لا يمكن أن يمرّ يوم جمعة في دمشق من دون أن تستمتع لفرقة عراضة وهي تعدّل مزاج مستمعيها، بزفّة أحد العرسان على صوت «الوصّيف» يرافقه «الرديدة» و«العازفون» و«لاعبو السيف والترس». لقد اختُلف حول أصل كلمة عراضة؛ فبعضهم قال إنّها من الصوت العريض، وآخرون اعتبروا أنّها وصف وعرض لحالة الفرح. لكن نسبها كثيرون إلى الثوّار السوريين الذين ناضلوا ضد المستعمر الفرنسي، مؤكدين أنّها استمدّت من معارضتهم للاحتلال، وترديدهم لتلك الأهازيج بغية خلق الحماسة المطلوبة قبل البدء بالمعارك! في كل الأحوال، إنّها مفردة دمشقية فولكلورية عريقة، تترجم الفرح منذ أكثر من مئة عام، غير أنّها باتت في سنوات الحرب أيضاً تستخدم لزف الشهداء الشباب من مقاتلي الجيش السوري كما لو أنّهم عرسان!

يمكن أن يتردّد صدى صوت «الوصّيف» وأنت تقطع أزقة الشام القديمة ليلاً كونها منبع هذا النوع الفني الشعبي. لكن أن يجهّز مطعم «قصر النرجس» بفرقة عراضة بزيّها الفلكلوري الموّحد، في وضح النهار، ومن دون مناسبة واضحة، فالأمر حتماً يعني أنّ كاميرا أحد المخرجين تدور هناك لتصوير زفاف أحد أبطال مسلسله! وهو فعلاً ما عرفناه عندما اقتربنا من فرقة العراضة التي كانت مستعدّة لإشعال الأجواء في مناسبة زواج المحامي «طارق» (حازم زيدان) من «رشا» (جيانا عنيد) في مسلسل «أحلى الأيام» (جزء ثالث من «أيام الدراسة» ـــ إخراج سيف الشيخ نجيب وكتابة طلال مارديني الذي يتشارك البطولة مع معتصم النهار، ويامن حجلي، وخالد حيدر، ووائل زيدان، ومديحة كنيفاتي، ومازن عبّاس) الذي صرنا داخل موقع تصويره.
العمل في جزءيه السابقَيْن، حقّق نسبة مشاهدة عالية لدى شريحة المراهقين باعتبار أنّه يلامس شيئاً من حيواتهم، ويعرض تفاصيل تخص يومياتهم، ضمن قالب كوميدي خفيف. وإن كان العمل يحتمل الكثير من المآخذ والفجوات لدى محاكمته نقدياً، إلا أنّ هذا الحضور الجماهيري خوّل كاتبه استثماره وإعادة تدوير الفرضية، بعدما سافر شخصياً إلى الإمارات، ووجد أنّه من المنطقي ملاحقة مصائر الشخصيات ذاتها وفق شرط وضعها في مجتمع جديد. هكذا، كتب طلال مارديني جزءاً ثالثاً وصوّرت نسبة كبيرة من مشاهده في الإمارات، قبل أن تنتقل الكاميرا إلى الشام لتنتهي من القسم الأخير.

باسم ياخور في كواليس المسلسل

رافقت «الأخبار» فريق العمل في آخر يوم تصوير، وواكبت تفاصيل هذا النهار الطويل، وراقبت سعادة الكاست عند تصوير اللقطة الأخيرة! المشهد يصوّر زفافاً، لذا يحمل مساحة كبيرة من الترفيه، لكنّه يحتاج إلى دقة وضبط عاليَيْن، كونه يضم عدداً كبيراً من الكومبارس إلى جانب فرقة ضخمة للعراضة. الأمور تبدو مضبوطة تماماً بوجود فريق فني متماسك على رأسهم مدير الإضاءة والتصوير يزن شربتجي.
