لا يحيد «ليبان جاز» عن سياسته التنظيمية المعروفة، إلا في ما ندر. معظم الفنانين الذين يدعوهم لإقامة أمسيات في العاصمة اللبنانية يختارهم القائمون على المهرجان الدائم من فرنسا أو من المقيمين في فرنسا. نادراً ما خرج عن هذه القاعدة، وإن فعل فالاستثناءات تكون أوروبية عموماً، إيطالية (ستيفانو دي باتيستا، أنريكو رافا،…) أو بريطانية (هيو كولتمان الذي أحيا آخر أمسية في المهرجان قبل الاستراحة الصيفية) أو بعيدة كلّياً عن الجاز من أساسه أحياناً. هذه المرة، يقترح لجمهور الجاز في لبنان اسماً آتياً من معقل الجاز. اسمٌ أميركيّ، مغمور، لكنه يعمل في إطار الجاز، وهذا جيّد، أي بخلاف الكثير من الأسماء التي أقحِمَت تحت مظلة هذه الموسيقى التي يحمل اسمها المهرجان. هذا الاستثناء، المتمثّل في أمسية واحدة الليلة لعازف الباص والمؤلف الموسيقي كايل إيستوود (1968)، يجب أن يصبح القاعدة، في حين يصبح، بالتالي، الاستثناء، من/ ما شكّل القاعدة سابقاً. أي مهرجان جاز عليه أن ينظر أولاً إلى النشاط الخاص بهذا النمط في أميركا، ويختار من لائحته ما هو قيّم ومتاح لوجيستياً. وفي حال تعذَّر الخيار، ينتقل إلى الخطة «باء»، أي إلى الحالة الأوروبية أو غيرها.

إذاً، زائرنا هذه المرة آتٍ من الولايات المتحدة الأميركية، من عائلة فنية، تحب وتعمل بشكل هاوٍ في الموسيقى، لكن رب العائلة، والد ضيفنا كايل، هو رمزٌ فائق الشهرة في عالم السينما. إنه الممثل المخضرم والمخرج كلينت إيستوود (1930) المعروف أيضاً بعشقه للجاز وموسيقى السود عموماً، وعلى رأس إنجازاته في هذا السياق فيلم Bird الذي أخرجه عام 1988 عن أسطورة الجاز تشارلي باركر، بالإضافة إلى مساهماته في وضع موسيقى بعض الأفلام التي أخرجها و/ أو مثّل فيها. إذاً، أن تكون نجل كلينت إيستوود يعني أن يرتفع احتمال أن تصبح موسيقياً. هكذا يروي كايل في إحدى مقابلاته أنه عاش في أجواء موسيقية في منزله، فوالداه مهتمّان بالجاز وغيره، ووالده يعزف البيانو أيضاً، وقد لقّنه أولى دروسه الموسيقية في السابعة من عمره. والأهمّ أنه سمع عشرات الديسكات لأساطير الموسيقى في المنزل العائلي، حتى إنّه التقى بعضاً منهم، بحكم شهرة والده وعلاقاته بمشاهير الفن في أميركا.
سمع كايل إيستوود الكثير من الموسيقى، ودرس البيانو في البداية ثم السينما. وفي النهاية اختار الجاز كنمط أساسي ليعمل وينتج فيه، على صعيد التأليف والعزف، حيث عاد وتخصص بآلتَي الكونترباص والباص الكهربائي. تطال تجربته في التأليف والأداء، الجاز الكلاسيكي وكذلك الـRnB (وبعض الأنماط المتفرّعة) بشكله القديم وليس المعاصر، كما يدرج في الأمسيات بعض كلاسيكيات الريبرتوار. له إصدارات عدة مع فرقته الخماسية، بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية التي وضعها لأفلام عدة، معظمها من إخراج والده، وجميعها بالتعاون مع مؤلف ثانٍ هو مايكل ستيفنز. في البيان الصحافي الذي وزّعه «ليبان جاز»، هناك غياب للدقة في المعلومات المذكورة في هذا السياق. فموسيقى Million Dollar Baby التي ركّز عليها البيان ليس من تأليفه، بل تحمل توقيع والده، وتتألف — بحسب الأسطوانة الأصلية — من 20 محطة موسيقية، أشير في الكتيب إلى أن اثنتين منها تحمل توقيع كايل إيستوود وشريكه مايكل ستيفنز! الشريط الذي يميل، بالجزء المتعلق بوالده تأليفاً، إلى الـambient والموسيقى التصويرية، يرتكز بشكل أساسي على الأكوستيك غيتار والبيانو والوتريات (فكرة موسيقية واحدة تتكرر لكن بمقاربات مختلفة بشكل طفيف وبعضها متشابه حد التطابق). أما مساهمة كايل وصديقه مايكل ستيفنز، وهي بالمناسبة أمتن وأجمل، فتتألف من مقطوعتَين هما Boxing Baby وBlue Diner. أما في ما خص إنتاجه عموماً في مجال الموسيقى التصويرية (ثلاثة أفلام، بالإضافة إلى مشاركات ثانوية في عدة أعمال أخرى) فهو مهما راعى أجواء الفيلم، يُبقي على نفحة جاز، كما هي الحال، مثلاً، في Letters from Iwo Jima (إخراج كلينت إيستوود) الذي تخيّم على جزءٍ من شريطه الصوتي الأجواء اليابانية، نظراً إلى موضوع الفيلم الذي يتناول ـــــ من وجهة نظر يابانية ــــــ الهجوم العسكري الأميركي على جزيرة إيوو جيما في المراحل الأخيرة من حرب المحيط الهادئ (خلال الحرب العالمية الثانية).

تطال تجربته في التأليف والأداء، الجاز الكلاسيكي والـRnB بشكله القديم لا المعاصر


بالإضافة إلى رصيده في مجال الموسيقى التصويرية، لكايل إيستوود ثمانية ألبومات خاصة، أولها صدر عام 1998 بعنوان From There to Here، وآخرها In Transit صدر السنة الماضية، ويحوي مؤلفات كايل وكذلك كلاسيكيات، أبرزها تحفة عازف الكونترباص الأسطوري تشارلز مينغس Boogie Stop Shuffle، التي تنطلق تلقائياً متى فتحنا موقع إيستوود الرسمي على الإنترنت. عمل كايل في الاستوديو كما في الحفلات مع فرقة خماسية (لا تلغي وجود ضيوف إضافيين)، تضم إليه أندرو ماكورماك (بيانو)، إرنستو سمسون (درامز)، كوينتن كولينز (ترومبت) وبراندون آلن (ساكسوفون)… فهل يرافقونه جميعاً إلى بيروت؟

* أمسية كايل إيستوود: 21:00 مساء اليوم ــــ «ميوزكهول» (ستاركو) ـــ للاستعلام: 03/807555