في مثل هذه الأيام قبل عامين، احتفلت mtv بيوبيلها الفضّي. 25 عاماً عبّرت عنها وقتها بفخر واضح، على صعيد الصورة والمضمون، كونها كانت «السبّاقة» إلى شراء حقوق البرامج الأجنبية، و«إعلاء السقف» في برامج الـ «توك شو». طوال السنوات الماضية، تبنّت المحطة خطاباً انعزالياً، مدعيةً أنّه «الصوت المدوّي باسم المسيحيين»، كما أنّه «وقف في وجه الاحتلال السوري»، وما فتئ أن طال قضايا اللجوء والهوموفوبيا (رهاب المثليين)، وحتى قضايا وطنية تمسّ العقيدة اللبنانية كالعداء لـ«إسرائيل»، والجماعات الإرهابية. نتيجة كارثية وصل إليها خطاب المحطة في السنوات الأخيرة، وسط اهتزاز صورتها في الكثير من الأماكن، وتحوّل أدائها إلى محط للسخرية، ولا سيّما مع انسلاخها عن الواقع اللبناني، وتفاصيله ومصطلحاته، إذ ذهبت إلى «التفرنج» في البرامج والحوارات حتى صحّ وصفها بـ«كوكب mtv». أضف إلى ذلك السخرية من لغتها المتلوّنة بين الفرنسية والإنكليزية والعربية الركيكة، ونشوء نقمة خاصة من قبل نجوم سوريين وضعوا «فيتو» على بعض مذيعي المحطة، ممن كانت لهم «مآثرهم» في العنصرية والتحريض.

هذه المشهدية التي تكرّست في السنوات الماضية، لعلّها اختلفت اليوم، مع بروز إشارات جديدة تدلّ على رغبة قناة المرّ في الخروج من قوقعتها. فالقناة التي تتمتع بصورة جذابة وأنيقة وتعتني بوجوه مذيعيها ومذيعاتها «الحسناوات»، يبدو أنّها تريد الخروج من هذه الشرنقة، وتغيير الصورة التي ارتبطت بها أخيراً. المحطة التي انتقل إليها حديثاً المنتج سلام زعتري، والمخرج المخضرم كميل سلامة («منّا وجرّ»)، وعبّاس جعفر («بيت الكل»)، شهدت تغييرات عدة في الفترة المنصرمة. صحيح أنّه قد لا يُبنى عليها لاحقاً، غير أنّها بالتأكيد لافتة. سلسلة محطات، يمكن الركون إليها، وتشريحها من أجل إبراز هذا التغيير. يمكن اختصار هذه المحطات، بأنّها بُنيت على بساط من السخرية، لتمرّر رسائلها تجاه الآخر المختلف طبقياً ودينياً. البداية كانت مع الموسم الرابع من «منّا وجر» (الاثنين ــــ 21:40)، إذ عمد زعتري إلى كسر صورة بيار رباط، ومحو ما اقترفه سابقاً من تسطيح لقضايا الفقر والعوز، فاتّجها معاً إلى الأسواق الشعبية (اللحم والخضار) في الطريق الجديدة وصبرا. للمرّة الأولى، احتكّ ربّاط بهذه المناطق وناسها، فكانت خطوة ذكية من زعتري الذي وضع بصماته ولو عن طريق السخرية، في «منّا وجر» الذي يشكل جزءاً أساسياً من صورة المحطة. الخطوة الثانية برزت في برنامج «بيت الكل» (تقديم عادل كرم، إخراج ناصر فقيه ــــ الجمعة 21:40) الذي بدأت أولى حلقاته قبل أسبوعَيْن. رغم التصويب في الحلقة الأولى على «العهد» ورئيس الجمهورية ميشال عون، إلا أنّ كرم لم يكرّر هذا الأمر في الحلقة الثانية. ابتعد عن السياسة، مدفوعاً برغبة في دخول مجالات أكثر يتسع لها «بيته» الجديد الذي يتميّز بالديكور المنزلي القريب إلى الناس. استقدم «بيت الكل» عبّاس جعفر، الآتي من تجربتَيْ «شي.أن.أن» (الجديد)، و «بي.بي.شي» (lbci) الساخرتَيْن. لطالما قدّم عبّاس نفسه على أنّه الشاب البقاعي الذي يُتقن لهجة هذه المنطقة ويتحدث بها، ساعياً إلى «تشريع الحشيشة». هذه المرة، مع انضمامه إلى «بيت الكلّ»، كان من الذكاء في مكان استثمار شخصيّته النمطية الخاصة ضمن كادر مناقض تماماً، يسخر من نَفَس المحطة.