سننتظر ساعات حتى تُتاح لنا فرصة الحديث مع الموجودين من فريق العمل، أوّلهم المخرج سيف الشيخ نجيب الذي يقول لـ «الأخبار» إنّ «أيّام الدراسة» ترك من خلال جزءين سابقَيْن «انطباعات جيّدة لدى شريحة واسعة من الجمهور، واحتلت شخصيّاته مكانتها لديهم، لذا لم يكن المقترح تقديم جزء ثالث بدقيق العبارة، وإنّما ملاحقة مصائر شخصياته الرئيسة في شرط مختلف، وبيئة جديدة، بغض النظر عن الحبكة الأساسية التي كانت تدور في المدرسة أو الجامعة. ماذا سيحل بهؤلاء الأبطال بعدما توجهوا للعيش في الإمارات؟ وكيف ستكون يومياتهم؟ بمعنى أنّه تم تطوير الطرح بما يتناسب ليس فقط مع التقدم العمري الذي طرأ على نجوم المسلسل، بل أيضاً مع المنطق الذي يفكر فيه جمهور هذا العمل، وقد تابعه عندما كان في أعمار شخصياته ثم كبر معها». يضيف الشيخ نجيب: «لا يحتمل هذا المسلسل وجبات ثقيلة، أو هموماً سياسية ومجتمعية، ولا يمكن له الخروج من نمطه كمسلسل كوميدي لايت، يقدّم يوميات لمجموعة شخصيات بطريقة تشويقية وطريفة بقصد إمتاع الجمهور والترفيه عنه، من دون ادعّاء المقولات الكبيرة، بل من خلال تفاصيل معيّنة بطريقة إسقاطية أو بداعي السخرية. حتى تستطيع تمرير حلقة مدّتها 45 دقيقة من هذا النمط، يجب أن تكون الحكاية خفيفة».
من جانب آخر، يشير مخرج «الإخوة» إلى أنّ هذا المشروع «يحتاج إلى ضبط فنّي وتقني عال، ولا يسمح للمخرج بالكثير من التجريب والاستعراض البصري إن صحّ التعبير، فكل لقطة، يجب أن تكون منسجمة مع حالة العمل، أو يمكن توظيفها في مكانها الصحيح. أما غير ذلك، فلا يمكن الشغل على المستوى البصري، بسبب ضرورة تقديم كوادر مريحة وترك فرصة لعين المشاهد لتتلقى بشكل سلس». وعن سبب نجاح هذه الأعمال، يقول سيف: «المشاهد بحاجة للتوقّف عن التفكير، وتسلية نفسه من دون أن تكون المادة ذات مفاهيم عميقة تدعوه للتأمّل، والتفكير، والتحليل».
أما عمّا لمسناه في البرومو التمهيدي للمسلسل والمزج المقصود بين التشويق والإثارة والكوميديا، فيشرح المخرج أنّ «هذا حقيقي ومقصود، وقد سبق أن جرّبت تقديمه في السينما اللبنانية. فإذا كان المسلسل كوميدياً وخفيفاً، لا يعني ذلك أنّه سخيف، أو لا يقدّم سوى الضحك. قصدنا بهذا العمل أن نقدّم خلطة من قصص حب، وحالة تشويق، وجذب للجمهور، ومرور على هامش قضايا اجتماعية بشكل محدود ضمن المساحة التي يسمح بها العمل. سنشاهد مثلاً كيف تلاحق الشرطة شخصيات العمل، وكيف يخون أحدهم زوجته، وكيف يخوضون رحلة بحرية ويتوهون فيها... إلى ما هنالك من أحداث جذّابة للمشاهد لكنّنا صغناها بطريقة كوميدية».
أما عن سبب عودة الكاميرا إلى دمشق على رغم أنّها صوّرت أكثر من 90 في المئة من المشاهد في الإمارات وفق فرضية سفر الأبطال للعمل في الخليج ونسج أحداث يومياتهم هناك، يفصح سيف الشيخ نجيب بأنّ «المقترح يبدأ من خلال شخصية «غسّان» الممثل المشهور الذي سافر إلى الإمارات وبدأ العمل هناك، ومن ثم أمّن تأشيرات لأصدقائه ودعاهم إلى البلد، فحلّوا عليه ضيوفاً في بيته، لكن جلستهم طالت كثيراً، ولم يتمكنّوا من إيجاد عمل. بعد فترة، صار «غسّان» يحس نفسه ضيفاً في بيته، وقد استبيحت خصوصيّته، لكن هناك من رفضوا السفر أصلاً واعتصم في دمشق، فعدنا لنرى ماذا حلّ بهم وكيف ستكون نهاية الحكاية معهم».
