«يجب ألّا ننسى أن لا فن كبيراً لا يحمل هماً إنسانياً، فليس ثمة فن خالص في أي عصر من العصور، وفي أي تقسيم من التقاسيم. الفن الذي لذاته ينتهي لذاته»

عصام محفوظ

تفتح الستارة الحمراء أمام صفوف الكراسي الثابتة في مكانها، فيما جالسوها يختلفون. الخشبات تشهد عروضاً مختلفة في حدٍّ أقصاه أسبوعان، لقلة المسارح وكثرة التجارب. ففي «مفهوم الحداثة»، تطورت المسارح لتغدو مقاهي ومحال ثياب، أسوةً بمسارح أخرى في بيروت. في المقابل، يحجز جورج خباز مسرحاً لنفسه طوال العام، بعروض شبه يومية، إضافة إلى إعلانات ترويجية دائمة على التلفزيون، وإعادة عرض أعماله تلفزيونياً. المفارقة تدعو إلى التفكير، من دون الجنوح نحو الرفض العبثي، لفهم ما جعل خباز ظاهرة مسرحية.
في أذهاننا جورج خباز هو الممثل الكوميدي، رغم أنه يحاول، كما جمهوره، إسباغ أبعاد «عبقرية» على أعماله واسمه، وتنصيبه خليفة زياد الرحباني مسرحياً (علماً أنّ إنتاج الرحباني هو الأقل) إلا أن لا تشابه بين مسرح الاثنين سوى ضحكات الجمهور شكلياً. ولو تعمّقنا في مسرح الرحباني، نرى الجمهور يضحك لمآسيه. أما جمهور خباز، فيضحك لنكتة أو حركة أو لمحاولة خباز الدائمة إضحاك ممثلين على علمٍ مسبق بمضمون الحوار.
يحضر طيف الرحباني، كما عادل إمام ودريد لحام، على مسرح خباز. مثلاً، فكرة المخرج السينمائي الفاشل والمنتج التجاري التي نراها في مسرحية خباز «بالكواليس» (2016)، قدمها الرحباني سابقاً في «شي فاشل» (1983). أما مسرحية «شو القضية» (2008)، فهي بمثابة نسخة للنصف الثاني من مسرحية «أنا وهو وهي» (1963) التي كانت أولى المسرحيات التي مثل فيها عادل إمام، فضلاً عن حركات شارلي شابلن وأسلوب سيره. في مسرحية «البروفيسور» (2010)، أخذ خباز فكرة أغنية «كوباكابانا» في الأغنية الأساسية المحركة للعمل المسرحي. في مختلف مسرحياته، كانت قصص الحب محرك العمل، فيها تختصر قضايا المجتمع، وهي آلية عمل هوليوود لإنتاج الأعمال السينمائية والمسرحية وبيعها.
ما يقدمه خباز، والكفيل باعتباره ظاهرة عبقرية، بحسب الدعاية المروّجة، «قدرته على تجسيد الأدوار، واعتماد الموسيقى في مسرحه، إضافة إلى أنّه مخرج وكاتب ومنتج وموسيقي وراقص، كما شارك في كتابة أفلام سينمائية تعالج قضايا اجتماعية. يستغل كل الفرص والمنابر لإيصال رسالة اجتماعية ذات قيمة. يجعلك تضحك وتبكي في بضع ثوانٍ، كما أنه مضحك جداً عندما يخرج عن النص، يحاكي أهم قضايا المجتمع، أبرزها الحب، والعائلة، والسياسة، والدين، والوطن». هي عقدة العبقرية أو النجومية عند المسرحيين العرب، حيث يلجأ خباز إلى كتابة المسرحية وإخراجها ويؤدي أيضاً دور البطل. شرح المخرج المسرحي الراحل عصام محفوظ ذلك في مداخلة نقدية على هامش «مهرجان دمشق الحادي عشر للفنون المسرحية العربية» عام 1988، فرأى أن قيام المخرج بدور المؤلف ـــ وأحياناً يضيف إلى الدورين دور الممثل ـــ يعود إلى أسباب عدة، أولها أزمة غياب كتابة النص العربي الحديث، «بحيث عدد المخرجين هو ضعف