غزة | لطالما حوصر الفلسطينيون من الطائفة الدرزية بنظرات التخوين، وكُتمت طويلاً أصواتهم الرافضة للتجنيد الإجباري في جيش الاحتلال. الأخير استغل هذه المسألة لدق إسفين الطائفية بين الفلسطينيين، منتهجاً سياسة «فرّق تسد» التي أدّت إلى ترسيخ صورة خاطئة عن أبناء هذه الطائفة.


الغيمة بدأت تنقشع أخيراً بفضل الإعلام البديل، لتظهر إلى العلن مفاهيم تعكس مدى تشبث هؤلاء بهويتهم العربية وانخراطهم بقضيتهم الفلسطينية. الصورة اليوم تختلف عن الأمس بكل تفاصيلها، فرقعة رفض التجنيد تتسع، والشباب يتصدرون المواجهة. رسائل الرفض لم تعد حبيسة أدراج مَن تم استدعاؤهم للمثول أمام مكاتب التجنيد، بل تتلقفها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتتسابق على نشرها.
تحرّك الشباب الدرزي في أكثر من اتجاه، وخيّمت عبارة «أنا مش خادم بالجيش» على العالم الافتراضي. الحراك أولى أهمية كبيرة ليوتيوب، ولتأثيره على من يفكرون في خوض تجربة الخدمة الإلزامية في جيش الاحتلال، وخصوصاً أنّه يتعذّر طرق أبواب كل الدروز لوضعهم في صورة ما يحصل. هذا الحراك أثمر مجموعة من المقاطع المصوّرة التي شملت مبادرات فردية عدّة، وتزامنت مع تحرّكات من نوع آخر على أرض الواقع من أجل القضية نفسها.
تحت عنوان «ارفض ... شعبك بيحميك»، نشر بعض الفلسطينيين فيديو (2:44 دقيقة) يرفع الصوت عالياً ضد التجنيد، ويتضمن رسائل مقتضبة تعرض الوجع الذي يشعر به الدروز، مسلطين الضوء على بعض التجارب.
صحيح أنّ مدّة المقطع المصوّر ليست طويلة، غير أنّها كشفت عن صحوة واسعة النطاق. احتضن «ارفض ... شعبك بيحميك» شرائح عمرية مختلفة من الجنسين، وضم شهادات لخادم سابق في جيش الاحتلال، ووالدتَي شابين سُجنا بعدما رفضا ارتداء بزّة الجلاد والانضواء تحت منظومة إسرائيلية قمعية تسحق شعبهما.
كلّ من ظهر في الفيديو انطلق من نقطة مختلفة، لكنّها جميعها أسهمت في فضح زيف الاحتلال الذي ادعى على مدار 57 عاماً منح الطائفة الدرزية امتيازات خاصة بغية تفرقة الشعب الفلسطيني. هذه الحقيقة قادت مطلقي الرسائل الموجزة في الفيديو إلى دعوة غيرهم للانضمام إلى طابور الرافضين، باعتبارهم جزءاً أصيلاً من النسيج الفلسطيني، وليسوا منفصلين عنه، كما روّج الصهاينة منذ أن أبرموا اتفاقاً مع بعض الدروز عام 1956، ألزم من خلاله أبناء الطائفة بالخدمة في جيش العدو.
إذاً، صبّ الدروز تركيزهم على يوتيوب، مشرّحين «الامتيازات» التي تعهّد بها الاحتلال. «امتيازات» مثل مصادرة الاحتلال لحوالى 70 في المئة من أراضيهم في منطقتي الجليل والكرمل، وفصله لمجالسهم البلدية ومناهجهم التعليمية، عدا عن تدني نسبة التعليم في أوساطهم.
«57 سنة وإحنا مغيّبين وضايعين. إجا الوقت لنقول لا»، قال أحدهم في الفيديو الخاص به، فيما نقل محامي الأسرى يامن زيدان خلال ثوانٍ معدودة استفاقته من الغيبوبة التي لازمته طيلة عمله كسجّان للمعتقلين الفلسطينيين في سجن «هداريم»، قائلاً: «أنا عربي ومش حرضى أخدم اللي احتلني بـ«برعم» وبـ«بيت جن»، «إم الزينات» وصادر أراضينا في النقب». كما لم تبدِ والدتا الشابين سيف أبو سيف وعمر زهر الدين، الرافضين للخدمة، ضعفاً أو طلباً للاسترحام من الاحتلال لإطلاق سراح ابنيهما. والدة عمر المعتقل مثلاً، بعثت برسالة عبر يوتيوب، مؤكدة أنّ «مكان عمر ورفاقه ليس في الجيش، بل في جامعاتهم وبين أهلهم وأصدقائهم».
على خط موازٍ، برزت مبادرات فردية عدة؛ بينها رسالة وسام خير الرافضة للخدمة العسكرية الإجبارية التي أوصلها على طريقته الخاصة عبر يوتيوب: «إما نحو التجنيد سر أو نحو الالتحام مع أبناء الشعب دُر». سرد الشاب الفلسطيني بعض ملامح تمييز الاحتلال العنصري ضد طائفته والنظرة الدونية إليهم.
الدروز ليسوا وحدهم من وظّف يوتيوب في مجابهة التجنيد. المسيحيون ساروا على الطريق نفسها، بعدما وصل تحريض الأب جبرائيل نداف لهم على الانخراط في صفوف جيش العدو إلى ذروته، متذّرعاً بأنّ الاحتلال عازم «على صيانة حقوق المسيحيين، إثر اقتراح مشروع قانون يفضّل بمقتضاه المسيحيين عن بقية الفلسطينيين». شوقي حبيب تصدّر المشهد عبر النقد اللاذع الذي وجّهه عبر يوتيوب لنداف، حاصداً أكثر من 49 ألف مشاهدة خلال أيام، مغرقاً الكاهن بالتهكّم والاستهزاء. لقّن الخطيب الأب نداف درساً دينياً، متوجهاً إليه بالقول: «المجند اللي عم تحكي باسمه يمكن رح يحبس أطفال».
هكذا، يكون الفلسطينيون قد أعلنوا أنّ «التجنيد لن يمر» وتوحّدوا في مواجهة خطة إسرائيل الأزلية في التفرقة بين الشعب، فهل تنتصر هذه الحملة كما انتصرت «برافر لن يمر»؟

يمكنكم متابعة عروبة عثمان عبر تويتر | @OroubaAyyoubOth












«احكيها» حفاظاً على الهوية

«#احكيها _ فلسطيني» حملة افتراضية انطلقت قبل أيّام على فايسبوك، بمبادرة من مؤسستي «الرؤيا الفلسطينية»، و«الجذور الشعبية المقدسية»، وبتوجيه وإشراف «حملة ـــ المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي» ضمن الدورة التدريبية الأخيرة التي أجريت في القدس المحتلة أخيراً، وحملت عنوان «#إعلام _ جديد». المبادرة هي الجزء التطبيقي للدورة بهدف «زيادة الوعي إزاء المصطلحات العربية المغلوطة المستخدمة الوصف والتعبير، وخصوصاً أنّ الاستخدام الخاطئ للعبارات يؤثر على بلورة الهوية الفلسطينية والوعي السياسي تجاه القضية الفلسطينية»، وفق التعريف المنشور على الصفحة الفايسبوكية الخاصة بها. الصفحة هي دعوة لمشاركة المصطلحات العربية الخاطئة التي يستخدمها الفلسطينيون «كي لا تضيع البوصلة».