«الإحصاءات تقول إن العالم مليت حكي الروتين. كان لازم حدا يخطي الخطوة الأولى ويملك جرأة الإنقلاب»، الكلام لجورج صليبي، مدشِّناً الحلقة الأولى من برنامجه الجديد «وهلق شو؟» (إخراج نادين نهرا) أواخر الشهر الماضي. كلام تأخر صليبي في قوله، بعدما سبقه زميله مارسيل غانم إلى حلبة جديدة من برامج الـ «توك شو »السياسي. وكانت بالتأكيد مبالغة من صليبي، حين أدرج قصة خلعه ساعة اليد، والكرافات، وتوسيعه الاستديو ليطاول جمهوراً وضيوفاً ثابتين (إلى جانب الضيف الأساسي) بـ «الانقلاب» على مفهوم البرامج السياسية في لبنان! الحلقة الأولى استضافت طوني فرنجية، مع ضيوف ثابتين هم: الناشطة لوري هايتيان، والصحافي جاد غصن، والباحث حبيب فياض، خرج منهم في ما بعد الصحافي «القواتي» طوني أبي نجم، إلى جانب فقرة السوشال ميديا (نور صوما)، والحضور في الاستديو... كل هذه المشهدية، التي تشبه «الترقيع» شكلاً ومضموناً، لم تفِ بالغرض. العباءة التي طبعت نمط البرامج السياسية، لا يمكن الخروج منها، بمجرد التعاقد مع شركة إنتاج خارجية (Shoot productions)، وتغييب الكرافات، والطاولة الجامعة بين الضيف والمضيف.

مارسيل غانم في برنامج «صار الوقت» على mtv

صحيح أن عالم التلفزيون ومتطلباته، تغيّرا، وتغيرت معهما أذواق الجمهور، ولا سيّما اللبناني، الذي ملّ الكلام السياسي، وتكراره، في ظل أوضاع اقتصادية - اجتماعية تزداد تردياً، وسقوط النمط الذي ظلل سنوات «الربيع العربي»، من فنون التراشق الكلامي، والاشتباك بالأيدي والكراسي. سقط نمط حلبة المصارعة، وبدأت «أدمغة» البرامج السياسية تشتغل، ببدائل لها، كفيلة بجذب الجمهور. لكن بنظرة بانورامية عامة، لما خرج من برامج على الشاشات أخيراً، يمكننا الجزم بأن العناصر الجديدة التي أدخلت عليها، لم تفعّل كفاية، كالأخذ بآراء الجمهور الحاضر في الاستديو بطريقة جديّة، والآخر المتسمّر خلف شاشاته الافتراضية على مواقع التواصل. ظل اللعب على هموم اللبناني ومشاكله من دون أن يكون لها أرضية حقيقية، تسهم في الدفع قدماً، نحو حلها، أو طرحها أقله بجدية. نرى على سبيل المثال، جينيريك برنامج «صار الوقت» على mtv، يتكئ في مشهدياته التي صوّرت في «معرض رشيد كرامي الدولي» (طرابلس)، على صور لأشخاص تعساء، من شرائح عمرية مختلفة، ملّوا أوضاعهم الموجعة، وصرخوا طالبين التغيير. طبعاً، هذه المشهديات لن يكون لها توظيف أساسي في البرنامج، الذي كان من طلائع البرامج السياسية في الموسم الجديد (بداية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي)، بل سيظل تكريس كبار الساسة وتعظيمهم القاعدة الأساس، ولو حملت مقدمات مارسيل غانم، نفساً «ثورياً»، متحدثاً باسم الشعب المقهور. مع «صار الوقت» (إخراج جان عون)، الذي انتقل غانم عبره من شاشة إلى أخرى، يمكن الحديث عن تغيير جذري في مفهوم البرامج السياسية، من دون أن يطاول ذلك، المعنى المهني والوظيفي له. بعد طول تحشيد، خرج «صار الوقت»، ليقدم صورة مغايرة عن السائد. صورة مبهرة، مقرونة بميزانية عالية (بناء استديو ضخم خاص في النقاش)، وحركة كاميرا محلقة في كل الاتجاهات. برنامج اجتهد على العوامل البصرية، والشكلية، واتكأ بطبيعة الحال على فكرة الاستعراض، الذي قد يتقاطع مع البرامج الترفيهية.
استجلاب 200 شخص في الاستديو وتدريبهم على فنون الحوار والمناظرة، مع التقارير المشغولة بالغرافيكس

شاهدنا مثلاً، الحلقة التي بثت بعد عيد «الاستقلال»، حيث قرأ غانم مقدمة برنامجه، مترافقاً مع عزف حيّ على البيانو في الاستديو. لم يعد الكلام هنا يخصّ الأنماط التلفزيونية، بل تعداه الى اختراع مشهدية جديدة، تستطيع جذب المشاهد، وتدخل فيها عوامل مستحدثة (استجلاب 200 شخص في الاستديو وتدريبهم على فنون الحوار والمناظرة، التقارير المشغولة بالغرافيكس، فقرة المناظرة). قد يسجل لغانم، دون غيره، كسر قواعد رست في السنوات الماضية، تحت ذريعة الأمن. فقد حضر أول من أمس، وليد جنبلاط، الى استديوات mtv، متنزهاً بين أقسامها، وحاضراً كضيف في «صار الوقت»، كذلك سبقه سعد الحريري، وسليمان فرنجية. إلى جانب «صار الوقت»، و«هلق شو؟»، الذي يبدو متأثراً إلى حدّ ما بتجربة غانم (ترافق موسيقى الجنيريك تلاوة المقدمة مثلاً) وفي انتظار البرنامج الموعود لألبير كوستانيان (lbci)، قدمت otv، مطلع الشهر الماضي، برنامج «ضروري نحكي» المترجم على الشكل الآتي we need to talk. هنا، تطل داليا داغر، بعد تجربة تقديم «ع سطوح بيروت» (6 سنوات). برنامج أدخل تحديثات كحضور جمهور في الاستديو، ومتابعة حركة السوشال ميديا، ومجابهة بين وزراء حاليين و«آخرين وزراء ظل». منذ اللحظة الأولى لتدشينه، أعلن البرنامج بوضوح أنه يبغي الرد على «التشويه الممنهج لصورة البلد»، وعلى «الماكينة التي تعمل على إفشال العهد» ومجابهة «الكذب»، والتفتيش عن «الطاقة الإيجابية». إذاً، الرسالة وصلت قبل المشاهدة حتى!

برنامج وهلق شو؟ حلقة النائب طوني فرنجية

* «صار الوقت» كل خميس 21:30 على mtv
* «ضروري نحكي» كل اثنين 21:30 على otv
* «وهلق شو؟» كل أحد 21:30 على «الجديد»