من دون سابق إنذار، فوجئ زوّار الموقع الإلكتروني لـ lbci أخيراً بأنّ مواده مقفلة لقاء بدل مادي (4.99 دولار أميركي شهرياً ـــ 54.99 سنوياً)، ما خلا نشرات الأخبار. خطوة غير متوقعة دشّنت مرحلة مختلفة من مسار القنوات اللبنانية، التي تحيط بعملها اليوم ضبابية في التعاطي مع هذا الملف. mtv و«الجديد» حوّلتا موادهما الأرشيفية خارج لبنان إلى خدمة مدفوعة، على طريقة الفيديوات حسب الطلب (Video on Demand)، بينما بقيت المواد متاحة محليّاً عبر موقع mtv لقاء تسجيل الدخول عبر الموقع، ومفتوحة بالكامل على موقع «الجديد». قبل ثلاث سنوات، عاشت القنوات اللبنانية أزمة حادّة، ودخلت في معمعة مع أصحاب الكابلات محاولة استرداد «حقوقها الفكرية». محاولة باءت بالفشل، بعد إجهاض «التسوية»، التي عُرضت على أصحاب الكابلات، وقضت باجتزاء مبلغ ستة آلاف ليرة لبنانية. هذا الفشل كان بمثابة ردّ من أصحاب الكابلات على أصحاب القنوات الراغبين في إنشاء باقة مشتركة تضمن حقوقهم. بعد الاستحقاق النيابي وانتعاش الجيوب، أقدمت المحطات المذكورة على خطوة قد تكون غير مدروسة نظراً للوضع الاقتصادي واللوجستي في لبنان. دخلنا في عصر الفيديوات حسب الطلب، لقاء اشتراك شهري أو سنوي، أو تسجيل الدخول بواسطة البريد الإلكتروني. مرحلة لم يجر على ما يبدو التنسيق فيها مع رؤساء باقي القنوات التي لم تحسم خيارها في «الإقفال» الإلكتروني، في انتظار نجاح أو فشل الخطوة، أو حتى جدواها لبنانياً. إذاً، منذ شهر ونيف تقريباً، دخل لبنان عصر الـ v.o.d، بعد سنوات من مجانية المحتوى. مراحل عدّة سبقت هذه الخطوة، تمثّلت في السباق المحموم بين المنصات الافتراضية والتقليدية، أو بين الشاشات والهواتف الذكية. حاولت القنوات بشتّى الطرق مجاراة العصر الرقمي، وتلقي ضرباته. عزّزت مكانتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعمّدت عدم بثّ برامجها على هذه المساحات وإجبار المتابع على دخول مواقعها الإلكترونية، وانتظار سيل الإعلانات القصيرة التي تعتاش منها للاطلاع على ما يشتهيه. بعدها، بدأت مرحلة البث المباشر الحيّ عبر فايسبوك. ولعلّها بلغت أوجها في رمضان 2016، في خضم المنافسة الدرامية الشرسة. استغلت التلفزيونات هذه الخدمة لإشعار آلاف الناشطين/ ات على الشوسال ميديا بأنّه يجري في هذه اللحظة عرض المسلسل الفلاني، ودعوتهم إلى تشغيل تلفزيوناتهم للمتابعة. إذاً، هي محاولات «اصطياد» للمشاهدين الذين زاد اهتمامهم بالمنصات الافتراضية التي باتت تشكل خطراً على الشاشة التقليدية. المواءمة التي حاولت القنوات تثبيتها كي لا تخسر جمهورها، حتى بعد إدخال لعبة التفاعل الافتراضي على كل برامجها، يبدو أنّها وصلت إلى حائط مسدود. الآن، نشهد مرحلة من الترقب. تخوض lbci، وحدها سياسة المشاهدة لقاء الدفع المادي (محلّيّاً)، ولا يُعرف حجم نجاح أو إخفاق هذه الخطوة أو أعداد «المتشجّعين» للاشتراك، في الداخل اللبناني، وسط أسئلة حول جهوزية الجمهور لخوض هذه التجربة، وسرعة الإنترنت المعدومة وارتفاع كلفتها، واستئهال المواد المعروضة للمال. نقاشات تطول حول هذه الخطوة التي تذاكت فيها Lbci عندما أخرجت جزءاً من أرشيفها (مقابلة جبران تويني مع السيد نصر الله -1995) وعرضته مدفوعاً بشكل متقطع (حلقة كل أسبوعَيْن)، بدلاً من الاكتفاء ببرامجها الحالية التي قد لا تُغري الجمهور... في انتظار الخطوة المقبلة من باقي القنوات، لناحية إمّا الاكتفاء بالوضع القائم، أو الدخول الفعلي ضمن الخدمة المدفوعة لكن «على أصوله» مع إنتاج محتوى إلكتروني خاص.