عدد المؤلفين في المعنى العددي، وأيضاً نسبة المخرجين الجيدين تفوق نسبة المؤلفين الجيدين. ومن هنا يهرب المخرج الجيد من نص الآخر الضعيف إلى نص من عنده أقرب إلى رؤية متطورة في مجال المسرح، والسبب الآخر يكمن أحياناً في رغبة المخرج أو المؤلف في احتكار ما يظنه نجاحاً مسرحياً». السبب الأخير بالنسبة إلى محفوظ غير مبرر. إذ إنّ نجاح الفنان في جمعه التأليف والإخراج والتمثيل في شخصه، ليس بالأمر الشائع، فلم يعرف على مرّ التاريخ سوى بعض العباقرة الذين استطاعوا ذلك: شكسبير، موليير، بريشت وصولاً إلى قلة في النصف الثاني من القرن العشرين لا تزيد على عدد أصابع اليد. لذا، تطمح غالبية المسرحيين العرب إلى هذا الدور.
سنترك تقييم الأمور الفنية للاختصاصيين، وندخل في الرسالة التي يحاول خباز إيصالها إلى الجمهور في مسرحه. يقدم الحب في ثنائيته البطريركية ضمن قصص حب معهودة، من حب فخيانة فحب مجدداً، القصة التي يريد أن يشاهدها الجمهور. يقول هاملت في مسرحية شكسبير: «كان الغرض من التمثيل في الماضي، ولا يزال غرضه في الحاضر، أن يجلو المرآة للطبيعة، فيظهر الفضيلة على ملامحها، ويطلع الحقارة على صورتها، ويجلو لأهل العصر ظاهرهم وباطنهم». لكننا هنا لسنا أمام ترجمة حقيقية للعلاقات والمشاعر، ولا أي عرض حقيقي للمجتمع وقضاياه.
في الدين، يقف طرفا الصراع على مسرح خباز: المسلمون والمسيحيون في حربٍ دائمة، صراعهم يولد حروباً في البلاد ويفرق العشاق. يقول خباز إن أزمة البلد هي الطائفية والزعماء الطائفيون. في مسرحية «ناطرينو» (2014)، يحمّل الثوار وطالبي التغيير مسؤولية تردي أوضاع البلاد، لأنّهم انتهازيون وكاذبون. أما السياسي، فيأتي على شكل تمثال، مغطى بالسواد، لا يتحدث، ولا يضحك، يكاد يكون غير مرئي، أشبه بالأخ الأكبر في رواية جورج أورويل، فيما واقعياً هو أحد مشاهدي عرض خبّاز، وغالباً ما يخرج ضاحكاً وفرحاً. لا يدخل خباز في تفاصيل الأزمات. يقول: نعاني من الطائفية والبطالة والإرهاب، والناس تتحمل مسؤولية الأزمات، وهي المسؤولة عن تقديم الحل، في عملية معتادة من جلد الذات، إما جهلاً بالأسباب الحقيقية، أو ربما تكراراً لماهية المعارضة المطلوبة من السلطة. معارضة تعمل على انتقاد الوضع ورمي المسؤولية على الشعب أو على أطراف خارجية، وتحييد الطبقة الحاكمة عن مسؤوليتها. هذا النمط يبيع، ويأتي بالجمهور إلى المسرح لدفع المال في شباك التذاكر. يقول المخرج المسرحي الراحل يعقوب الشدراوي في مقابلة تلفزيونية، إنّ للمسرح مثلثاً ذهبياً: كاتب عبقري، ممثل عبقري وجمهور عبقري، وغياب أحد الأطراف يُفشل العمل. ويرى أنّ المخرج هو الذي يعطي شرعية الحياة للمسرح، فهو كقائد الأوركسترا، فيما الممثل هو القائد الذي ينير الطريق للناس، وبالتالي واجب عليه أن يعرف كل تفاصيل المسرح، أن يخرج إلى الطبيعة، وأن يخوض في فن العمار والموسيقى، فهو هذا النجم المؤثر، وليس النجم بمفهوم اليوم الذي يأتي بالأموال إلى صندوق التذاكر، بل هو الذي يعلم الناس.

