16 حلقة من مسلسل «ما فييّ» من أصل ستين قد لا تكون كافية لوضع قراءة نقدية متأنّية. لكن طيلة مسار هذه الحلقات، التي اتّسمت بالإيقاع البطيء، يمكن الجزم بأن الأحداث المقبلة، رسمت صورتها وتوقعاتها سلفاً. العمل (قصة سيناريو وحوار كلوديا مرشليان ـــ إخراج رشا شربتجي)، يدور حول قصة مكرورة، ممزوجة بلعبة الحب والانتقام، بجدلية الماضي والحاضر، والثأر الذي تحكمه العلاقات العاطفية والعائلية. في المسلسل السوري/ اللبناني، اختيار لبطلين: فاليري أبو شقرا الآتية من عالم الجمال (2015)، التي تلعب دور «ياسما»، ومعتصم النهار (فارس)، الذي يتّسم بوسامة وجاذبية في الحضور والتمثيل. الاختيار طبعاً، لم يأت عبثاً، في التركيز على عوامل الجذب الشكلية بغضّ النظر عن الأداء. في الحلقات الماضية، حدث أساسي، حاولت الكاتبة، لفّه بغموض معيّن، عبر إخفاء تفاصيل الأحداث التي حصلت في الماضي في إحدى القرى اللبنانية، بين «مكرم» (شخصية متوفاة) الذي يقترن بـ «زكية» (نادين خوري)، ويورثّها مطعماً ومنزلاً كبيراً. «مكرم» شقيق «أبو فوزي» (أحمد الزين)، المتحكّم بمصائر أهل قريته، وعائلته على النمط العشائري، وصاحب نفوذ واسع، يسعى للانتقام من «زكية» وعائلتها (بسبب استحواذها على المال). الغموض هنا، يكتنف كيفية مقتل أو انتحار والد ووالدة (شقيقة زكية) «فارس»، والمرجّح أنهما قُتلا. لكن المسار الدرامي يخفي هذا التفصيل لصالح تجهيز «فارس» الآتي من دمشق مع شقيقته (روزينا لاذقاني) إلى بيروت، لتقصّي حقيقة ما حدث في الماضي، وللانتقام ممن قتل والديه. منذ الحلقة الأولى، عجزت أبو شقرا التي تتسم بجمال طبيعي، عن تجسيد دور امرأة تتسم باللطف وبالقساوة والحزم في آن، كونها تنوي ـ كما رأينا ــ مجابهة جدّها، والخروج عن طاعته. لكن أبو شقرا لم تستطع إقناع الجمهور، فأتى الأداء هزيلاً، بارداً، يكتنفه جمود في التعبير.

في الحلقة الأولى، تظهر «ياسما» الآتية من العاصمة الباريسية، وتتواجه مع أهل القرية في البداية، على خلفية إقدام شقيقتها «يمنى» (زينة مكي)، على صدم ثلاثة أطفال، بسيارتها، تحت تأثير المخدر والكحول. هنا، يأتي دور «فارس» الفارس لينقذ «ياسما» من هؤلاء، ويمسك بيدها، هرباً من هذه المواجهة. طبعاً، مشهد رومانسي بامتياز صوّر بتقنية الـ slow motion، للتمهيد لدخول الثنائي في قصة عاطفية، مشوبة بالجدل بين شاب يسعى إلى الانتقام من عائلة «ياسما»، ويتقرّب منها لهذا الغرض، وبين الشابة التي تقع في غرامه في غضون أيام قليلة. طبعاً، سبقت هذا المشهد، قصة صدم الأطفال، وارتمائهم على الأرض، والدماء تغطي أجسادهم. كان يفترض بهذا المشهد، أن يعبّر عن مأساة لما حدث، لكن «خبصة» حصلت، وحوّلته إلى كوميدي. إبان وقوع هؤلاء أرضاً، و«تهريب» الفاعلة (يمنى)، نرى سقوط «فوزي» (بيار داغر) فجأة أرضاً، وإصابته بأزمة قلبية لدى رؤيته «ديما» (روزينا لاذقاني)، من دون إيجاد أيّ تفسير. هكذا يتحول المشهد بكامله إلى مجموعة أشخاص يتساقطون واحداً تلو الآخر، في خلطة غير مفهومة، ضمن السياق الدرامي.
الحلقات السابقة، التي سرعان ما وقعت في إيقاع الرتابة، بان فيها تطويل الأحداث ومطّها، أو بالأحرى الحدث الأساسي، الذي تدور حوله القصة، من دون إدخال المشاهد في لعبة التشويق، أو انتظار ما سيؤول إليه مسار الأحداث، عدا الأجواء الباردة التي تبعث إلى المشاهد من خلال الإضاءة وكادرات التصوير واختيار المكان (القصر الذي تتسم ألوانه بالبرودة والغموض)، لتشكل بذلك عاملاً لا يشجّع على متابعة القصة. طبعاً شخصيات كثيرة تدور حول الحبكة الأساسية: نتعرف إلى «صباح» (السا زغيب) شقيقة «فوزي»، التي تمرّدت على أهلها وقُتل زوجها ثمناً لذلك، وعلى «يمنى» الفتاة التي حاولت الهروب من بيئتها القاسية عبر الدخول في لعبة المخدرات والكحول. رغم المبالغة القليلة التي تضعها زينة مكي في هذا الدور، إلا أنه يُشهد لها إجادتها للدور، وتجسيد «نوباته»، خاصة في مرحلة العلاج، ولجوئها إلى قرية نائية، حيث تتعرف إلى «تفاحة» (ليليان نمري)، والطبيب البيطري (يوسف حداد). كما تعرّفنا إلى «يوسف» (جو طراد)، شقيق «يمنى» و«ياسما» المطيع لجدّه والمحافظ على علاقة وطيدة معه كي لا يخسر حصته في الميراث. في الآونة الأخيرة، حكي عن تقاطع بين أحداث المسلسل التركي «جسور والجميلة»، وحتى تشابه لباس بطليه، مع ثياب بطليّ «ما فييّ»، واستنساخ للملصق الإعلاني نفسه (صورة العائلتين المتصارعتين). طبعاً، قد يكون هذا الأمر صحيحاً، مع تغيير بسيط في النهاية ربّما، أو في بعض الأحداث. لكن تبقى لعبة الحب والانتقام، بين البطلين حاضرة، كما في المسلسل التركي. باختصار، استطاعت ربما أغنية الشارة (كلمات وألحان الموسيقي السوري إياد الريماوي) أن تجذب المتابع لجماليتها، لكن سرعان ما ستظهر عورات أخرى للعمل الدرامي، الذي يحتاج بالطبع، إلى جرعات تشويقية، لا الاكتفاء بالحدث الأساسي.