من خلال فيديو ساخر، حاول البرنامج التعريف عن شخصية جعفر في الحلقة الأولى. ظهر الشاب مع مذيعة الطقس (الحسناء) جنيفر عازار، في جلسة حميمة على أضواء الشموع بالقرب من المدفأة، حاملاً السيجار ومتحدّثاً الفرنسية مع عازار، قبل أن يهمّ الثنائي إلى الرقص معاً. شريط تضمنته تمثيلية، عبّر فيها عباس جعفر عن مخاوفه من تحوّله إلى شخص آخر، متخلّياً بذلك عن جلده. في التقرير أيضاً، ظهرت جدة جعفر البقاعية التي تظل توصيه بالمحافظة على عاداته، فيما تقول لميشال المرّ إنّ 30 ألف رجل على استعداد للدفاع عن الممثل الشاب في حال تعرّضه لأي مكروه.




هذه السخرية المقصودة التي تعدّ محاولة كسر لصورة القناة، تكرّرت أيضاً في الحديث مع الضيف الأوّل، النجم ملحم زين. دردش عادل كرم مع ضيفه عن عدد أولاده (4 أطفال) وأسماؤهم (علي، فاطمة، زينب وحسين)، قبل التطرّق إلى أنّه يسكن في شارع سرسق في الأشرفية. هنا، عقّب عادل ممازحاً: «حاصرتو سرسق العادي»، ويقصد هنا طبعاً «الشيعة».
عادل كرم الموضوع على «اللائحة السوداء» سورياً نظراً إلى تعليقاته العنصرية حول اللاجئين السوريين في لبنان، استقبل في الحلقة الثانية النجمة المخضرمة منى واصف. أضفت الممثلة السورية جوّاً مميّزاً على الحلقة، وكانت لاستضافتها دلالة واضحة، ورسالة موجهة إلى عموم السوريين. بدا ذلك واضحاً من خلال التودّد الذي أظهره كرم وملاطفته لها، وخصوصاً حين تطرّق إلى سوريا/ البلد، والانتماء وضرورة التشبّث بالأرض. وتماشياً مع الأجواء السابقة، عرض البرنامج نفسه «اسكتشاً»، صوّر في أحد المحال التجارية، جمع بين عادل كرم وأديل جمال الدين وعباس جعفر. خلاصة الفقرة الساخرة أنّه بات لبيت عادل أي «بيت الكل»، مكان يضم الجميع بمن فيهم «الشيعة» من «علي وحسن وحسن وعلي...» كما قال جعفر لكرم. وأيضاً، بات يضم في أحضانه المسلمين الذين يستخدمون «الشطافة»، و«الملتزمين» دينياً الذين يشربون «بيرة شرعية»!
قد لا يكون ما تفعله mtv اليوم «انقلاباً» في سياستها التحريرية، لكن على الأقل هناك إشارات دالة على تغيّر حاصل في أروقتها. مرّة تصنع بورتريهاً لنجل الأمين العام لـ«حزب الله» جواد نصر الله، ومرة تخفض سقف تصويبها على اللاجئين والعمال الأجانب، وحتى على المسلمين (تقارير بيع الأراضي لغير المسيحيين). لا شك في أنّنا أمام مشهدية مستجدة، تنذر بتغيّر واضح، يشمل الانفتاح على «المحمودات» وباقي «الغرباء».