يبدو كتاب «دهاء شبكات التواصل الاجتماعي وخبايا الذكاء الاصطناعي»، الصادر عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر»، كأنه مجموعة من الكتب. عناوينه تطال غالبية الجوانب التي يتشكل منها الإعلام الجديد والقضايا التي تنتج عن ممارسات وسائله واستخدامها في الاتصال والتواصل وفي إنتاج المعرفة وبثها. في الكتاب، أحد عشر فصلاً يتناول فيها الكاتب أحد عشر موضوعاً. وكل موضوع منها مستقل بذاته ومترابط مع غيره في آن. ويمكن لكل موضوع منها أن يتحول إلى كتاب منفرد بمجرد رقمنته وتطبيق ما يشير إليه الكاتب من الخصائص الرئيسية للرقمنة. وأقصد هنا التشعيب (Hypertext, Hyperlink ــــ ص229). والرقمنة والتشعيب أساسيان في نشر المعرفة وتداولها والوصول إليها واسترجاعها. بل إن المعرفة في عصرنا الراهن لا مجال لاكتسابها وتنميتها خارج إطار الرقمنة. من هنا، قد لا أوافق مع الكاتب ومع من سبقه من المتخصصين ممن ما زالوا يرددون أن وسائل الإعلام الجديدة لا تلغي ما سبقها. قد يصح القول عند الحديث عن الصحيفة والراديو والتلفزيون، ولكن عند الحديث عن إنترنت وعن الحيز الرقمي الواحد الذي تتلاقى فيه كل وسائل الإعلام ووسائطه ومختلف تقنيات الاتصال بأنواعها المتعددة والمتنوعة، فإن شبكة إنترنت بما تمتلكه من خصائص رقمية وما تتضمنه من تطبيقات وخدمات معلومات آنية ستلغي ما سبقها من أنواع وسائل إعلام، بل ستفرض تغييراً في نمط الكتابة والنشر والبث وهذا ما نشهده حالياً. إن الكلام اليوم على مستوى أنواع وسائل الإعلام، انتقل إلى بنيتها وطرق هيكلتها وتقديمها للمضمون الذي تنتجه سواء كان خبراً، مقالةً، برنامجاً حوارياً أو بثاً إذاعياً.

