دائماً ما تأتي السينما الفلسطينيّة بالجديد في المنظور والمعالجة، في كيفية التناول، وإبراز جوانب طازجة لمواضيع وتيمات معروفة. هذا أوّل ما يتبادر إلى الذهن إثر مشاهدة «مفك» (2018 ـــ 108 د.) لبسام جرباوي في باكورته الروائيّة الطويلة. شاهدناه أخيراً في مسابقة الدورة الثانيّة من «مهرجان الجونة السينمائي» (20 – 28 أيلول/ سبتمبر 2018)، وبعدها ضمن «العروض الرسميّة خارج المسابقة» في الدورة 29 من «أيام قرطاج السينمائية» (3 – 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018)، قادماً من تجوال دوليّ ناجح في قسمي «أيام فينيسيا» ضمن الدورة 75 من «مهرجان فينيسيا السينمائي» (29 آب/ أغسطس ـ 8 أيلول/ سبتمبر 2018)، و«اكتشاف» في الدورة 43 من «مهرجان تورونتو السينمائي الدولي» (6 – 16 أيلول/ سبتمبر 2018). على مستوى التتويج، فتك جرباوي جائزة أفضل مخرج من «مهرجان البوسفور السينمائي» في تركيا، ضمن الدورة السادسة (26 تشرين الأول/ أكتوبر – 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018).

«زياد» (زياد بكري) ابن أحد مخيّمات رام الله. يكبر مع شلّة أصدقاء على أحلام بسيطة، كأن يحترف كرّة السلّة. ولكن، لا شيء طبيعياً مع وجود الاحتلال. في غمضة عين، ينقلب كلّ شيء. يتلقى صديقه «رمزي» رصاصةً تودي بحياته. يقرّر رفاقه الانتقام. يقتلون رجلاً بالمقابل. يُلقَى القبض على زياد دون الآخرين. وحده يتحمّل المسؤولية، إذ لا يشي بالبقيّة. الأدهى أنّ الضحيّة لم يكن إسرائيلياً كما يُفترَض، بل من فلسطينيي الداخل. هكذا، يقبع «زياد» 15 عاماً في السجن من دون طائل. يخرج بطلاً وطنيّاً بطبيعة الحال. يُرشّ عليه الأرز. تهرع لاستقباله الكاميرات. تُقام لأجله الاحتفالات. تدبج الخطابات.
هنا، يبدأ الشريط حقيقةً، مقدّماً أوراق اعتماده كبحث نفسيّ اجتماعي حول أسير/ بطل في مرحلة ما بعد القضبان، ومحيطه الملتبس. بيان عن بنية مقهورة، تتعامل مع التضحية على أنّها «نصر» ونوع من الواجب، والحياة العاديّة بوصفها ترفاً. يكتشف «زياد» أنّ السجن مرافق له. متغلغل في عقله وقفصه الصدريّ. الخارج حبس أيضاً، وإن كان أكبر مساحةً. الصدمة مستمرّة. كذلك الهلاوس والصداع والعزلة والغضب الداخليّ. عبثاً تحاول أمّه (عرين العمري) وأخته (مريم الباشا) إخراجه إلى النّهار. جمال «مفك» أنّه ينتصر للإنسان قبل «المناضل»، من دون التفريط ببديهية بشاعة الاحتلال ووجوب مقاومته. هؤلاء الأسرى بشر من لحم ودم ومخاوف وخيارات وإرادة حرّة. ليس الكل قادراً على البطولة بذلك المعنى التقليدي، أو حتى يريد ذلك. ثمّة خيارات أخرى كالفن والسينما والغرافيتي على جدران المخيّمات. قد يضطرّ المرء للظهور كأيقونة استجابةً للتطلّع الشعبوي، لكنّه أيضاً إنسان بأخطاء وتعثّر وطموح. المعادلة حسّاسة كقضيّتها. تتطلّب حرصاً على التوازن بين خطاب فردي، وهمّ عام. جرباوي عبّر عن ذلك بقوله: «أتمنى صنع فيلم عن قصّة حبّ من دون احتلال. هذا، ببساطة، يتطلّب زواله».
لم يكن إنجاز «مفك» سهلاً. الفيلم العربي يجتاز مراحل مخاض صعبة عادةً، فما بالك بشريط فلسطينيّ، يصوّر داخل الأراضي المحتلّة، مع طاقم محليّ بالكامل تقريباً؟ هكذا، استغرق 8 سنوات عمل. التمويل من طاقمه في الغالب، إضافةً إلى «مؤسسة الدوحة للأفلام»، وسان فرانسيسكو. استوحاه بسام جرباوي من مقابلات مع أسرى، وذاكرة عن والده، الذي أجبره جنود الاحتلال على مسح غرافيتي عن جدار المنزل باستخدام الماء والتراب. هذا السينمائي بدأ كمصوّر أثناء الانتفاضة الثانيّة. طار إلى الولايات المتحدّة. درس الاتصالات والعلوم السياسية في كليّة ماكاليستر، ثمّ السينما في جامعة كولومبيا. تخرّج بالروائي القصير «رؤوس دجاج» (2009، 15 د. - عرض في «صندانس»، حاز جائزة «المهر العربي» من «دبي السينمائي» 2009، وأفضل فيلم طلّابي من «مهرجان المكسيك السينمائي الدولي» 2010، وجوائز من أسبن وجامعة كولومبيا في أميركا). عمل موزّعاً في نيويورك ودبي. أقفل عائداً إلى رام الله، مؤسّساً «رمش فيلم»، التي شاركت في إنتاج وثائقيّات عدّة.

يؤكّد الشريط على كابوسيّة الاحتلال، الذي حوّل كلّ شيء إلى سجن بجدران فصل ونقاط تفتيش


السفر والعمل منحا جرباوي مزيداً من النضج والانفتاح، ليتمكّن من مقاربة موضوع كهذا من زاوية مغايرة. صحيح أنّ الاحتلال جاثم طوال الوقت، لكن ثمّة صراعات وشروخ داخليّة المنشأ والمآل. يظهر ذلك في التعامل الجمعي مع «زياد». لن يستمرّ بريق البطل إلى الأبد. الحياة تستمرّ. المصالح تفرض نفسها. تظهر صانعة أفلام وثائقيّة تدعى «مينا» (ياسمين قدّومي) آتية من أميركا. كما «زياد»، هي وافدة جديدة على هذا المجتمع، لكن من حريّة وأحلام قيد التحقيق. ترى فيه مادّة صالحةً لشريطها. تدور بينهما نقاشات عن معنى الفلسطينيّ، وطرق نضاله. هي أنا أخرى alter ego لبسام جرباوي في جانب ما. يريدها قطباً ثانياً لإثارة الحوار. يجعلها تحذيراً له وللآخرين بضرورة احترام الشخوص ومعاملتهم كبشر، وليس كمواد للتصوير.
لا يكتفي الشريط بمتابعة بطله من ثمانينات طفولة بريئة، مروراً بتسعينات مراهقة حرّيفة، وصولاً إلى الجانب المظلم في الألفية الجديدة، بل يحقق انزياحاً شاملاً نحو جيل كامل. يلقي شخوصه في قلب واقع مختلف. تكنولوجيا حديثة. عقليّة أخرى. كلّه يصبّ في التأكيد على إنسانيّة الفلسطينيّ قبل أيّ وصف أو تأطير. استمرار لتطوّر «السينما الفلسطينيّة الجديدة»، التي دشّنها ميشيل خليفي في تسجيلي «الذاكرة الخصبة» (1980، 100 د)، ورسّخه في روائي «عرس الجليل» (1987، 112 د)، لتكمل مع إيليا سليمان وهاني أبو أسعد ونزار حسن، ومي المصري، وإياد الداود، وعزة الحسن، وآن ماري جاسر، ورشيد مشهراوي... في المقابل، يؤكّد الشريط على كابوسيّة الاحتلال، الذي حوّل كلّ شيء إلى سجن بجدران فصل ونقاط تفتيش. إذاً، في البديهي غير المباشر أنّ السجن النفسي لم يكن ليوجد أصلاً، لولا السجن الحقيقي.
هذه العقليّة في التأثيث، اقترح جرباوي بعض ملامحها في «رؤوس دجاج». الطفل «يوسف» (قصي أبو عيد) يريد حماية غزاله المفضّل، حتى على حساب كلب أخيه «سعيد» (محمد أبو عيد). الغزال جميل، لكنّه تسبّب في موت الخروف الأفضل في القطيع. من سيدفع ثمن «الجريمة»؟ الكلب البريء طبعاً. بساطة محبّبة في الحكاية. طبيعة حاضرة كشخصيّة مستقلّة. لكلّ دوافعه ومبرّراته المفهومة. طرح ذكيّ عن واقعة لا علاقة مباشرة للاحتلال بها، لكنّها لم تكن لتتأزّم بهذا الشكل لولا وجوده، سواءً بإصابة يد الأب (عاطف الأخرس)، أو الحواجز التي تمنع الحركة والنقل. الفلسطينيّون هم مجموع البشر والطبيعة والمكان بعجرهم وبجرهم، بحسناتهم وأخطائهم، بتسلّطهم ومكابدتهم عسف الاحتلال في آن.
«مفك» مصنوع بإحكام تقنيّ، لناحية الصورة والصوت والديكور... بيد أنّه لا يخلو من مآخذ جديّة. خطابية غير مفيدة في مشاهد «زياد» و«مينا». تكرار الصدف في السيناريو، مثل موت «رمزي»، وهويّة القتيل، ولقاءات «زياد» المتكرّرة برسّام الغرافيتي، وصعوده مع مستوطن عنصريّ وجد في هذه اللحظة فقط ليناسب النّهاية. كذلك، التفاوت الواضح في أداءات الممثّلين. هنا، لا بدّ من الإشادة بجوّانية زياد بكري، ورقّة عرين العمري.