يقول نوتشيو أوردينه (1958) إن إنكار وجود حقيقة مطلقة ليس باباً من أبواب العدمية. في كتابه الذي وضِع على طبقات، يخصص الباحث والفيلسوف الإيطالي مبحثاً طويلاً من «لوجهِ ما لا يلزم» (2013 ـــ صدرت أخيراً ترجمته العربية عن «دار الجديد») للكمال الإنساني والحقيقة، مُرصعاً القيمتَين بالحبّ بينهما. وطالما أنه يقول ذلك لنفي الإطلاقية في ذات الحقيقة، فذلك قد يبدو رنّاناً، إلا أنه يقوله ضد العدم. وفعلاً، توضح النصوص المتراصة في الكتاب أن الرجل لا يعرض الانكفاء، بل يعرض المواجهة والتصادم مع أحوال العالم اليوم، بعدةٍ أدبية، يحاول دائماً إشباعها بالأبعاد الفلسفية. لا يعرض أفكاراً متخيّلة عن الوجود وشطب الموجودات، ويعرف جيداً أن إزالة ما ترغب بإزالته لا يكون بالزعيق. هكذا، تتخذ النصوص طابعاً أنطولوجياً ــ شخصياً، تبدأ بسردٍ «تاريخاني» لجدوى الأدب ضدّ النفعيين، وتنتهي بمطالعة حول نقصان الحقيقة الدائم. رغم غزارة معرفة الفيلسوف الكالابري، لا منهج واضحاً في عرضها، بالإضافة إلى تنبّه أوردينه نفسه، إلى تسميتها بالمانيفستو، كما لو أنه يسقط عن نفسه واجباً ميتودولوجياً، كونه شخصاً أكاديمياً في النهاية. والنصوص، لذلك أيضاً، رغم امتلائها بالأسماء والاستشهادات من بوكاتشو ولوركا ويونيسكو، ليست انسيكلوبيدية الطابع. وقد يبحث المحِب أحياناً وهو يقرأ أفكار الأستاذ الإيطالي السريعة عن أسماء ينتظر ورودها، فلا يجدها. فإن كان دوستويفسكي عدمياً، فأين البقية من روسيا مثلاً.

ما قد يبدو لافتاً، هو الجمع بين توكفيل وهيرتسن، في استعارة آراء الرجلين ومزجها، دفاعاً عن فكرةٍ واحدة، هي «الكلمة». ذلك رغم أن الروسي كان صاحب ميلٍ اشتراكي، بينما كان توكفيل، الذي يفرط أوردينه في شرح رأيه الذي «لا يلزم»، من المنظرين للاستعمار بذرائع منمقة. قبل هذا وذاك، لا بد من الإشارة إلى أن أوردينه متخصص بعصر النهضة. وربما هذا ما يجعل تفسير نصوصه التي تنطلق من ذلك العصر، أكثر انسيابية من آرائه التي تنطلق من حقبات أخرى. وهذا لا يلغي أن للإيطالي رأياً لا يعلنه صراحةً في الرأسمالية. ينتقد أوردينه الرأسمالية، ولكن نقده ليس أيديولوجياً، ولا يريده ابستيمولوجياً، لأن ذلك قد يقوده إلى تعريفات محددة لزمنها وتطورها. وهو لا يرغب بذلك، بل يرغب أن يكون نقدها أدبياً. وهذا مفهوم، فوظيفته هي الأدب.


