النقطة المنهجية الأولى، التي تستوقف الناظر إلى العمل البحثي الكبير، هي أن محاولة مصطفى بوهندي «المقارنة» تتجاهل حقيقة عمر النص القرآني، الذي يأتي من العصر القديم في آخرهِ. وهذا يعني ضرورة العودة إلى هذه القرون الثلاثة بعد المسيح، لتفسير النقاش الديني بين مختلف النصوص المقدسة. تجاهل هذه النقطة، لحساب العرض اللغوي المقارن للأحداث بين ورودها في سفر الخروج، وذكرها في القرآن، قد يسهم في تثبيت نزعة غربية أخرى شائعة، تعتقد أن الهوية الغربية التاريخية تقوم على إرث يجمع المسيحية واليهودية، وتنظر إلى الإسلام كدين من خارج العالم، وليس نصاً مقدّساً. في الظاهر، القول إن الأديان تتابعية، وأن موسى في سِفر الخروج، هو نسخة خاطئة لموسى في القرآن، قد يبدو لكثيرين إسهاماً في توضيح علاقة تتابعية بين الأديان. لكن الفهم ليس فهماً آنياً. يجب أن يُعالج الفهم في سياقاته التاريخية، لمحاولة الوصول إلى فهمٍ بلا شوائب. ولذلك، كان يجب العودة إلى التفكيك الغربي للنصوص التوراتية، قبل الحديث عن «إضافات». لكي يكون التأويل تأويلاً، يجب أن يكون مقصده الفهم اللاحق، وليس المسبق.

إلى ذلك، لا يمكن النظر إلى العنوان من دون تذكر فرويد. فالعنوان مستعار حرفياً من كتاب مؤسس مدرسة التحليل النفسي الشهير. وهذا يحيل لا إرادياً إلى منهج فرويد. سرعان ما يتضح أن الكاتب لا يعتمد على التحليل النفسي للمقارنة بين أحداث ترِد في سفر الخروج وترد في القرآن. ونقد منهج بوهندي لا يلغي أن مدارس الاستشراق في قراءة القرآن بدأت تخفت وتتهافت، رغم ضرورة النظر إليها والتعرف إلى مناهج استندت إليها عن قرب، إن كان ذلك يشمل المنهج الفيلولوجي الألماني الكلاسيكي، برواده الذين افتتحوا سيرة النقد الغربي للقرآن، أو إلى الدراسات التي ارتكزت إلى مناهج التحليل النفسي لتفسير النبي محمد، وانطلقت من نقطة أساسية يرفضها المسلمون، وهي أن القرآن يدور حول النبي نفسه، نافيةً عنه كل الجوانب الأخرى. والمنهج الأخير عرف في كثير من الأوساط بأنه منهج التشكيك، ولم يستطع أن يخرج من عباءة الفيلولوجيا رغم «دورانه»، إذ عاد إلى فكرة أساسية، تزعم وجود جذور سريانية للقرآن. وإن كانت هذه المناهج «استشراقية» في طابعها وفي سياقاتها، إلا أن كتاب بوهندي لا يستند إلى منهج واضح، رغم أنه يمكن أن نلمس نزعة نوستالجية عند صاحب الكتاب، باعتماد الفيلولوجيا منهجاً مضاداً ضدّ الاستشراق وبأداته الأولى. هكذا، يسمي الباحث التغيّرات بين القراءة القرآنية والقراءة التوراتية بالإضافة. وعندما يقول «نوعية»، فإن المقصد من التسمية هو مقصد ابستيمولوجي. لكن، هل البرهان على وزن القصد؟ فالتشابه تشابه في طبيعة السرد القصصية بين النصين، والإضافة تأتي في هذا السياق، من باب علمي. أما دينياً، فالوحي بمعناه الأعم قادر على اختزال كل العمل، إن كان الهدف دينياً وليس علمياً.

«موسى» لجيوفاني لانفرانكو (زيت على كانفاس ــ 1621 ـ 1624)

على المستوى الغربي، ثمة تشكيك طويل بالرواية الإسلامية عن القرآن وعن تاريخ الإسلام. وثمة نزعات عديدة متباينة تقف خلف هذا التشكيك. نتحدث عن نزعات استشراقية مشبعة بإيمان غذته العقلانية الأوروبية بتفوق الغرب ومركزيته، ونزعة ثانية في أجزاء منها تشكّل امتداداً للنزعة الأولى، وهي نزعة بغلاف أكاديمي. والقول إنه «غلاف»، يحيل إلى الأفكار المذكورة سلفاً، عن تعالي جزء من الغربيين عن الاعتراف بالتراث الإسلامي بدون وقائع أركيولوجية. وهذا السبب المعلن للتكبر على التراث، هو بالضبط ما يحاول بوهندي التصدي له، فيقع في فخاخ العبثية التي أنتجت دراسات في نصوص أخرى بهدف تفكيك النص القرآني، وإعادته إلى أصول توراتية. في الأصل، جزء وافر من النقد الإسلامي للنقاد الغربيين، تمحور ضدّ الخِفة في إهمال التراث، وضرورة العمل حوله، أو الانطلاق من داخله، بدلاً من الدراسات «الخفيفة». وفي كتابه، يحاول بوهندي إعادة الاعتبار إلى هذه الفرضيات، فيوفق حيناً، وفي أحيانٍ أخرى يفرط في التكرار على حساب المعنى، عبر متابعة نظرية لفكرة كلاسيكية تدور في الأصل حول إبراهيم لا موسى، ومفادها أن الأديان تكمل بعضها، ولا تنقض بعضها بعضاً.
غالباً، غياب المنهج المحدد في عمل بوهندي هو الذي يقود إلى التسمية التي يستخدمها الكتاب: «إضافة نوعية». وهذا لا يراعي جوانب النقد الزمانية والمكانية، ويحيل إلى إشكالات كبيرة مع النقد الألماني للقرآن مثلاً، إذ ينسخ بحث الأسلوب الفيلولوجي، ولا يضيف الوقائع التاريخية، ويحاول الاستعاضة عن الطابع اللاهوتي للوحي بتحليلات لغوية. ومثل ذلك حين نسب الخير إلى الغيب، كما يفعل حين يذكر الآية السابعة من سورة القصص، والتي تذكر أن الله أوحى لوالدة موسى أن ترضعه. فالوحي متعالٍ ولا يمكن تفكيكه. لكن خلاصة العمل تناقض وجهة النظر الإسلامية السائدة، التي ترفض أن يكون القرآن مجرد نسخة منسوخة من النبي عن اليهودية والمسيحية. عموماً، الفكرة الأخيرة هي التي تغذّي الاستشراق، وتلعب دوراً في تصوير المسلمين بوصفهم «الآخر» المقيم في مواجهة المسيحيانية وضدّها. وصحيح أن الكتاب ينطلق من إسلام محض، حيث لا دراسة علمية على ضوء المناهج الحديثة، ولا قراءة «نسوية»، ولا قراءة تعتمد التحليل النفسي، إلا أن الكتاب يعرض أفكاراً، يمكن القول إنها عصارة جهد جدي، لكنها متأخرة، وأحياناً متناقضة. فرغم أنه يتحدث في مقدمته عن علاقة تتابعية بين الأديان، سرعان ما يعود في الفصل الأول ليتحدث عن «يد تحريفية امتدت وعاد القرآن ليصحح». والفكرة الأخيرة، في أي حال، مفهومة من الناحية الدينية، وهذا ما يقوله الإسلام عن نفسه.
لا يضيف الوقائع التاريخية، ويحاول الاستعاضة عن الطابع اللاهوتي للوحي بتحليلات لغوية


يتابع بوهندي في كتابه ما بدأه في إعادة القرآن إلى أصولٍ يهودية، تحديداً عبر المقارنة بين أسفار العهد القديم والنص القرآني لمصلحة الأخير. وبعد «التكوين»، يقرأ في «الخروج». ولكنه يقتطع. وهذا القطع والاستنساب ليس حميداً من الناحية المنهجية، حيث يظهر الأمر كما لو أن ثمة فجوة بين التوراة والقرآن، يعمل بوهندي على ردمها. قبل ذلك بكثير، عملت المناهج الغربية، كما يقول طلال أسد، في دراسته عن الأنتروبولوجيا والإسلام، على «إظهار هذه الفجوة وعلى تعميقها»، ما أدى إلى تصور الإسلام على أنه «آخر». لكن، هل من الضروري ردم هذه الهوة، أم أنه يكفي الاعتراف بها؟ الإجابة خطرة طبعاً. وما يبدو سهلاً عن «ردم الهوة»، و«حوار الحضارات»، قد ينتج أبحاثاً تستسهل الزعم أن للقرآن أصولاً يهودية ومسيحية، على افتراض أن هذا يلعب دوراً في «ردم هوة». ولكن الهوة، في الأصل سببها الصورة الغربية التي صاغها الغرب لنفسه أولاً، وللإسلام كآخر. ولا يجب محاربة هذه الصورة بطريقتها، إنما من خلال ما يسميه الباحث في الإسلاميات عصام عيدو بالـ«الاتجاه الجديد». اتجاه يجب أن ينطلق لتفسير النص من خلال الرواية التقليدية الرسمية للإسلام. بوهندي انطلق من هنا، أو الأصح: حاول الانطلاق من هنا. ولكن خلال بحثه، عاد إلى الفيلولوجيا بوجهها الاستشراقي، وبالوجه النافي لجذرية الإسلام في الاستشراق، حين أفرط في «تجميل» السرد القرآني، على حساب «تبشيع» النص التوارتي، ناهيك عن أن العنوان يحمل «الحنين» إلى التحليل النفسي. في النهاية، يُحسب للباحث المغربي شجاعة البحث في مبحث معقد وصعب.