وضعتُ حبّة الاتيفان تحت لساني وبدأت بتحضير نفسي للغيبوبة القادمة: أسدل ستائري القاتمة وأضيء الضوء الخافت الأصفر، أرش زيت الخزامى على وسائدي، وأحمل فيرهايفن قطي الفارسي ومعالجي النفسي في الآن نفسه، وأهرع للتواري معه بين شراشف من قماش البامبو الساتينيه. لست شخصاً من الصعب إرضاؤه، وطقوسي المحددة جدّاً ليست ترفاً فحسب. لقد عملت على تطويرها طوال ثلاثين عاماً ـــ آخر عشرة منها بمساعدة طبيبتي المعالجة ـــ كي أخفف عني وطأة نوبات الذعر التي تداهمني حين ألمح ما يذكرني بما سبّب لي التروما من مشاهد أو أصوات أو روائح. فالضوء يوتّرني وكيفية ملامسة القماش لبشرتي، قد تُفسد كل محاولاتي لاسترجاع توازني النفسي.

أخدّر وعيي كما سلف، وأُغرقه بإضافة كأس أو أكثر من النبيذ (لا تخبروا طبيبتي ولا تجربوا خلط المهدئات والكحول)، لأعطي جسدي المُستفَزّ فرصة الاسترخاء. يحدث ذلك كلما ووجِهت بومضات من ماضٍ قاسٍ، مؤلمٍ، يرفض المضيّ، والألم (الجسدي كذلك) الصعب تحمّله. فمثلي مثل الناجيات الأخريات من حالات الاعتداء الجنسي بمختلف أشكاله، ومرات تكراره وخطورته، أعاني من اضطراب ما بعد الصدمة. وهو ليس «مرضاً» ولدنا معه، بل تغيرات تطرأ على الجسد والنفس لتكييفهما مع إمكانية حدوث الـ «صدمة» ذاتها مرّة أخرى. لكنه «تكييف مرضي»، إذا جاز التعبير، يتغير به وعي الضحية وطريقة اختبارها فكرة الوقت: عند حصول ما يذكر الضحية بالصدمة، ينتقل الدماغ لِعَيش اللحظات الحالية كأنها لحظات حصول الاعتداء الأساسي عليها. لا يفرّق الدماغ عندها بين الماضي والحاضر، ويتسبب ذلك بشعور يسمى «المواجهة أو الفرار»، مع ارتفاع بضربات القلب وصعوبة في التنفس وغيرها من الأعراض، ما يرهق الجسد ويتطلب يوماً أو أكثر قبل أن يستعيدَ نشاطه الطبيعي.

شيوري ماتسوموتو ـ «بحثاً عن عصفوري» (زيت على كانفاس ـ 162.0×130.3 سنتم ــ 2000)