نظرياً، تضعنا أستاذة الإعلام في «الجامعة اللبنانية»، وفاء أبو شقرا، في التسلسل الزمني الذي مرّت فيه القنوات قبل الزمن الرقمي، بدءاً من نشوء الفضائيات، و«منطق الدشّ»، إلى الدفع لأصحاب الكابلات. تصف أبو شقرا خطوة القنوات اليوم بأنّها «نقلة كبيرة في عالم المرئي والمسموع»، في بيع المحتوى الذي كان يأخذ سابقاً شكل الأرشيف المجاني. تركّز هنا على فئة معنية من المتابعين للشاشة التقليدية الذين يقع جلّهم ضمن من أسمتهم «روّاد المسلسلات»، مع غياب أي حكم علمي يستند إلى دراسات جدية حول أولئك الذين يهجرون هذه الشاشة أو الأعداد التي تتحلّق حولها، وما إذا كان الدفع المسبق «أونلاين»، سيدفع بجمهور معيّن إلى المشاهدة الحيّة على الشاشة التقليدية. غياب الأرقام الجازمة بأنّ الأخيرة في خطر أو لا، يقابله طبعاً حثّ وتحفيز غير مباشرين عبر تقنية البث المباشر (لايف ستريمينغ)، على المنصات الافتراضية. وتنوّه أبو شقرا أيضاً بخطوة lbci التي كانت «سبّاقة» في هذا المجال.
إزاء هذه المشهدية التي تحتاج إلى التدقيق في رصد سلوكيات الناس حيال جهاز التلفزيون، وسط أمواج التسونامي الرقمي، وهجرة الشباب للشاشة الصغيرة التي رافقتهم في طفولتهم، هل تنجح الاشتراكات المدفوعة في إحداث هجرة عكسية نحو التلفزيون التقليدي؟ يبدو أنّه يصعب تحديد الأمر اليوم، لأنّنا ما زلنا «شعوباً اجتماعية»، تجتمع أحياناً حول التلفزيون في المنزل، خصوصاً لدى متابعي الأعمال الدرامية. زادت عليهم اليوم الفئة الواسعة التي يرهقها الوضع الاقتصادي ولا تستطيع التخطيط لمشاريع خارجية تُلزمها بدفع المال، فيما يتم «الاكتفاء بإعادة مشاهدة مقاطع صغيرة على الإنترنت في حال تفويت موعد المتابعة». هذا ما يقوله مدير عام شركة «آراء» (ARA MRME)، طارق عمار، في حديث مع «الأخبار». ويلفت إلى أنّ «نمط الحياة تغيّر، والكل بات غارقاً في انشغالاته»، خصوصاً فئة الشباب التي ذهبت أكثر نحو متابعة محتوى غير لبناني، على رأسه الأعمال المتوافرة عبر «نتفلكيس» (أرباح صافية: 600 مليون دولار (2017) ـــ عائدات: 11 مليار و69 مليون دولار) التي أتاحت لهم خدمات جمّة وإنتاجات ضخمة ومنوّعة... علماً بأنّ مسلسلات وبرامج هذه المنصة الأميركية تستقطب 137 مليون مشترك حول العالم. يرى عمّار أنّ نمط الاستهلاك «تغيّر» وآخذ في التسارع، إذ بات المتابع يشاهد البرنامج على الشاشة الصغيرة لدقائق فقط على عكس ما تروّج له أرقام التلفزيونات المضخمة حول نسب المشاهدة. يؤكد طارق عمّار أنّ المشاهد اليوم، لا يهمّه محتوى برنامج عُرض قبل أيام قليلة. وعن إقفال المواد التلفزيونية لقاء بدل مادي، يعلق عمّار بأنّ الخطوة قد لا تجذب المشاهد إن لم تحتوِ جديداً، وحتى المواد الأرشيفية هي محلّ جذب فقط «للفئة المهتمة به».

* نتائج «ميديا ريسيرش» بالتعاون مع GFK حول نسب مشاهدة الشباب للتلفزيون لعام 2018 حتى شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي