حتى لو تنصلت منها لاحقاً كما فعلت أم كلثوم وعبد الوهاب وسواهما من وجوه تلك المرحلة. القطيعة التي أحدثتها الثورة كانت من النوع الذي يستحيل التعبير عنه بغير الأدوات الراديكالية، وحينها لم يكن ثمة أصوات تعبر عن هذا الاتجاه سوى بعض المحاولات البسيطة والبدائية من حيث امتلاكها للتقنيات اللازمة، ومعظمها ينتمي إلى اليسار ولا يكنّ لتنظيم الضباط الأحرار كثير ود. عدم تبني هذا الاتجاه من الثورة كان بديهياً ليس فقط بسبب اختلاف التوجهات الايديولوجية، بل أيضاً بسبب الافتقار إلى الإجماع الذي كانت تحتاج له الحالات التي يراد لها تمثيل الثورة فنياً.


في ذلك الوقت، كانت تجربة عبد الحليم في طور النمو، ولم يكن قد اكتسب شهرة تتيح له الوصول إلى الأوساط التي تستقطب الأضواء وتدفع بالسلطة الجديدة إلى الاهتمام بها أو تبنيها. البعض يقول إن غناءه للحن محمد الموجي «صافيني مرة» هو الذي أخرجه من حيز النشاط الغنائي ضمن أماكن محدودة إلى فضاء الغناء الأعم ضمن نوادي العاصمة الأكثر استقطاباً للجمهور والنخبة، حيث يمكن معاينة أدائه جيداً ومعرفة إن كان يصلح صوتاً للثورة أم لا. عبد الحليم لم يكن يمتلك مقدرة أم كلثوم على التطريب، وكانت خامته الصوتية قياساً لها «متواضعة»، لكنه بخلافها امتلك الأداة التي يفتقر إليها كل مجايليه، والتي أهلته ليس فقط للهيمنة على كامل نتاج تلك المرحلة، بل أيضاً لتمثيل الثورة والتعبير عنها فنياً، بوصفه صوتها الأوحد والأكثر صفاءً ووضوحاً.

جيل حليم
قدرته على استقطاب جيل الشباب حينها هي التي ميزته عن سواه، وهي التي استقطبت بالإضافة إليه جلّ طاقات تلك المرحلة، وأكثرها إبداعاً ومقدرة على التجديد (بليغ حمدي، محمد الموجي، كمال الطويل، علي اسماعيل، عمر خورشيد، عبد الرحمن الابنودي، حسين السيد، مرسي جميل عزيز...). لم يجدد ذلك الجيل الذي قاده حليم في شكل ومضمون الغناء فحسب، بل مثّل أيضاً امتداداً لتيار عربي وعالمي كان قد بدأ يتبلور غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو في مجمله سواء هنا أو في العالم لم يكن يحبذ النزعة المحافظة في الفن. كان يفضل أن تكون مساهمته متناسبة مع التغييرات الجذرية التي طرأت على أشكال التعبير الفني بعد انتهائها. في مصر، كان التغيير الأساسي الذي أتى به حليم وفريقه هو الانتهاء من نمط الغناء الطويل، سواء لجهة الكتابة الشعرية المتمحورة حول الذات والمنقطعة عن محيطها غالباً، أو لناحية الإفراط في التكرار الموسيقي تماشياً مع نزعة كانت سائدة قوامها الإشباع العاطفي عبر رفع شحنة التطريب إلى حدها الأقصى. مع حليم، أصبحت الأغنية أقصر، وقلّت شحنة التطريب فيها لمصلحة استخدام الصوت كأداة تعبيرية. وهذا يتماشى مع طريقة ذلك الجيل في التعبير عن نفسه فنياً. الانحياز إلى الأداء على حساب التطريب تحول إلى سمة المرحلة، ومعه ولدت ليس فقط الأغنيات القصيرة والمتوسّطة الطول، بل أيضاً الرومنتيكية التعبيرية التي كان يفتقر إليها الغناء القديم، والتي تميزت على الصعيد الشعري بالربط بين الموضوع والبيئة التي يجري فيها. الحب مع العندليب لم يعد حالة عاطفية منقطعة عن محيطها، بل أصبح بفضل اجتهادات الأبنودي ورفاقه الشعرية في متناول الطبقات الشعبية كافة. وهذا ما كانت تريده الثورة لجهة جعل الفن المرتبط بها أكثر قدرة على التعبير عن التحولات التي أحدثتها، سواء في وعي الناس أو في وضعهم الاقتصادي والاجتماعي. أغنيات مثل: «على حسب وداد» و«أنا كلّ ما قول التوبة» لم تعبّر عن الحب كما يحدث عادةً في أقاصي الصعيد المصري فحسب، بل أوجدت أيضاً مناخاً تعبيرياً جديداً، وفتحت أمام الغناء المصري أفقاً شعرياً لم يكن قد اكتشف بعد. الحبّ مع هذا النوع من الغناء يصبح أكثر رحابة ويتخفف من مركزيته المفرطة التي تمثّلها حياة المدينة بطبقاتها المتعددة لمصلحة الفئات والطبقات التي همّشها نمط الغناء القديم، ولم يسمح لها بالتعبير عن نفسها كما يجب. وهو ما سيتكرّر لاحقاً مع بيئات أخرى (النوبة مثلاً)، وبأصوات يمكن اعتبارها جزئياً امتداداً لتجربة حليم في توسيع نطاق التعبير الفني إلى حده الأقصى.