أحياناً يبدو أوردينه شعبوياً (يتحدث عن النواب مثلاً وعن الأنظمة السياسية بخفة)، لكنه يقترح الأدب «باباً خلفياً» دائماً. وأحياناً يعرّف أوردينه البديهيات. لكن التعريف قد يكون مدهشاً: التعريفات القديمة خاطئة. يسأل عن الماء وعن الجدوى وعن انحناءة متعرجة نحو الزهرة. يستكمل بلغةٍ عاطفية ما بدأه ماركوزه عن الإنسان ببعدٍ واحد، لكن من زاوية أخرى هي الأدب. وهو ليس محبطاً مثل أحد عباقرة مدرسة فرانكفورت الآخرين، ثيودور أدورنو، إذ يقول «يتعذر، نعم، في عالم، يحكم فيه وعليه «الكائن الاقتصادي»، أن ندرك بيسرٍ لزوم ما لا يلزم وجدواه، ولا جدوى ما يلزم ونفوله، ومصداق هذا التعذر أن الكثير من السلع النافلة تباع منا بوصفها من الضروريات».
على نحوٍ ما، يعتقد أوردينه أن ما يجعل العالم مستمراً هو الأدب، أو الكلِمة، فهو يشتغل في الأدب وفي الفلسفة. والكلمة تصلح أن تكون رمزاً توراتياً للرب: في البدء كان الكلمة. في أي حال، ليس غريباً أن تكون لنصوص أوردينه نزعة لاهوتية في الفلسفة، فهو من أهم دارسي جوردانو برونو، الذي أعدم في إحدى ساحات روما بتهمة الهرطقة. ليس غريباً أن يكون هذا السرد ينطلق أيضاً من خلفيةٍ متأثرة بلاهوت قروسطي متمرد في زمانه.
وإلى جانب الإحالات الكثيرة إلى الإغريق وما بين زمانهم وزمننا (إقليدس وأرخميدس)، فإن أوردينه واسع الاطلاع على الأدب الأميركي. إن كان أدباً شمالياً مطعّماً بخصال بورجوازية، أو حتى إن كان لاتينياً استوى في العقود الأخيرة المنصرمة، مثل يوسا وماركيز وغيرهما. وقد أفرد الكتاب فصلاً كاملاً، لمديح أبراهام فلكسنر، لكن مديح الأخير من أوردينه إنما هو مديح لنفسه. أما مرور شتاينر ووالاس، فهو غالباً لعلاقة «تثاقفية» واسعة بين الكاتب الذي يأتي من جنوب إيطاليا، وبين الولايات المتحدة الأميركية. وهذه نقطة في صالح «لوجهِ ما لا يلزم» وليست ضدّه، إذ يبقى الكتاب كتاباً ضدّ الأنماط الجاهزة حديثاً في الدفاع عن الثقافة أو في الهجوم عليها؛ في هضمها على عجلٍ أو في تركها عرضةً لإعصارات الحداثة الرقمية. ولعل «مانيفستو» ليست كلمة إيقاعية كما تبدو، بل إنها استعارة في محلها على أن لا يؤدي ذلك إلى تضخمها. يضعنا نوتشيو أوردينه أمام نصوص أدبية تحاول أن تكتسب بعداً فلسفياً، توجه نقداً حاداً إلى الإنسان ببعده الواحد أخيراً. وهنا، لا بد من الإشارة إلى العمل الممتاز من الدار الناشرة بالعربية (دار الجديد)، إذ تمتاز ترجمة الكتاب برصانةٍ تكاد تتجاوز رصانة الأفكار نفسها، ما قد يضع القارئ في أرجوحة الشغف بينما يقرأ. وإذ فكّر في التأويل، فصار مفسّراً للرخام، كما يقول الشاعِر. وتفسير الرخام من مدائح التأويل.
الكتاب ضدّ الأنماط الجاهزة حديثاً في الدفاع عن الثقافة أو في الهجوم عليها


ولسيرة التفسير والتأويل، فإن خلاصة الكتاب ليست دفاعاً مجرداً عن الثقافة ومشتقاتها، كما قد يخلص بعضهم، لأن ذلك يجعل منها تجارةً، ويضعها في بازار العالم. وليست الثقافة التي يتحدث عنها أوردينه ضدّ محركات البحث على الانترنت، لكنها ضدّ الشعور الذي قد يتخثر في وعي المستخدِم. وليست ضدّ تعميم المعرفة، إنما ضدّ تعميم المعرفة الخاطئة، أو ضدّ قلة الذوق. ولكن، ما المعرفة؟ هناك إجابات علمية بطبيعة الحال. لكن من لديه الوقت ليبحث في أنساقٍ ووسوم وبراديغمات محرّكات البحث مثل آلات القهوة السريعة، تمنح زبائنها ابتسامات ظرفية مؤقتة، وبكلفة أقل. الكتابة وما يخرج من رحمها تستدعي المشقة لأنها اعتراض، وهذا ما يسقط من مديحها الطويل في كتاب الإيطالي. فالكتابة تبدو أمراً فردياً في ظاهرها، لكنها وعلى منهج سارتر من منتجات المجتمع والاجتماع. والكاتب يخاطب آخرين. والآخرون هنا ليسوا كما تصنفهم السارترية، إنما هم آخرون محض كانطيون. هكذا تصير الكلمة التي يعرض أوردينه الدفاع عنها هي كتابة ظاهراتية، بينما الكلمة التي يدافع عنها سارتر هي الوجودية، بما أنّ الكاتب ليس سوى إنسان، وبما أن وجوده في الواقع هو الذي يصبغ الأدب الذي ينقله. وإن كان الفيلسوف الفرنسي قد استفاض في بحثه عن ماهية الأدب، فإن أوردينه يقدّم عرضاً لغير المختصين، بالبحث عن جدوى الجدوى في أساسها. وإن كان الكتاب يصفق بيدٍ هي الأدب وأخرى هي الفلسفة، إلا أن العرض يبقى أشبه بصدى هادئ يأتي من بعيد، لذلك الطباق السارتري الفريد، بين الكينونة والعدم والأبواب الموصدة. ذلك الطِباق بين الفلسفة والمسرح، أو ذلك الطِباق بين الوجود والعدم.