على خشبة «مسرح المدينة»، تعرض هذه الأيام مسرحية «لغم أرضي» للمخرج إيلي كمال، والممثلين ندى أبو فرحات، وعمّار شلق. تمتد المسرحية على فصلٍ واحد وخمسة مقاطع (chapters)، لتقارب قصة زوجين يعلقان فوق لغمٍ أرضي وبالتالي لا يستطيعان الخروج حتى ولو أرادا ذلك.

يتعامل المخرج والكاتب إيلي كمال الآتي من خلفية سينمائية (أخرج أخيراً فيلم «بيروت المحطة الأخيرة» Beirut terminus الذي يستكشف معاني الحدود والانتماء والهوية، إلى جانب العديد من الأفلام القصيرة)، مع العمل لا كمجرد نصٍّ ومسرحية يخرجها، بل كقطعة من روحه تأنّى في الاشتغال عليها لأشهر. في البداية، اختار بطلين مناسبين لعمله هما ندى أبو فرحات وعمّار شلق. «ندى تلقّت ايميل المسرحية مثلها مثل عمّار» بهذه العبارة يشير بابتسامة إلى أنه لم يكتب الدور لأبو فرحات (وهي زوجته بالمناسبة) في الأساس، بل إنه ببساطة عُرضَ عليها وناسبها. أما شلق، فقد قرأ النص، وأعجبه وفق ما يقول لنا.
ما هي الأمور التي ميّزت «لغم أرضي» (Anti Personnel)؟ في البداية، على المشاهد أن يترك المتوقع جانباً. حين نسمع الاسم «لغم أرضي» ونعرف أن هناك «بطلين» على الخشبة، سرعان ما نفكّر في كليشيه العلاقات الإنسانية البديهي والمعقد. بالتأكيد هناك علاقة بين شخصين في المسرحية، لكن العلاقة هنا عبارة عن «لغم متفجّر» وفي الوقت عينه «رابط لا يمحى» بين بطلين، كلاهما يحبان بعضهما إلى مرحلة ما بعد النسيان. إذ كيف يمكن للحب أن يموت؟ هذا هو السؤال الأهم في المسرحية: كيف يمكن لمن نحبهم أن يموتوا؟ كيف يمكن لهم أن يرحلوا طالما أنّنا نحبهم؟ العلاقة تبدو أكثر تعقيداً من المباشر في العلاقات. النص رشيق، والحوارات تجعلنا أمام عملٍ فيه إتقان وبراعة. يتبادل البطلان الأدوار بشكلٍ دائم، وبحرفةٍ عالية، مما يظهر كيمياء مسرحية عالية بينهما. يمثّل شلق بسلاسة وفرح، فيما ندى ابو فرحات «تتجلى» في هذا الدور وتظهر شخصيةً غير ما اعتدناه منها تلفزيونياً وسينمائياً.
تتعقد العلاقة بين البطلين القابع أحدهما في عقل الثاني وذاكرته، إذ لا مكان أو زمان للمسرحية. حتى البطلان قد يخال المشاهد بأنهما ليسا حقيقيين. أصلاً السؤال الأساسي في المسرحية هو: من قال إنَّ الحقيقة ليست إلا في عين الناظر؟ إذاً، نحنُ أمام أسئلة وجودية، لكنها أيضاً يومية تقارب المعاش والواقع أكثر من المتخيّل أساساً. ماذا عن القصة الأساسية؟ ببساطة هي قصة شخصين عالقين في مكانٍ واحدٍ يظنان أن الخروج منه مستحيل. لكن السؤال الأساسي والأهم: هل هما فعلاً يريدان الخروج منه؟ هل الخروج من هذا المكان هو ما يصبوان إليه خصوصاً إذا ما لاحظنا مقدار النقاش بينهما حول الخروج وتعقيداته؟ الأكثر من ذلك هو تلك الحميمية التي نجدها في الكثير من لحظات المسرحية. تفاصيلُ تذكرنا بالحياة اليومية العاطفية لأي زوجين في مجتمعاتنا: زوجان يحبان بعضهما لكن الحياة اليومية تجعلهما متقاربين/ متباعدين في آنٍ معاً.

النص رشيق، والحوارات تجعلنا أمام عملٍ فيه إتقان وبراعة


تقنياً، ما فعله إيلي كمال كمخرج وككاتب، يقدمه إلى الجمهور المسرحي كمحترف إلى حدٍّ كبير، إذ يتعامل مع شخصيات أبطاله بحرفة بالغة، لا سينوغرافيا معقدة، ولا ديكور صعباً، فقط كرسي حديقة ذو وجهين وطاولة minimal للجلوس عليهما. إذاً نحنُ أمام الديكور المبدئي في المسرح الحداثوي: الأبطال وكرسيٌ لا أكثر ولا أقل. هنا يصبح العمل محترفاً وأصعب من غيره، إذ يتكئ بكليته إلى مجهود البطلين وأدائهما، وطبيعة النص المكتوب. أدائياً، تميزت ندى في شخصية البطلة، خفيفة الظل، وسريعة الحركة، فضلاً عن تغطيتها لكل زوايا المسرح خلال حركتها عليه. بدا الأمر مريحاً وفي الوقت نفسه ضرورياً، إذ يغفل كثيرون عن ملء المسرح، خصوصاً متى علمنا أن أول قوانين المسرح الكلاسيكي هو ألا تُترك في المسرح زاويةً لا تلمسها أقدام الممثل. بدوره، بدا عمار شلق فرحاً بالنص، فأعطاه الكثير من حرفته. حتى حين تبتعد البطلة عن الواجهة، وتجلس في الظل، ويبدأ هو بالقراءة، أي بمعنى يفقد ميزته الحركية، يتكئ كلياً إلى صوته وحده لإيصال الفكرة التي تريدها المسرحية، ويضمن ألا يمل الجمهور ويكمل متابعة المسرحية بالوتيرة نفسها التي بدأها بها.
باختصار، نحن أمام عمل محترف سواء من ناحية المخرج/ الكاتب أو لناحية الممثلين. هو عملٌ حداثوي/ كلاسيكي في آنٍ معاً، إذ لا يمكن تصنيفه كعمل حداثوي فحسب، فهو وإن كانت فيه الكثير من تقنيات المسرح الحديث، إلا أنه أيضاً يقارب الأعمال الكلاسيكية من خلال الحركة على المسرح، وطريقة تواصل الأبطال، وفوق كل هذا طبيعة النص الأقرب إلى المعاش اليومي منه إلى «المتخيل/المفترض» غير القابل للحدوث. يمكن لهذا العمل المراكمة عليه، لإنجاز أعمال جميلة من هذا النوع، وبالتالي دفع المسرح اللبناني/ العربي بعيداً عن المسرح غير المفهوم في بعض الأحيان، أو المباشر الممل في أحيانٍ أخرى.