ليس سهلاً الحصول على معلومات تتعلّق بصفقة بيع «دار الحياة» السعودية. الأخبار متضاربة بين دبي وبيروت والرياض، بينما جلّ ما يهمّ الموظفين والعاملين حالياً هو الحصول على مستحقاتهم المكسورة منذ خمسة أشهر. حتى إن المعلومات المنتشرة حول الصفقة محيّرة، فالكلّ يؤكّد على إتمامها، في حين يُنهي كل مصدر في الدار كلامه بـ «لم أبلّغ بشكل رسمي بالصفقة»! وكان المستكتبون في بيروت قد تلقوا سلسلة وعود بدفع مستحقاتهم، لكنها بقيت مجرد كلام، فأعلنوا الإضراب قبل حوالي أسبوعين. مع العلم أنّهم بمثابة «العامود الفقري» لـ«الحياة» السعودية والاماراتية (سابقاً)، لأنهم يزوّدون الصحيفة بما يقارب 80% من محتواها الاعلامي. كذلك الحال بالنسبة إلى «لها» التي حافظت على إصدارها الاسبوعي مع إضراب عدد كبير من العاملين فيها، لكن المجلة ظلّت في الأسواق بعدما قرّر عدد قليل من المستكتبين عدم الإلتزام بالإضراب. في المقابل، ليس وضع مكتب «الحياة» في دبي أقلّ مأساويةً من مكتب بيروت، مما دفع الموظفين إلى الإضراب أيضاً، وبالتالي عدم صدور الطبعة الدولية (النسخة الاماراتية). هكذا، ظلّت الدار تصدر في السعودية فقط مع فريق عمل متواضع ومحتوى باهت. ويُحكى أن العدد السعودي باق في الأسواق «لإعتبارات سياسية»، إذ أنّه يموّل من الديوان. لكن أول من أمس، إنقلبت المعادلة، بعدما كثُر الكلام عن بيع الدار لجهات سعودية لم يتمّ تحديد اسمها، بل يجري التكتّم على هويتها. ويتردد أن الديوان الملكي وضع يده عليها لتكون تحت عباءة ولي العهد محمد بن سلمان. هذه المعلومة إنتشرت في دبي بدايةً، قبل أن تصل إلى بيروت، مع عدم تأكيدها ولا نفيها رسمياً. فالمعلومات جد متضاربة، بخاصة أنّه لم يمرّ شهر على انتشار خبر عن إستحواذ «الشركة الدولية للاستثمارات الإعلامية» (يملكها الإماراتي منصور بن زايد آل نهيان)، على 45 % من أسهم الدار التي يملكها السعودي خالد بن سلطان. بلغت تلك الصفقة مرحلة متقدّمة لولا تدخّل القيادات السعودية التي أوقفتها وأعلنت إستعداداها لشرائها.

واليوم، يحكى عن انجلاء الغيمة السوداء وقرب تسديد المستحقات للعاملين وعودة «الحياة» إلى طبيعتها. الخطوة جاءت بعد إجتماع عقد أوّل من أمس في دبي وضمّ رئيس مجلس إدارة «الحياة» عايض الجعيد وبعض رؤساء أقسام الصحيفة. خلال الاجتماع، تبلّغ هؤلاء بشكل غير رسمي بأن عملية البيع قد تمّت مع جهات سعودية. لكن تغريدة رئيس تحرير صحيفة «الحياة» السعودية سعود الريس كانت مفاجئة، إذ غرّد على حسابه الشخصي: «بصفتي عضو مجلس إدارة، أؤكّد أنه لم يرد على لسان عايض الجعيد أو أيّ من اعضائه تلميحاً أو تصريحاً، أن الديوان الملكي طرف أو مستثمر في أي صفقة. بل كان الحديث متركزاً على تسديد كافة مستحقات العاملين في دار «الحياة» بدون إستثناء في غضون الأيام العشرة المقبلة. وهو ما كان الناشر خالد بن سلطان ونائبه قد أبديا الحرص والتأكيد عليه في أكثر من مناسبة». هذه التغريدة كانت كفيلة بإزدياد الصورة ضبابيةً، فهل أتمّت الصفقة أم لم تتّم؟ في هذا السياق، يجيب المدير العام رجا الراسي لـ«الحياة» في إتصال مع «الأخبار»: «سمعت الخبر شفهياً من مصدر رسمي. قد يحتاج الأمر لبعض الوقت كي تتضح الصورة. لم يضعنا أحد في جو المفاوضات على وجه دقيق»! كلام الراسي هو الأكثر إنتشاراً بين الموظفين، في غياب تأكيدات حول تفاصيل الصفقة.
