بعد باكورتها الروائية الطويلة «أمريكا» (2009)، قدّمت المخرجة الأميركية الفلسطينية شيرين دعيبس (1976) «مي في الصيف» الذي عرض أخيراً في مهرجاني «صندانس» و«دبي». في هذا العمل، لا تحيد السينمائية عن أزمة الهوية التي تشغلها. وإذا كانت قد تناولت موضوع الهجرة والاقتلاع من الجذور في «أمريكا» عبر قصة عائلة فلسطينية وصراعها للاستقرار والاندماج في المجتمع الأميركي بعد أحداث 11 سبتمبر، فإنّ «مي في الصيف» يأتي على نقيض الأول، مقارباً قضية العودة إلى الجذور.


البطلة مي (شيرين دعيبس نفسها)، تعود من أميركا إلى عائلتها المقيمة في عمان المكونة من أمها المطلقة وأختيها الاثنتين، معلنةً قرارها بالزواج من رجل مسلم التقته في أميركا، الأمر الذي ستعارضه الأم المسيحية المحافظة.
يصوّر الشريط صراعات هذه العائلة المكونة من أربع نساء ضمن إطار كوميدي عاطفي تظهر فيه أيضاً أزمة الهوية المزدوجة. والد مي المقيم في عمان (يؤدي دوره بيل بولمان) هو أيضاً أميركي. ويشارك الممثل اللبناني إيلي متري أيضاً عبر شخصية كريم التي يجسدها إلى جانب الممثل نصري صايغ في دور تامر.
يبدو «مي في الصيف» كأنّه إعادة تركيب لجزء من فيلم «أمريكا» أو تتمة تجري في زمن لاحق ومكان مختلف. هيام عباس التي تؤدي دور الخالة المتزوجة في «أمريكا» مع بناتها الثلاث، تؤدي دور والدة مي في هذا الفيلم، إلى جانب بناتها الثلاث أيضاً بعدما كبرن. لكن بينما يتفرد «أمريكا» بشفافيته وحميميته حيث تنجح شيرين دعيبس عبر نقل القصة الفردية لهذه العائلة الفلسطينية المسيحية المهاجرة إلى أميركا في تصوير أزمة الشعب الفلسطيني وشتاته حول العالم، فإنّ «مي في الصيف» يبدو منفصلاً عن الواقع إلى حد ما وأكثر تجارية في مبالغاته الدرامية والكليشيهات التي يكرّسها.
هوية المكان الذي تجري فيه أحداث الفيلم الذي يُفترض أنّه العاصمة الأردنية، تبدو مبهمة تماماً. قد يظن المشاهد أنّ الأحداث تجري في أميركا لولا بعض المشاهد التي تزرعها المخرجة في محاولة لتصوير علاقتها بالمكان، حيث تكرّس الكليشيه كالرحلة إلى الصحراء أو ذاك المشهد الأخير التي تنظر فيه إلى المباني المتكدسة ويأتي فجأة في غير سياقه تماماً، كأنه ديكور متخيل لمدينة عربية.
أما بالنسبة إلى فكرة التصادم بين الثقافتين الأميركية والعربية التي يُفترض أنّها موضوع الفيلم، فلا تظهر لنا إلا عبر كليشيهات كوميدية تكرسها المخرجة كملاحقة السيارات لها لدى ممارستها الرياضة في الشارع وهي ترتدي الشورت القصير أو حشرية المجتمع الكنسي الصغير الذي تنتمي إليه أمها. قصص كثيرة تجمعها المخرجة، كعلاقتها مع خطيبها، وعلاقتها مع أمها، وعلاقة أمها مع أبيها، لكنها لا تنجح فعلياً في تطوير كل منها على حدة، وتختار حلولاً مبسطة، ما جعل «مي في الصيف» فيلماً ترفيهياً ممتعاً، لكنه لا يطرح فعلياً الكثير من التساؤلات. وربما كان يعاني من أزمة الهوية نفسها التي هي موضوعه. في فيلمها الروائي الثاني الطويل، تبتعد دعيبس عن الخصوصية التي تميز رؤيتها السينمائية وتجسدت ببراعة في «أمريكا» وتقدم في «مي في الصيف» عملاً أقل تفرداً لكن ربما كان أكثر جماهيرية.