دمشق | انشغل المعنيون بالثقافة السورية الرسمية بصناعة مانشيتات صحافية أكثر من اهتمامهم بالمحتوى، أو بتأصيل بنية عميقة لإعادة توطين المعنى، في ظل الارتدادات التي أصابت هذه الثقافة في الصميم، جراء الحرب الشرسة التي عاشتها البلاد. عناوين بالجملة، لكنها لا تترك أثراً ملموساً ونوعيّاً. هناك خفّة في معظم ما يُنجز، وحالات تسلّل لمن كانوا في الكواليس إلى الواجهة ببضاعة فقيرة. لا دسم حقيقياً يثري المشهد بما ينقصه. كأن ما يحدث يقع في باب الواجب وكف البلاء لا أكثر. بالكاد نقع على حدث استثنائي يعيد الألق والحيوية إلى الشاشة أو الخشبة أو المنصّة. ميكرفونات مفتوحة على الهباء، والكلام المكرّر والممجوج ومديح العادي والآفل. فساد غير مرئي بجرعات كبيرة، يجري تغليفه بعناية ومكر بسطوة الكراسي ومعاجم اللغة المستعملة. ضعف في الخيال، وكسل، واستحواذ، وإقصاءات. أميّون يتسيدون المنصات بعناوين التقطوها للتو من محركات البحث وشفويات المقاهي، وفضيلة الادعاء. هكذا تكرّم مسؤول ثقافي مرموق أثناء ندوة جماهيرية بمديح فنان معروف، وقد اختلط عليه المعنى، فأهداه – إفراطاً في المثاقفة- لقب «شعبوي» بدلاً من «شعبي». على أن هذه الشعبوية لم تعد طارئة، إنما تسلّلت إلى المتن كمفردة أصيلة بنسب عريق. بإمكان هؤلاء، في مواجهة مثل هذه الاتهامات، إخراج طن من الورق عن نشاطات مزعومة جرى تنفيذها خلال العام المنصرم، لكنها في حقيقتها مجرد ماكيتات خاوية، بلاستيكية، شعاراتية، تقع في معظمها تحت بند هدر المال العام. لم يحرّك أحد ساكناً، حيال بيت رائد المسرح العربي أبي خليل القباني الذي جرى طرحه للاستثمار السياحي، فهو بالنسبة لهم مجرد خرائب لا تستحق ضجيجاً.

استضافت «غاليري عشتار» معرضاً نوعياً بعنوان «ضوء الجسد» في تجارب لافتة للفن العاري

والأمر ذاته في ما يخص عالم الآثار الراحل خالد الأسعد الذي احتفت بمنجزاته متاحف العالم، بينما لم يتمكّن أبناؤه من دفن جثمانه في قبر واحد، إثر فصل رأسه عن جسده، على يد الجماعات التكفيرية، رغم مرور ثلاث سنوات على غيابه. لنقل إذاً، إن الثقافة السورية في معظمها، هي إنجاز أفراد لا مؤسسات. تكفي مراجعة حجم الكتب التي مُنعت في معرض دمشق للكتاب في نسخته الأخيرة، وهو ما لم يشهده قبلاً بمثل هذه الفضيحة. ولن ننسى «الدوافع الأخلاقية» التي لجأت إليها «الهيئة العامة لقطاع الاتصالات» في معركتها الميدانية الشرسة بحجب المواقع الإباحية في سوريا، والطلب من جميع مزودات خدمة الانترنت تنفيذ هذه المهمة، فكانت حصيلة المعركة حجب نحو 160 موقعاً إباحياً.
هكذا اندحرت فكرة التنوير، ورحابة السجال، وتنوّع الأفكار، على أكثر من صعيد، عن طريق الاكتفاء بوجبة من حواضر البيت، وحساء مرضى المشافي. على المقلب الآخر، استعادت بعض صالات الفن التشكيلي الخاصة روادها، بعد سنوات من الإغلاق: مرسم فاتح المدرّس في ساحة النجمة، «غاليري عشتار»، «صالة جورج كامل»، «غاليري مصطفى علي». استضافت «غاليري عشتار» معرضاً نوعياً بعنوان «ضوء الجسد» في تجارب لافتة للفن العاري (فاتح المدرس، ومحمود حمّاد، ونصير شورى، وأدهم ونعيم إسماعيل، غسان نعنع، وإدوار شهدا، وعصام درويش، وباسم دحدوح) وبدا المعرض عناقاً مع تجربة يوسف عبدلكي في سياق استعادة الجسد المخطوف، رغم ما أصابها من كدمات «نقديّة». كما استضاف «المركز السوري للفنون البصرية» معرضاً مهماً للشاعر نزيه أبو عفش، أتى موازياً لنصوصه الفجائعية، بالإضافة إلى تجارب جماعية وورشات عمل لا تنقصها الخصوصية والمهارة والدهشة.
على أن هذه الروح السكونية للثقافة السورية، لم تخلُ من التماعات فردية. فقد توّج يوسف عبدلكي بـ «جائزة النيل للمبدعين العرب» في القاهرة، كأول فنان عربي يحصد هذه الجائزة التي استحدثها المجلس الأعلى للثقافة في مصر. كما منحت «مؤسسة محمود درويش» جائزتها السنوية للروائي خليل النعيمي، ونال الروائي فيصل خرتش «جائزة الطيب صالح» عن روايته «أهل الهوى». وحصد عرض «تصحيح ألوان» للمخرج سامر محمد إسماعيل، جائزة أفضل نص، وأفضل ممثل، في «مهرجان قرطاج» المسرحي. كما توّج فيلم «مسافرو الحرب» لجود سعيد، بأربع جوائز في مهرجان قرطاج السينمائي. ونال فيلم «عزف منفرد» لعبد اللطيف عبد الحميد «جائزة الجمهور» من «مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف»، ومُنح فيلم «دمشق- حلب» لباسل الخطيب، جائزة أفضل فيلم عربي، من «مهرجان الإسكندرية السينمائي». وكان الحدث الأبرز الذي فجع الوسط الثقافي، غياب الروائي حنا مينه، وتلاه رحيل الشاعر إبراهيم الجرادي.