لا تتعب المحطة من كل هذا. اللغة التهويليّة التي تفيض من تعابير المذيعة. شريط الأخبار العبثي بلا تدقيق معظم الوقت. صوت المراسل أو المراسلة، المصاب غالباً بلهاث تقريباً موحّد بين الطاقم بأسره، كأن صاحبه أو صاحبته، تدرب عليه، حتى أتقنه تماماً. لهاث لمضاعفة تداعيات الحدث. والحدث: انفجار الشويفات. يجب أن يخبر أحد ما الزملاء في «الجديد»، أن هذا كله في كفة، وعرض «الأشلاء» في كفة أخرى. وهذه ليست المرة الأولى التي تقع فيها المحطة في هذا الفخ، أو تذهب إليه بنفسها، ثم تتلو اعتذاراً سميكاً وعديم الفائدة، لا يمحو ضحالة الكفاءة المهنيّة أولاً، وقلة الأخلاق ثانياً. انفجار، تتبعه الآلام، ورعب المتسمرين خلف الشاشات الانتهازيّة.


انتهازيّة موصوفة. وأحياناً لا يمكن وصفها. إنها انتهازيّة مرنة وجاهزة لاستثمار أي شيء، وتوظيفه في استعراض رخيص، حتى لو كان دماء الآخرين. وأمام هذه الخفة، لا مفرّ من سؤال وحيد، ولكنه ضروري، على عفويته. هل كان المسؤول عن عرض هذه الصور، سيسمح بمرورها على الهواء، لو كان يعرف قريباً له في الشويفات، من المحتمل ــ بطريقةٍ ما ــ أن يصعد تلك الحافلة في ذلك اليوم الكئيب؟ حسناً، المعايير المهنيّة ليست مرتبطة بالعواطف الشخصية. غير أن المسؤول عن الهواء لا بد من أن يكون أميناً عليه، وأن لا يسمح لتلك الصور القاسية بتجاوز العدسات إلى الشاشات، حيث تتسمر حشود الأطفال والكبار المرعوبين على أطفالهم. لن يكون عرض «الأشلاء» عملاً أخلاقياً بأي شكلٍ من الأشكال. وهنا سؤال آخر: هل من يحاسب؟ على المحطة ذاتها، («تغش» الـ«أو تي في» وتنقل عنها صور الأشلاء) ظهر جمع بعد قليل، يحيي «صدقيّة» هذه المحطة بالذات (!)، ثم استفاض الغاضبون بإرسال الصرخات الطائفيّة التحريضيّة. حسناً، لم يكن من الممكن منعهم. كمّ أصواتهم ليس مهنياً أيضاً. لكن، سؤال أخير: لماذا البحث عن هؤلاء تحديداً؟ الإجابة: انتهازيّة. هل هناك إجابة أخرى؟
أما ماريو عبود، وأثناء النقل المباشر، فتلا عبر «المؤسسة اللبنانيّة للإرسال»، بياناً صادراً عن وزارة الصحة، «أوعزت» فيه إلى مستشفيات الشمال، باستقبال جميع المصابين في عكار والقبيات. وكان هذا، بياناً، في غير زمانه ومكانه، لكنه نقل مباشرةً على الهواء. وقد لا يكون هذا خطأ عون تحديداً، ولا يمكننا أن نعرف إن كان هذا حتى خطأ وزارة الصحة التي قد تكون قد عممت على وسائل الإعلام بياناً قديماً. لا أحد يمكنه أن يعلم شيئاً، أو يفهم شيئاً. لكنه إن دل هذا على شيء، فإنه يدل على جهوزيّة الإعلام اللبناني الدائمة للـ«تدقيق» في الأخبار قبل قذفها هكذا على الهواء بلا أي مسؤوليّة.

يمكنك متابعة أحمد محسن عبر تويتر | @Ahmad_Mohsen