أما سبب العوارض القاسية التي انتابتني هذه المرّة، فهو للأسف فيديو أنتجته جمعية «أبعاد»، استباح جراحي من دون أدنى درجات المسؤولية والحرفية. إنّ أبسط قواعد احترام الضحية أمران: تحذير في بداية الفيديو يوضح محتوى المَشاهد التي يتضمّنها، وتعلقها بالاعتداء الجنسي، ثم التنبيه المبكر أن المشاهد ليست حقيقية بل مصوّرة مع ممثلة تؤدّي دور الضحيّة. كان من الممكن لهذين التحذيرين أن يفيا بالغرض. التحذير الأول يُعلم كل ضحية ستشاهد الفيديو بالمحتوى القاسي، ويترك لها خيار عدم المشاهدة، والثاني يُخطر الضحيّة الحقيقيّة بعدم التماهي مع الممثلة. لكن جمعية «أبعاد» التي أولت اهتمامها للتشويق الاستعراضي، لم تحترم الأصول، بل استباحت توازننا النفسي الهش… هذا التوازن الذي نعمل يوميّاً للحفاظ عليه، جاهدات، وجاهدين أيضاً (بالنسبة إلى ضحايا الاعتداء الجنسي على الأطفال من الذكور، ويعانون، بعدما أصبحوا بالغين، من اضطراب ما بعد الصدمة، أو أحد «أضطرابات الانفصال» dissociative disorders).
مضى أسابيع على هذا الفيديو، فما كانت نتيجته؟ لم يكن أكثر من فقاعة إعلاميّة، غير أنها فقعت وطرطشتنا. بَهُتَ الفيديو عند أول ماراثون نظمته السيدة مي الخليل، حيث أتحفتنا جمعية «أبعاد» مرة أخرى بلوحات تتغنى بعدم «ركض» (أي هروب) ضحايا الاغتصاب من مغتصبيهم، بل مواجهتهم (لعب على الكلمات الإنجليزية I don›t run). لست أدين الضحايا اللواتي والذين يقررون مواجهة مغتصبهم، بالعكس، لكن أتُدرك الجمعية هذه أن هذا النوع من المواجهة يعرّض الضحايا للخطر؟ أولاً، هناك خطر الأذى الجسدي المباشر، لأن مرتكب هكذا جريمة لا يُعرف برهافة مشاعره بل بكونه شخصاً عنيفاً، وثانياً، هناك الأذى النفسي الناتج عن أي احتكاك ممكن مع المعتدي كما أسلفت. من الممكن أن تكون هذه المواجهة اختباراً مقوّياً للشخصية، لكن الأكثر حدوثاً هو الاحتمال الثاني. عدا عن ربط الجمعية فكرة عدم المواجهة بالخزي والعار والهروب والضعف، كنتيجة حتمية لما تستبطنه فكرة «أنا لا أهرب».
في هذا السياق، إنّ جمعية WAVAW التي تُعنى بالعنف الجنسي ضدّ النساء، والتي تطوعتُ للعمل معها في مدينة فانكوفر، تمنع دخول الرجال من دون موعِد، وتُعلِم العاملات فيها مسبقاً إن كان هناك رجلٌ سيدخل المبنى للقيام بتصليحات مثلاً، للتأكد من عدم وجود ناجيات في الوقت نفسه في مواعيدهنّ للمساعدة القانونية أو جلسات العلاج النفسي، إذ إنهنّ قد يتأثّرن. كما أنّ الجمعية تترك عنوانها سرّياً لأن عاملاتها يرافقن الناجيات إلى المستشفيات وأقسام الشرطة للدعم النفسي والقانوني، وبالتالي على الجمعية تلافي إمكانية لحاق المعتدي بضحيته حيث تتلقى المساعدة لأنّ تلك المواجهة عادةً ما تكون نتائجها كارثية.
مقاربة «نلقي الضوء» و«التوعية» المنتشرة، إشكالية بحدّ ذاتها من ناحية عدم إمكانيّة مراكمة أي تغيير اجتماعي - ثقافي يُذكر، خصوصاً من دون خطوات متابِعة ضمن حركة مطلبيّة سياسيّة أوسع. لكن حتى وضعنا جانباً هذه الناحية، يبقى السؤال عن النتيجة التي حققتها مبادرة، كان إنجازها أنّها كلّفت الناجيات مثلي ـــ وقد تحدثتُ إلى عدد منهنّ (١)، ثمناً إضافيّاً على مستوى صحتهنّ النفسية؟ ماذا كشف هذا الفيديو؟ أنّ ضحية الاغتصاب يلومها المجتمع على الجريمة التي ارتُكِبَت ضدها؟ من منا لم يكن يعرف ذلك؟ هل الأمر صادم؟ دائماً، لكنه غير مفاجئ. ليس الأمر غير مفاجئ في لبنان فقط، وتحديداً في حيّ شعبي معيّن يثير اختياره أكثر من تساؤل. إنّها «ثقافة الاغتصاب» المنتشرة في كل طبقات لبنان، وطوائفه وجامعاته، وفي أوروبا والأميركيتين، وأينما حلّت الثقافات البطريركية.