من جانبه، يفضّل الكاتب والممثل طلال مارديني اختصار الحديث عن نصّه من أجل ترشيد المتعة لحين المشاهدة، واحترام رغبة شركة الإنتاج التي يحرص على تنفيذ رغباتها والالتزام معها، فيقول: «العمل عبارة عن استمرارية شخصيات «أيّام الدراسة» وفق شرط ومنطق جديد، وملاحقة يومياتها بعدما تغيّرت بيئتها وانتقلت للحياة في مكان مختلف كلياً عن دمشق». وبالنسبة إلى الدور الذي يؤدّيه، يوضح أنّ «غسان» يزاول «مهنة التمثيل. بعد حصده شهرة واسعة، ينتقل للعيش في الإمارات، ويقرّر استقدام رفاق دراسته إلى المكان الذي يقيم فيه، لتبدأ رحلة محفوفة بالمغامرات، والمواقف الحياتية المتباينة، منها الكوميدي ومنها الرومانسي ومنها الحياتي الاجتماعي. المفارقة التي تصنع حكايته الخاصة أنّه يتعرّف إلى مذيعة جميلة ويخون زوجته معها إلى حين افتضاح أمره واتخاذه قرار الحفاظ على أسرته».
التقطت غالبية المشاهد في الإمارات قبل استكمال القسم الأخير منها في الشام


لا يتخلّى النجم الشاب مازن عبّاس عن حسّه الكوميدي ورغبته الدائمة بصناعة الضحك على وجوه الآخرين. «أبو الحروف» شخصيته التي عرفه الجمهور من خلالها في مسلسل «أيام الدراسة» مستمرة في هذا الجزء ولو كانت بمساحة أقل. عن حضورها والتجربة بشكل عام، يقول لـ «الأخبار» إنّ «مهمّة الشخصية الأساسية هي إيجاد حلول للمشاكل التي يقع فيها بقية الشباب من أصدقائه، وأيضاً البحث عن مخارج للمصائب المتلاحقة التي يوقعون أنفسهم فيها. من هنا أتى اسم هذه الشخصية تقليداً للشخصية الكرتونية التي تجد حلولاً لمشاكل اللغة العربية وقلب المعاني. حضور «أبو الحروف» سيكون ضمن الشرط الكوميدي الذي شاهدناه في العمل سابقاً. على رغم فشله المتلاحق في كل تفاصيل الحياة، إلا أنّه يجترح حلولاً ويجد مخارج لإشكالات أصدقائه». هنا، يستطرد عبّاس ليتحدّث عن ميزة تخصّ هذا المسلسل دوناً عن غيره هي العلاقة الودية والحالة الحميمة التي تجمع نجومه، كأنّهم يقفون للمرّة الأولى أمام الكاميرا في هذا المشروع، على رغم تراكم الخبرات وقطع شوط مهني واسع بالنسبة لعدد منهم، لذا «روح العمل هنا مختلفة وطاقته إيجابية. وقد سبق أن ترك انطباعاً جيداً لدى الجمهور، ربما لأنّ ما قدّمه كان حقيقياً، وقريباً من الناس على رغم بساطته». وعن مدى فاعلية شخصيّته باعتبار أنّ الأبطال سافروا إلى الإمارات وبقي هو في دمشق، يوضح مازن أنّ «حضور «أبو الحروف» جيّد، ومساحته فعّالة، لأنّه على رغم الغربة والبُعد، لا يجد الأصدقاء بديلاً عنه ويبقون على تواصل يومي معه عبر «سكايب» وهو ما يعطي منافذ لخلق حالة كوميدية مضافة».
إضافة إلى الشخصيات الرئيسية التي ظهرت سابقاً، ستطل أخرى جديدة من بينها «رشا» الفتاة المحتالة التي تجرّب النصب على طارق، والمحامي الذي بقي في بلاده رافضاً السفر مع رفاق دراسته. لكن بعد أن يسامحها، ستقرّر الزواج منه ويكون لها ما تريد. الشخصية لا تحمل هامشاً من الكوميديا لكنّها توضع في سياق ساخر بالشكل العام. تلعبها الممثلة الشابة جيانا عنيد التي تشير إلى أنّ دورها «لا يحتمل الكثير من الشرح. هي فتاة قوية وصلبة، لا تقدّم حالة كوميدية بقدر ما تحمل في قصتها دراما بعد أن تتورّط في قصة حب مع «طارق»... تضطر أن تمشي في طريق منحرف، تظل على هذه الحالة حتى يضعها القدر في المكان الصحيح لتغيّر مجرى حياتها. وفعلياً تشكل «رشا» الشخصية الجوهرية التي يدور حولها الحدث الذي يجري في الشام».