إنه «التراند»، ولا شيء آخر غير «التراند». هذا ما ينطبق على الموجات التلفزيونية التي تنتقل ببرامجها و«ابتكاراتها»، عند كل مفترق، قاطفة الظروف السياسية والاجتماعية التي تمرّ بها البلاد. قبل سنوات، درجت موضة الحديث باسم الناس، وأوجاعهم ومصائبهم، في برامج «التوك شو» السياسية. حملت هذه الشعارات، وأرفقت بنبرات مرتفعة في الاستديوات. خال عندها المشاهد، أن هناك منصات تنصفه وتتحدث باسمه، ليكتشف، أن كل هذه الاستعراضات، لا تعدو سوى استثمار في مآسيه، لشد العصب، وبعدها سيجلس هذا الإعلامي وغيره، مع هؤلاء الساسة المسؤولين عن هذا الخراب، ويمعن في تلميع الصورة على أكمل ما يكون.

هذه الموضة مستمرة، ومتنقلة بين البرامج، وفيها استخدام لأدوات مختلفة، توهم المشاهد أو المواطن بأنه شريك في هذه البرنامج، وبأن معضلات بلاده، على طاولة البحث وإيجاد الحلول. في الفترة الأخيرة، خرج «تراند»، جديد، يتعلق بمكافحة الفساد. شعار لازم العديد من السياسيين، وأوحى إلى عدد من البرامج بركوب هذه الموجة. لكن كيف لهذه القنوات، وهي في الأصل المملوكة والموزعة محاصصة بين الطبقة السياسية الحاكمة، أن تجري مساحة محاسبة، وتكشف الفاسدين، ومجوعّي الناس؟ لعلّ آخر «الابتكارات» هو البرنامج الذي طرحته قناة mtv، يوم الأحد الماضي، قبل أن تغيّر توقيته وتنقله إلى مستنقع يوم الاثنين، ليتنافس مع بقية البرامج «الاجتماعية». «بدا ثورة» (منتج منفذ ورئيس تحرير: رامي زين الدين ــــ إعداد وتقديم: غادة عيد)، نقل الحديث إلى مكان آخر، إلى شبه نكتة، تقول أن قناة المرّ، في صدد إطلاق «ثورة»، و«إحداث عصيان حضاري»، في «وجه الفساد المتفشّي على الصعد كافة». من «علم وخبر» البرنامج الذي فتح ملف الفساد على «شكل مصغّر»، ودخلت عبره غادة عيد إلى أبواب mtv، بعد إمضائها نحو 12 عاماً في «الجديد»، حاملة لواء محاربة الفساد، والصحافة الاستقصائية... إلى «بدا ثورة»، البرنامج الذي ترافق مع ترويج ضخم، و«رُقّي» اليوم، إلى مرتبة «يوم الإثنين»! أسئلة كثيرة، وإشكاليات، تطرح نفسها بالجملة، عن هذه اللعبة المكشوفة في تبني محطة، لطالما بقيت محيّدة نفسها، عن معظم الحراكات الشعبية التي حدثت في السنوات الأخيرة، بل إنها اعتمدت في بعض الأماكن، منطق الشيطنة لهذه الحراكات. كيف لمحطة، ذي نفوذ سياسي واضح، وحاضر في أركان السلطة الحالية، أن تخصص ضمن برمجتها، برنامجاً يصوّب على مكامن الفساد، ويعطي فسحة للناس لتعبر عن غضبها وتوصل صرخاتها إلى المعنيين؟

تصويب سياسي على وجوه معروفة من أفرقاء هم خصوم المحطة


في الحلقة الأولى، تقف غادة عيد أمام الكاميرا لتقول بأن «الفساد وصل إلى العظم»، وأن «جوع الناس ما عاد يرحم»، لتنتقل بعدها إلى تقرير مطعّم بأغاني «الثورة»، وبوجوه الناس المتعبة، التي تعاني من العوز، وتزنرها أزمات اقتصادية وبيئية قاسية. في الاستديو الذي يتقاطع مع ديكور برنامج «تحقيق» (تعدّه وتقدمة كلود أبو ناضر هندي)، تجلس عيد، أمام الشاشة، لتستقبل من ساحة «سمير قصير» (وسط بيروت)، مجموعة مداخلات من الناس الذين يعانون من مشاكل معلقة. في الساحة المذكورة، وضعت كاميرا ويب (live web cam)، مهمتها تصوير ونقل ما يقوله المارة أو من قصد الساحة، وإيصاله إلى «بدا ثورة». في الحلقة، التي تخللتها فقرات عدة، بدا واضحاً انتقاء الملفات، والتصويب السياسي على وجوه معروفة من أفرقاء يتخاصمون مع المحطة (كالسخرية من جبران باسيل ومقابلته الأخيرة على cnn). في الحلقة أيضاً، استضافة لوجوه معروفة فنية وإعلامية (طوني بارود وراغب علامة) ربما لكسر جمود البرامج المماثلة. «بدا ثورة» شعار تكرر مراراً على لسان عيد، والمشاركين من الساحة البيروتية، ومن ضيوفها في الاستديو. أرادوها «ثورة بيضاء»، ثورة «حضارية»، من دون «ضربة كف». هكذا، يُتوقع ضمن موسم كامل، أن لا يتزحزح البرنامج عن الشعارات الشعبوية والرنانة. فعدا أن برامج مماثلة، اتسمت بالجدية، لم تصل إلى أهدافها، كيف لبرنامج يتخذ من عبارة «الثورة» موئلاً له، ومن «قبضة اليد» الرمزية، شعاراً أيقونياً له، ويُعرض على محطة لم تعبأ طيلة تاريخها، بما يحدث على الأرض وبين الناس، أن ينجح بالفعل على الشاشة؟

* «بدا ثورة»: كل اثنين 21:40 على mtv