في إتصال مع «الأخبار»، يقول الرئيس التنفيذي لـ«الحياة» الصحافي السعودي إبراهيم بادي: «التفاوض إنتهى، بقي تجهيز مذكرة التفاهم أو ما يُعرف بخطاب أو رسالة نوايا. إتمام عملية البيع أو ما يُعرف بالصفقة (الشراء أو الاستحواذ) مرحلة لاحقة تأتي بعد توقيع مذكرة التفاهم والاتفاق على المبادئ الاساسية للبيع أو الاستحواذ. ويعرف بإتمام العملية نقل كل الأصول المستهدفة الملموسة وغير الملموسة (الملكية الفكرية مثلاً) والموظفين إلى شركة جديدة إذا دعت الحاجة أو إلى الشركة ذاتها بحسب الهيكل القانوني الذي سيتفق عليه». لكن ما علاقة الديوان بالصفقة؟ يجيب: «لا علاقة للديوان ولا للسلطات السعودية بالصفقة. نحن نتفاوض مع شركتين إعلاميتين معروفتين، واحدة سعودية والثانية إماراتية. «دار الحياة» لها سمعتها وإرثها ومعرفتها في الصناعة في العالم العربي والعالم، وهناك مهتمون بها، بعدما تحمّل ناشرها خالد بن سلطان مهمّة تمويلها ودعمها لمدة تزيد عن ثلاثين عاماً. تمّ تعيين إبنه فهد بن خالد نائب الناشر عام 2013 وقاد خطّة التحوّل بنجاح خلال السنوات الخمس الماضية مع انخفاض للدخل وصل إلى 80 في المئة خلال السنوات الأربع الماضية». لكن ماذا عن الموظّفين؟ يجيبنا بادي: «الموظفون كلهم سيحصلون على مستحقاتهم، وفِي غالب الأمر على وظيفة جديدة مستقرة. إن تدفّق السيولة المالية سيبدأ خلال أسبوعين، والصفقة ستتمّ خلال شهرين أو ثلاثة كحد أقصى. هناك خطة عمل طموحة مقرّة سابقاً، سيبقى العمل عليها لحين تشكّل مجلس إدارة جديد، وإقرار استمرارها أو تطويرها أو تغييرها. «دار الحياة» ستعود إلى الاستقرار وتحاول أن تنفّذ خطة طموحة قبل مرور 75 عاماً (اليوبيل الألماسي) على تأسيسها في 2021». سيناريو بيع الدار السعودية يشبه ما حصل مع mbc السعودية قبل عام بالتمام. بعد احتجاز رئيس مجلس إدارة الشبكة السعودية وليد آل إبراهيم في فندق «ريتز كارلتون» في الرياض لثلاثة أشهر، نفت مصادر من الشاشة السعودية عملية بيع أسهمها للديوان الملكي. لكن بعد الافراج عن وليد آل إبراهيم في الربيع الماضي، خرج في مقابلة مع «رويترز» ليؤكّد على إستحواذ بن سلمان على ما يقارب من 60% من أسهم mbc والبقاء على القسم الآخر بحوزته. فهل يتكرّر سيناريو mbc مع «دار الحياة»؟