ينسى خباز أنّ الطائفية هي أداة يستخدمها رأس المال لبسط سيطرته


في نهاية العمل المسرحي نفسه، يقدّم خباز نسخة جديدة للنشيد الوطني، يقف أمام الممثلين، يقول: «كلنا للوطن كل واحد عنده علم». يريد أن يحمل جميع الأحزاب علماً واحداً، وطبعاً المقصد هو العلم اللبناني، كمن يقوم بالطلب من الشركات أن تعتمد لوغو واحداً للمنتجات المتنافسة. هذه الدعوة تؤدي حتماً إلى هتاف من الجمهور، فهي تدغدغ ذاكرة الحرب عند اللبنانيين، ورمي مسؤولية الحرب على تعدد الأحزاب، مردداً أنّ الشعب «يعيش في ألم». في النهاية، يفتح يديه ويخفض رأسه، بتجسيد للمسيح المصلوب لإضفاء صورة قدسية على عمله، واللعب على وجدان المشاهدين.
في حديثه عن الوطن، عبر نص متداول لخبّاز بعنوان «رفيقي الشهيد»، يتحدث عن المجهول الذي يتحكم بمصير الناس، يغذي الحقد تارةً، ويشعل حرباً طوراً، وعن أناس مذنبين لأنهم لم يتعلموا من أخطاء الحرب. يغفل خباز أنّ الحروب والطائفية هي أداة يستخدمها رأس المال لبسط سيطرته واستغلال الناس وموارد البلاد.
يكمل خباز «الشباب عم بفلوا» لماذا؟ بسبب... المجهول. هو «راجح» أو ذاك الذي سرق الجرة في مسرحية «شي فاشل». فجأة، تظهر «الرياح كمدمر، والبلد المجروح» صورة شاعرية (فارغة) إن غصنا في مفهوم خباز. لكن ما هي هذه الجراح؟ الجراح التي أخذت الراحلين وآتية إلينا، في وقت حتى العواصف لها أسباب طبيعية. لا أهمية للقضايا ولا للشهداء هنا، بخفة يلغي تاريخ نضال شعب أدى إلى التحرير، وأخذ بعضاً من حقوقه. بحسب خباز، لبنان وردة يريد الجميع قطفها. هنا تظهر الشوفينية اللبنانية، حيث يشكل لبنان محور الكون ومحرك الدول والأنظمة، بينما هو مجرد حجر صغير في حسابات الدول الكبرى. يحوم خباز حول فكرة حب الوطن، بصورة شاعرية وعاطفية، فلا نعرف ماهية الوطن الذي يتحدث عنه، في وقت يلهث فيه فنانو هذا اللبنان للحصول على جوائز عالمية. يرى عصام محفوظ أنّ «التحرك في هذا الوطن هو تحرك في قلب العالم، وأن هذا الوطن بقدر ما هو وطن نهائي، هو وطن مفتوح على كل العالم، وأنّ الإنسان هو نفسه في كل مكان وإن اختلفت أشكال الصراع الاجتماعي أو السياسي». ويسأل: «إذا المسرحي الطليعي أراد أن يكون منسجماً مع نفسه، فأي دور صعب مقدّر له؟».
الدعوة الدائمة لفصل السياسة عن حياة الناس، والابتعاد عن همومنا اليومية، هو أساس فكرة الفن للفن. يقول الفيلسوف الفرنسي ألان باديو إنّ «المسرح هو الأكثر تشابهاً بالسياسة، بين كل أشكال الفن. الاثنان يعتمدان على عدد قليل من النصوص والأقوال التي تقدم بشكلٍ علني من قبل مجموعة من الممثلين أو المقاتلين الذين يختبرون حدود البنية الهيكيلة التي تحاصرنا، سواء كانت دراما أو الدولة القومية. لهذا، تاريخ المسرح غير منفصل عن تاريخ الدولة القمعية وأدواتها الرقابية».
يقول إعلان مسرحية جورج خباز الجديدة «إلا إذا... تغير شي» (تعرض على خشبة مسرح «شاتو تريانون») بأنّها عمل كوميدي يخرج ضحكات عفوية وآنية، يتركها المشاهدون في القاعة عند خروجهم ليعودوا إلى مشاكلهم الروتينية. لا ربط بين ما شاهدوه في الداخل وما يواجهونه يومياً في الخارج، فخباز يردد بطريقة استعراضية ما يقوله الناس يومياً، لكنه لا يشرح لماذا يحصل كل هذا، وطبعاً ليس مطلوباً منه ذلك. لكن أن يتعدى تقييم أعماله خانة الكوميديا، لوصفها بأنّها رائدة وعبقرية، فهذه مسؤولية على صانعها بدرجة أساسية.

* «إلا إذا... تغير شي»: «شاتو تريانون» (الزلقا) ــ للاستعلام: 03249842