التجديد من ضمن الاستمرارية
لكن التجديد الذي قاده حليم برفقة الأبنودي وبليغ والموجي وآخرين، لم يكن من النوع الذي يقود إلى قطيعة مع التراكم الفني الذي تحقق في مصر على يد أقطاب فنيين مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش... ربما كان غناؤه بمثابة المرحلة الأهمّ في تطوُّر الشكل الغنائي المصري والعربي عموماً، لجهة جعله متناسباً أكثر مع روح العصر وإيقاعه. لكنه كان يمثل أيضاً وبنفس القدر تقريباً الأفق الذي ستكون عليه الأغنية بعد مرورها بكل المراحل التي سبقته، وأهمها على الإطلاق مرحلتا أم كلثوم وعبد الوهاب. وهذا ما يفسر العلاقة الخاصة والاستثنائية التي جمعته بهما، وخصوصاً بعبد الوهاب، حيث كان الموسيقار يكنّ لحليم وداً كبيراً، وينظر إليه ليس فقط بشكل شخصي، بل موضوعياً أيضاً، على اعتبار أن مساهمته ومساهمة جيله ستكونان أساسيتين ومفصليتين في تطوير شكل ومضمون الغناء المصري، كما يتطلع إليه عبد الوهاب. ومن هنا فإنّ العلاقة بينهما كانت بالفعل بمثابة إغناء للتجربة ليس فقط لجهة الرعاية الفنية وتقديم النصح والمشورة، بل أيضاً لناحية تقديم مساهمات موسيقية أساسية على طريق تطورها.
كان التجاوز الأهمّ الذي حققته الأغنية المصرية في تاريخها

عبد الوهاب كان مهتماً بتنويع مسيرة حليم وعدم إبقائها ضمن خط التطور البطيء والتدريجي الذي يقوده هو إلى جانب آخرين. معرفته بما تتطلبه الحساسية الجديدة جعلت مساهمته المباشرة في التجربة تتراجع لمصلحة الجيل الجديد الذي يقوده ملحنون مثل بليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي. والحال أن ذلك كان بمثابة دفعة إضافية لها، على اعتبار أن إسهامه المباشر فيها سيكون أهم بعد نضوجها وليس قبله، وبعد أن تكون قد تجاوزت مرحلة «القطيعة»، وعادت لتنضم إلى التراكم الطويل للمدرسة المصرية.

مناخات عبد الوهاب
ألحان عبد الوهاب لحليم كانت بمثابة محطات مفصلية في مسيرته الفنية. فبعد أن يكون قد حقّق تراكماً وبلور نمطاً غنائياً محدداً بالتعاون مع بليغ أو الموجي أو كمال الطويل، تأتي ألحان عبد الوهاب لتعيد ضبط الإيقاع، فتربط بين عناصر التجربة المختلفة، وتعيد التذكير بالأفق الفعلي لهذا النوع من الغناء، حيث الإيقاع الدرامي وتسريع وتيرة الغناء لا يتناقض مع الحفاظ على النفس الطويل للأغنية، بل يكمّلها، ويسمح بحصول تضافر يصل بها إلى حدود بعيدة جداً، مثلما هي الحال مع رائعته «يا خلي القلب». هذه الأغنية أتت في المرحلة الوسيطة للتجربة، أي بعد اكتمال معالم غناء حليم ابتداءً من أواسط الخمسينيات وحتى تاريخ إنتاج الفيلم («أبي فوق الشجرة» للمخرج حسين كمال) الذي أتت الأغنية في سياقه. من يسمعها، يشعر بكيفية مساهمة عبد الوهاب في التجربة، حيث الإيقاع المستقبلي والنفَس الوجودي يتجاوران مع البنية الدرامية لغناء حبيب لحبيبته في أواخر الستينيات من القرن الماضي. سبقت هذا التعاون محطّات كثيرة (أهواك، توبة، شغلوني، قولي حاجة...) ومعظمها إن لم يكن كلها تحمل نفس سمات التعاون بينهما، لجهة المزاوجة بين غناء حليم التعبيري ومدرسة عبد الوهاب في التجديد التدريجي والمضبوط بدقّة متناهية. هذه الاستمرارية حققت معادلة تكاد تكون محصورة بتجربة عبد الحليم، حيث التجاور بين الحساسية الغنائية الجديدة (شعراً وموسيقى) والتقليد الذي قاده عبد الوهاب للحفاظ على وتيرة متدرِّجة في تطوير الأغنية، وشدشدة مفاصلها حين تشتطّ في لحظات معينة.

أغنية التجاوز
هذه العلاقة الجدلية بين الاستمرارية والقطيعة كانت ستقود حُكماً إلى حصول تجاوز في نمط الغناء المصري، بحيث يصبح مستحيلاً أن تعود الأغنية المصرية بعد حليم إلى النسق القديم، وبالتالي ينفتح الأفق أمامها تجاه أنماط تعبيرية ليست بالضرورة محكومة بالاستمرارية التي مثلها هو. هكذا، انتقل الغناء معه ومع جيله من مرحلة إلى أخرى، في ظرف كان يتطلب سياسياً واجتماعياً حصول هذا الانتقال، وفي وقت كان التجديد الغنائي الذي بدأ مع سيد درويش واستمر مع عبد الوهاب قد وصل إلى مرحلة تتطلب تسريعاً في الإيقاع. هو بهذا المعنى كان التجاوز الأهمّ الذي حققته الأغنية المصرية في تاريخها القريب والبعيد، والذي سيغدو بسبب طابعه الانتقالي مدخلاً إلى مزيد من التجاوز على يد مغنين (مثل محمد منير) ليسوا بالضرورة امتداداً مباشراً له ولجيله، ولكنهم حكماً نتاج تجربته الطليعية في تغيير شكل ومضمون الغناء المصري والعربي.