قبل نحو شهر من بلوغ عامه الـ87، رحل ميشال لوغران (1932). معه تفقد فرنسا عميداً آخر في مجال الموسيقى (بعد غياب أزنافور السنة الماضية) وركناً كبيراً من أركان مجدها الفني في القرن العشرين ومطلع القرن الحالي. إنه تلميذ ناديا بولانجيه وأحد الروّاد في تبنّي وممارسة الجاز في بلده. إنه من جيل العمل والتعب والنشاط الفائق والشغف اللامحدود. في رصيده كمٌّ هائل من الأعمال وفي رصيد الموسيقى مساحة كبيرة من حضور اسمه، من خلال عناوين أصبحت كلاسيكيات يؤدّيها ويسجّلها حول العالم مغنون وموسيقيون، في عالمي البوب والجاز بشكل أساسي. أواخر التسعينيات، ولمّا كان مستقراً في سويسرا، اتصل به أحد الصحافيين، فقال له: «أودّ أن أؤلّف موسيقى للأفلام وموسيقى شعبية. أريد أن ألعب الجاز. أرغب في تأليف سمفونيات وسوناتات. أنا أعمل وأجهد كثيراً هذه الأيام. أريد أن أفعل كلّ شيء». آنذاك كان في منتصف عقده السابع، وفي ماضيه موسيقى لأكثر من مئة فيلم ومئات الأغنيات الخاصة وإعداد لعشرات الأعمال المعروفة (كلاسيكيات الجاز بشكل خاص) وكان قد رافق عمالقة الغناء في فرنسا وأميركا عزفاً على البيانو، ومن بينهم جيسّي نورمان التي كان قد أنجز لتوّه ألبوماً معها يجمع بين الأوبرا (طريقة الأداء) والجاز (المرافقة الموسيقية)، وفيه استعادة لأبرز مؤلفاته في مجال الأغنية. أتى هذا التصريح في عمر يُعَدّ في مجال العمل سنّ التقاعد والراحة. لكن بدلاً من ذلك، تقاعد لوغران من التقاعد، فراح يقيم الأمسيات في نوادي جاز متواضعة ويؤلف موسيقى الأفلام (آخرها السنة الماضية لفيلم غير مكتمل للراحل أورسن ويلز) ويقيم الجولات والحفلات الكبيرة في العالم، وصولاً إلى لبنان الذي زاره عبر «مهرجانات بيبلوس الدولية» وقدّم أمسية مشتركة مع تشوتشو فالدس، على غرار حفلات كثيرة نازَل فيها كبار عازفي البيانو، أمثال عملاق المهارات أوسكار بيترسون الذي نجد تأثيره الواضح في أسلوب عزف لوغران.

شهرة ميشال لوغران ارتبطت بشكل أساسيّ بموسيقى الأفلام أو بالأغنيات التي استخدمت في بعض الأعمال السينمائية قبل أن «تخرج» منها ويتداولها الجمهور والفنانون بشكل مستقلّ عن وظيفتها الأولى (خدمة مشهد في فيلم). فقد حاز أوسكارات عدة وجوائز «غرامي» وغيرها عن موسيقى أفلام كتبها، بالإضافة إلى الترشيحات الكثيرة في هذا السياق. غير أن الراحل ليس فقط مؤلف موسيقى وأغنيات في إطار الفن السابع. في الأساس، هو عازف بيانو بارع في مجال الجاز أولاً، علماً أن لديه أيضاً إلماماً بالريبرتوار الكلاسيكي (لكن لا يمكن تصنيفه بين عازفي الكلاسيك) كما لديه مساهمة تأليفية في هذا النمط (وضع مثلاً موسيقى لأوبرا عن قضية الضابط الفرنسي ألفريد درايفوس الشهيرة) بالإضافة إلى عمله كقائد أوركسترا (غالباً في أميركا وكندا).

انخرط في مجال الموسيقى التصويرية، مرافقاً جيل الموجة الجديدة في فرنسا الستينيات


بداياته كانت في الأغنية الفرنسية بين تأليف الأغاني وقيادة الفرق الموسيقية لمغنين شعبيين وفنانين استعراضيين (أمثال موريس شوفالييه) ثم في الجاز الذي كانت قد انتقلت عدواه إلى فرنسا التي حجّ إليها كبار رجال هذه الموسيقى في الخمسينيات لتقديم أمسيات في نواديها. عِشْق لوغران للجاز «تسبّب» فيه حضور حفلة لديزي غيلسبي، فانطلقت بعد ذلك تجربته التي أوصلته سريعاً إلى الكبار الذين جمعهم في نيويورك عام 1958 لتسجيل توزيعاته الخاصة لباقة من الكلاسيكيات. حمل الألبوم عنوان Legrand Jazz وشارك في تسجيله مايلز دايفس ودونالد بيرد وآرت فارمر (ترومبت) وجون كولتراين وبن ويبستر (ساكس) وبيل إيفانز وهانك جونز (بيانو) وهيربي مان (فلوت) وبول تشايمبرز (كونترباص) وغيرهم كثيرون من هذا الطراز الذي كان بمثابة زبدة الزبدة في هذا النمط. بعدها انخرط أكثر في مجال الموسيقى التصويرية، مرافقاً جيل الموجة الجديدة في فرنسا الستينيات، فوضع موسيقى لأفلام كبار المخرجين (جان لوك غودار وأنييس فاردا وجاك دومي وجوزيف لوزاي،…)، لكنّه مدينٌ بعالميته لـLes Parapluies de Cherbourg (1964) الفيلم «الموسيقي» الذي نال جائزة «غرامي» عن شريطه، ما دفع لوغران للانتقال إلى الولايات المتحدة الأميركية لطرق باب هوليوود حيث وقّع العديد من موسيقى أفلامها، على رأسها Thomas Crown Affair.
كان لميشال لوغران تعاون بأشكال مختلفة مع كبار نجوم الغناء والموسيقى (ساره فون، ديزي غيلسبي، ستان غيتس، راي تشارلز،…). كما أدى أو استعاد (غناءً أو عزفاً) أعماله كثيرون مثل فرانك سيناترا ونينا سيمون وطوني بينيت وبيل إيفانز وغيرهم. إنه تاريخ الموسيقى منذ أكثر من نصف قرن، وكان لميشال لوغران بصمة هامّة فيه. بصمةٌ كان بإمكانها أن تكون أكبر بعد، لو لم يخطئ التقدير الأطباء الذين عالجوه من التهاب رئوي قبل مدة، وأسرّوا له أن التعافي الكامل قريب. القدر كان له رأي مختلف جذرياً عن العلم، فرحل ميشال لوغران في بلده، في مسقط رأسه، في فراشه، عند الثالثة من فجر 26 الجاري.