في الكتاب توضيح وتطوير لمفهوم الفجوة الرقمية. وأرى في ذلك تفسيراً أفضل مما يُكتب ويقال عن هذا الأمر. بالنسبة للكاتب، إن ما يوصف بأنه فجوة رقمية بين البلدان النامية والبلدان المتطورة إنما هو مجموعة من الفجوات والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والطبقية والثقافية والعمرية، وكلها مغلفة بالمعلوماتية لما لهذه المعلوماتية من ارتباطات حيوية وانعكاس على مختلف مناحي الحياة. والفجوة بتعددها ليست محصورة بين البلدان الفقيرة معلوماتياً والبلدان الغنية معلوماتياً، بل نراها ضمن المجتمع الواحد في البلدان المنضوية تحت هذه التسميات. وهي من الأسباب الرئيسة في بعدها المعرفي لدخول الإرهاب والعنف والتطرف إلى المجتمعات الراهنة بغضّ النظر عن تصنيف الدول بين غنية وفقيرة.
يركّز الكاتب على وسائل التواصل الاجتماعي ويُفرد لها مقاطعَ وفقراتٍ ومقالاتٍ في أكثر من فصل. وهو يتفرد بمعالجة خصائصها وانعكاسات استخدامها على مجتمعاتنا، ويرى أن لها تأثيراً مثل نيكوتين التبغ في دماغ المدخنين وأن ما يحصل عليه المستخدم من إحساس إيجابي باللايكات يشبه إلى حدّ بعيد حبة السكر التي تعطى للحصان عندما يقوم بما يطلبه منه مدربه.
يؤمن الكاتب بأن في وسائل التواصل الاجتماعي وحش الفيسبوك الذي يحتاج إلى من يجابهه ويحد من وحشيته. ويرى أن فيها ما يخدّر وأن المخدرات الرقمية موجودة ويعطيها تفسيراً علمياً وتوضيحاً لكيفية تولدها وانتشارها في دماغ المستخدم ويحذر من أنها قد تؤدي إلى المخدرات الفعلية.
لفتني الفصل الخاص بالسمعة الرقمية وسعي المنسيين من المشاهير إليها، ونجاح كثيرين منهم ومن الأفراد في بناء سمعة رقمية بهدف الحصول على اعتراف الآخرين به، وبالتالي تكوين رأسمال اجتماعي يسانده في حياته الفعلية والعملية. قد لا نجد من كتب عن السمعة الرقمية أو السمعة الافتراضية كما تناولها الكاتب في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهنا دعوة إلى وضع استراتيجيات علاقات عامة تساعد في تعزيز السمعة الرقمية للمؤسسات والشركات. إذ بات ملحوظاً أنه عند أية أسئلة أو استفسارات، يلجأ المستفسر إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الويب لمعرفة المزيد عن سمعة المؤسسات والشركات والأشخاص.
في الكتاب أيضاً فصول خاصة بموضوعات مهمة، قام الكاتب بطرحها، ما زالت قليلة المعالجة، والاهتمام فيها غير واضح، علماً أنها مرتبطة بالأكاديميا والبحث العلمي، مثل آفة الانتحال أو السرقة العلمية أو الاستلال العلمي، كأن تنسب فكرة أو مقولة أو معلومة لنفسك بينما هي مأخوذة من غيرك. يعتقد الكاتب أن تطور الانترنت يفاقم هذه الآفة بما توفره من إمكانيات النسخ واللصق والتحوير.... علماً أن كثيرين يرون في الإنترنت تهديداً لناحية إمكانية اكتشاف أي استلالات أو انتحالات علمية. تبقى الإشارة إلى ما يتضمنه الكتاب من فصول أو مقالات عن الذكاء الاصطناعي مع شروحات وتفصيل لأسس هذا المفهوم والاتجاهات الحديثة في التعاطي مع الروبوتات ومجالات استخداماتها الإنسانية. علماً أن الدكتور غسان مقتنع بخلاف الآخرين في العالم، أن لا ذكاء اصطناعياً في الأفق وكل ما في الامر أن الآلات والروبوتات تقوم بما نعلّمها أن تقوم به لا أكثر. ومن هنا نطرح السؤال: أوليس هذا من الذكاء، السؤال ما زال مفتوحاً للنقاش حالياً؟

يعطي تفسيراً علمياً للمخدرات الرقمية ويشرح كيفية انتشارها في دماغ المستخدم


أكرر ما كتبته سابقاً في مراجعة قمت بها لكتاب «الإنسانيات الرقمية»، وهو كتاب سابق للكاتب نفسه، «يشكل هذا الكتاب بتناوله الشيّق للمصطلحات، فرصة للمبادرة في إنتاج لوائح وأدلة تعريفية علمية تساعد في تثبيت المصطلح العلمي المعرّب وتعزز مجالات استخدامه في الإنتاج الفكري العربي المرتبطة بالعلوم الإنسانية الحديثة التي لن تستطيع الإفلات من التكنولوجيا في سير تطورها وتقدمها، سواء في الصفوف الأكاديمية أو المراكز البحثية. يشار في هذا الصدد، إلى الاستخدام الدقيق للمصطلح في مقالات الكتاب ومداخلاته، على رغم عدم خلوّه من تقصير في قليل من الأحيان واستسلامه إلى النقل الحرفي (النقحرة) عوضاً من الترجمة. أسهب الكاتب في نقل الروايات والحكايات عن المبدعين وأوائل التكنولوجيين والمستقبليين في معرض معالجته لكثير من الموضوعات التي تناولتها الفصول المشمولة في الكتاب. وهو رواها بأسلوب سلس وبسيط مستمد من خبرته ومعرفته وعمله في مجال تبسيط العلوم، وهذه المرة بنكهة عيترونية غنية بتعب البحث والتدقيق واحترام القارئ.
* مدير كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية