لعل الحدث الأبرز في 2018 على الصعيد العربي بل العالمي، كان اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي. في بداية تشرين الأول (أكتوبر)، الماضي، صدم اختفاء الأخير الأوساط الصحافية والسياسية والديبلوماسية. مسار طويل مشت به هذه القضية، وأفرزت انقساماً عمودياً في طريقة تعاطي الإعلام معه. روايات بالجملة، وتضارب معلومات، بشأن الحادثة، التي وقعت في القنصلية السعودية في تركيا. مساران متناقضان ظلّلا هذه القضية، فكنا أمام شاشتين تتناتشان الحدث، كل منهما تبعاً لأجندتها. قناة «العربية» عتّمت بداية على الحدث، وحاولت أخذه إلى مكان آخر، لتنقذ من خلاله التورط السعودي في الاغتيال. لكن بعد تأكيد الخبر، تبنت الرواية السعودية، بأن من قام بهذه الجريمة، أجراء «خالفوا الأوامر» الملكية.

في المقابل، أعاد مقتل خاشقجي الزخم لـ «الجزيرة». القناة القطرية، التي انخفضت شعبيتها بعد الأزمة السورية، استعادت مكانتها عربياً، بعد تجنيد شاشتها وأطقمها حول العالم، لتعقب قضية خاشقجي. هكذا، تصدّر الأخير أولويات الشبكة القطرية التي راحت تبثّ أخبار الحادثة على مدار الساعة. كنا إذاً، أمام مشهد منشطر إعلامياً، خلفيته تندرج بالطبع، ضمن الأزمة الخليجية التي فرقت بين قطر والسعودية.

الحدث الأبرز على الصعيد العربي، بل العالمي، كان اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي

المشهد العربي المنقسم، والمتقاسم لروايات مختلفة حول الاغتيال، بدا مختلفاً على الصعيد العالمي. إذ تصدّر خاشقجي أخبار الصحف العالمية، ولا سيما «واشنطن بوست» التي كان يكتب فيها مقالاً أسبوعياً في الـ «رأي». الصحيفة الأميركية بذلت جهداً في القضية، وأسهمت من دون أن تدري، في «إيقاظ» ضمير العالم حول ما يحصل في اليمن. بعد التأكد من خبر اغتيال خاشقجي، راحت الصحيفة، ووسائل إعلامية غربية أخرى، تحوّل الأنظار الى الإبادة التي تحصل في اليمن، من مجاعات وأوبئة وموت مجاني للأطفال. هكذا، «ساهمت» دماء خاشقجي في إحداث صحوة عالمية متأخرة في هذه البقعة المنسية والمدمرة من العالم. واللافت تعاطي وكالة «رويترز»، مع القضية. الوكالة حظيت أولاً، بسبق صحافي تمثل في دخولها القنصلية، بعد خمسة أيام من حادثة الاختفاء، لتجري حديثاً مع القنصل السعودي، ولتجول بكاميرتها، في سبيل التأكيد أن المملكة لا يد لها في هذه الجريمة. لاحقاً، وتماشياً مع الخط السياسي السعودي، نشرت الوكالة العالمية الرواية السعودية، التي تفيد بأن خاشقجي «توفي نتيجة شجار» بينه وبين 15 شخصاً أتوا من المملكة خصيصاً لتصفيته!
هذا العام أيضاً، كنا أمام حدث نوعي، تجلى في السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة. في حزيران (يونيو) الماضي، بدأ سريان هذا القرار، وبدأ معه التطبيل لمرحلة مختلفة دخلت فيها المملكة. الحدث الذي وصف بـ «الاستثنائي»، و«التاريخي»، تجنّدت له وسائل إعلام سعودية، وغربية أيضاً. كنا أمام صناعة صورة لوليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، تصفه بـ «الأمير الإصلاحي»، وتختصر ما حصل في المملكة بـ «الثورة». علماً بأن العديد من الناشطات السعوديات ما زلن يرزحن في أقبية المملكة، فقط لأنهنّ كنّ رائدات في المطالبة بأبسط الحقوق في القيادة والحرية الشخصية. هكذا، للمرة الأولى، خصّصت مجلة «فوغ» الأميركية نسختها العربية لعدد حزيران (يونيو)، للأميرة هيفاء بنت عبد الله آل سعود التي نشرت صورتها على غلاف العدد. ظهرت الأخيرة خلف مقود سيارة مكشوفة، ترتدي ثوباً أبيض طويلاً، وأكدت في حديث داخل المجلة أنها «تؤيد التغيير في بلادها». بعد «فوغ»، انبرت بعض الوجوه اللبنانية لاقتناص الحدث السعودي. على سبيل المثال، صوّرت المغنية هبة طوجي كليباً غنائياً لـ «مين اللي بختار» (كلمات غدي الرحباني-ألحان أسامة الرحباني)، وأهدته إلى المرأة السعودية. لكن في طريقها إلى الاحتفال بهذا «التحرر»، خلطت طوجي بين قيادة السيارة، وارتداء الحجاب، فصورت على أن خلعه أيضاً يأتي ضمن عملية «إصلاحية ملكية»! الممثلة نادين نجيم، بدورها، استغلت الحدث، وهنأت المرأة السعودية على طريقتها، لكن في نهاية المطاف، ظهر أن كل كلامها، كان ضمن إعلان مدفوع لكبريات شركات السيارات في العالم. ومن قيادة المرأة السعودية للسيارة، إلى الحدث الأقسى والأكثر تظهيراً على الإعلام السعودي: إنه التطبيع مع العدو الصهيوني. في تموز (يوليو) الماضي، يمكن توثيق هذه الفترة بأنها تسجيل لمرحلة علنية ومختلفة من الصراع مع العدو. في هذا التاريخ، تجرأت «العربية» على بثّ وثائقي «النكبة» الذي يتبنى السردية الصهيونية لاحتلال فلسطين. وثائقي من جزءين، يسرد «مظلومية اليهود» في أوروبا، وانعدام السبل أمامهم لإيجاد «وطن لهم». شريطان يقصيان تماماً التنكيل والمجازر التي ارتكبها الصهاينة بحق الفلسطينيين وأرضهم.
لعلّ العبارة الأبرز في الوثائقي، ما قاله المعلق «ولدت دولة إسرائيل... أصبح الحلم حقيقة»! وثائقي جرّ بعده تورط شخصيات ثقافية، رياضية، ورسمية عربية في التطبيع مع الصهاينة، بشكل علني، وسط تراجع الاهتمام بالشأن الفلسطيني إعلامياً، حتى في ذروة نضاله أيام مسيرات العودة في أيار (مايو) الماضي. ومن المملكة إلى إيران.
منذ عام 2009، وشبكة «bbc عربي» ممنوعة الدخول إلى أراضيها. هذا الأمر كسر في أيلول (سبتمبر)، الماضي، حين دخلت الشبكة البريطانية بجناحيها الإنكليزي والعربي إلى الأراضي الإيرانية، من بوابة أصفهان.
سلسلة تقارير بثتها «bbc عربي» وقتها (إعداد مراسل الشبكة للشؤون الإيرانية علي هاشم)، عن هذه المدينة تحمل طابعاً إنسانياً، بيئياً، وعمرانياً، لتدشن بعدها مرحلة جديدة، بين الشبكة والجمهورية الإسلامية. مصرياً، كان البارز هذا العام، الأزمة التي ضربت الدراما المصرية، وأسواق الإنتاج، إلى حد توقع العديد من أهل الفن أن يكون الموسم الرمضاني كارثياً على العاملين فيه، بسبب إطباق النظام المصري على الإعلام و«تأميمه». إذ استحوذت مجموعة «إعلام المصريين» المملوكة لجهاز المخابرات المصري، على شبكات «أون. تي. في»، و cbc، والسوق الإعلاني لقناة dmc، وبالتالي تحكّم النظام بأسعار المسلسلات، وبالأجور وبسوق الإعلانات، مغيّباً المنافسة في هذا المجال. الصوت الواحد السائد على كل المنابر الإعلامية أسهم في «تطفيش» ملايين المشاهدين، وانسحاب أسماء فنية كبيرة من المنافسة الدرامية، أمثال يحيى الفخراني، وياسر جلال، وياسمين عبد العزيز، وتوقف مشاريع كان منويّاً عرضها في رمضان أمثال «جميلة وإبن السلطان» (تؤدي دور بطولته هند صبري)، و«ملائكة إبليس» (غادة عادل)، مع قبول لبعض النجوم بأجور منخفضة. على الصعيد المصري أيضاً، انطفأ في تشرين الثاني (نوفمبر) الإعلامي الكبير حمدي قنديل (82 عاماً). غياب قنديل خلّف فراغاً كبيراً على الساحة الإعلامية لمشاكس في زمن التزلف والانبطاح. الإعلامي الذي دفع مراراً ثمن كلمته وجرأته وشجاعته على الشاشات العربية، يمثل بلا شكّ وجهاً مضيئاً من التجربة الإعلامية العربية، التي ظلت لصيقة بقضايا الإنسان، والمقاومة وفلسطين.