أكانت جمعية «أبعاد» تعتقد أنّ تصوير الشباب الذين يفكرون بذاك المنطق سيجعلهم يغيرون سلوكهم؟ يبدو لي أنهم ليسوا فقط غير مدركين لقواعد علم الضحايا (victimology)، بل هم أيضاً غرباء عن علم الجرائم (criminology). فبعد جريمة اغتصاب كيتي جينوفيزي وقتلها، تلك الجريمة الوحشية والعلنية التي امتدت نحو نصف ساعة في شارع في نيويورك منتصف القرن الماضي، بدأ عدد من علماء النفس والاجتماع بدراسة ما يعرف بالـ bystander effect وهو ما يحصل حين «يتجمهر» الناس، أو يكون عدد كبير منهم شاهداً على جريمة تحصل أمامهم، أو وجود ضحية جريمة ما أمامهم، من دون أن يتحرّك أحد لنجدتها ومساعدتها. عدد كبير من المقالات الصحافية عزت الأسباب لانحلال الروابط البشرية والمشاكل الأخلاقية في المدن بعد الثورات الصناعية. غير أنّ عالمي النفس دارلي ولاتانيه (٢) قاما منذ سنة 1964 باختبارات لمحاولة فهم هذه الظاهرة، واكتشفا أن لا علاقة لها بالأخلاق، فليس اللبنانيون وحدهم من لا يساعد. بل إن زيادة عدد المتجمهرين حول الضحية مرتبط سببياً بعدم مساعدتها. وقام الباحثان كذلك باختبار آخر، إذ وُضع المشاركون في غرفة، وطُلب إليهم الإجابة عن عدد من الأسئلة المكتوبة، وخلال ذلك قرع جرس إنذار الحريق. كلما زاد عدد المشاركين في الغرفة، كلما قلّ عدد الذين يتركون الغرفة للاتصال بمركز الإطفاء، أو طلب النجدة. يحصل ذلك بحسب دارلي ولاتانيه بسبب ما سمَّياه «تبدد المسؤولية» حيث يعتبر كل شاهد أنّ شاهداً آخر سوف يساعد أو يطلب النجدة. يضيفان أنّ من يصل لاحقاً إلى المشهد يفهمه من خلال الشهود، وليس من خلال الضحية: «الآخرون لا يحركون ساكناً، فالوضع ليس خطراً إذاً، سأتابع طريقي». وهنالك أيضاً من يخاف أن يُتَّهم بالجريمة، فيتابع طريقه حين يرى عدداً من الناس حول الضحية، ويفكر أن بوسع الآخرين مساعدتها. كل ذلك يتكشّف في فيديو «أبعاد». فلا مفاجأة هنا، مع أنّه يَسهل الحكم على المتفرجين من وراء الشاشة. وجد دارلي ولاتانيه أن من يساعد اثنان: من يجد ما يربطه بالضحية (الجندر، الإثنية… أو حتى إذا كانت الضحية تلبس قميص كرة السلة الذي يشجعه الشاهد)، ومن يجد المشهد مألوفاً: يعرف المكان جيداً، يعرف إجراءات السلامة، ممرض/ ممرضة، إلخ.
هنالك كمّ ضخم من الدراسات ما زال يتوسّع منذ 1964 لا يمكن تناوله هنا، لكن وجدتُ من أكثرها ملاءمة مجموعة دراسات كتبها إيرفن ستاوب. إلى جانب محاولته فهم سلوكيات الشهود العابرين أو المارّة، يساعد Ervin Staub أستاذ علم النفس في «جامعة ماساشوستس» الأميركيّة، على وضع سياسات لتغيير سلوكياتهم، و يسميها الـ anti-bystander education (تربية مضادة للمتفرج السلبي) وأهمّ ما ترتكز إليه، هو توضيح ما على المرء فعله في حالات معينة بخطوات تختلف باختلاف الحالة. ما يجعلني أطرح السؤال التالي: ألم يكن من الأجدى لو أنّ «أبعاد» أنتجت فيديو مغزاه: إذا صادفت ضحية اغتصاب، أولاً اتّصل بالرقم الفلاني، ثمّ اسألها إن كانت أجبرت على تناول مادة مخدرة مثلاً؟ (وهو ما يفيد الإسعاف إن فقدت الوعي قبل وصولهم). لا تلمسها ـــ كما حاول أن يضع أحد الشباب سترته عليها، وهي حركة لطيفة لكن ليس لمن اغتُصبت للتو وهي في حالة ذعر من الرجال ـــ إلخ.
فيديو استباح جراحي من دون أدنى درجات المسؤولية والحرفية


إضافةً إلى ذلك، أدلت السيدة غيدا عناني، مديرة «أبعاد»، بتصريح إلى محطة mtv، تقول فيه إن إحصائيات الأمن الداخلي تفيد أنّ 49 في المئة من المعتدين من أفراد الأسرة والأقرباء. إذا زدنا على ذلك المعارف من خارج هذه الدائرة، من زملاء و أصدقاء إلخ... فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا إذاً يتناول الفيديو الاغتصاب في الشارع من قِبل مجهول؟
سرعان ما غطّت الأحداث في جمهوريّة الأوبريت، على الفيديو السيئ الذكر، ودفعت به إلى غياهب النسيان، بعد تمرينات عيد الاستقلال ومجرور الرملة البيضاء… وبدل الكحول صرت أضع السماعات في أذني وأحاول النوم على صوت المعالجة النفسية ليزا رومانو التي تنتج فيديوهات على يوتيوب تستخدم الموجات الصوتية «ثيتا» التي تساعد الدماغ على تعديل إدراكه الحسي، وهي تردّد «العار هذا ليس عارك. العار هذا ليس عارك». فالأهم إقناع الضحايا ليس المارّة بأنهنّ/ م لسن وليسوا من يُلام على ما حصل لهم. وأظنّ أنني وجدت قطاً فارسياً ما زال طفلاً، لكنه يمتلك روح جدّه هايفن ويستطيع أخذ مكانه بعدما قارب هايفن الأربعة عشرة، وصار «يضيق خلقه» مني. هل ستعتذر جمعية «أبعاد» للضحايا اللواتي ذكّرتهنّ بأنّ العالم ليس آمناً لهنّ؟ وبعد اعتذارها، هل ستضع الداتا والهيكلية النظرية التي اعتمدت عليها لتصميم هذه الحملة في موقع عام، حيث يمكننا الاطلاع على مضمونها؟ سأنتظر ذلك وهو بمثابة اختبار للشفافية والمساءلة اللتين نتوقعهما ممّن يتخذ على عاتقه مساندة المظلومات وقضاياهنّ.

* باحثة أنثروبولوجية (كندا)

(1) أشكر صديقي عمّار سرحان على المساندة اللغوية والمعنوية، وصديقاتي الناجيات على مشاركتي تجاربهنّ بعد مشاهدة فيديو جمعيّة «أبعاد»
(2) بعض أعمال دارلي ولاتانيه:

* Darley, J. M. & Latané, B. (1968).«Bystander intervention in emergencies: Diffusion of responsibility». Journal of Personality and Social Psychology
* Darley, J. M., & Latane, B. (1970). The unresponsive bystander: why doesn›t he help? New York, NY: Appleton Century Crofts