اسطنبول | أمر ما بدأ يثير الخوف في قطاع التلفزيون التركي خلال العامين الماضيين. إذ ظهرت مجموعة جديدة من المسلسلات التلفزيونية المبتكرة والمنتجة بشكل جيد على أجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية والهواتف عبر تركيا، تعمل من خلال منصات البث الرقمي، مما قد ينذر بمفترق حاسم بالنسبة إلى مستقبل التلفزيون التركي بعيداً عن القنوات المعروفة في تركيا.

في بداية عام 2017، بدأ سكان المدن الكبرى في تركيا يلاحظون إعلانات عن الموسم الأول من العرض التلفزيوني الجديد الذي كان مسلسلاً من ثماني حلقات باسم Masum (البريء)، مع وجوه الممثلين المشهورين هالوك بيلغينار ونور سورير، إضافة إلى علي أتاي. إعلانات المسلسل انتشرت في الطرقات، ومحطات الحافلات وتقاطعات الشوارع، ليتبيّن لاحقاً أنّ المسلسل سيبثّ على منصة جديدة تسمّى BluTV.
أتيحت الحلقة الأولى من المسلسل بشكل مجاني على الإنترنت. ثم من أراد إكمال مشاهدة باقي الحلقات من هذه السلسلة المبتكرة، التي أخرجها السينمائي التركي سيرين يوس، فعليه التسجيل للحصول على عضوية رقمية بكلفة 9.90 ليرة تركية (1.85 دولاراً أميركياً في الشهر). في نهاية عام 2018، وصل منافس آخر للتلفزيون التركي. إذ أطلقت شركة Netflix في 14 كانون الأول (ديسمبر)، أول إنتاج من طاقم تركي كامل: مسلسل من 10 حلقات باسم Hakan: Muhafiz، المعروف دولياً باسم The Protector. بعد نجاح منتجات Netflix الأخرى كـ Ingobernable (المكسيك)، وDark (ألمانيا) وSacred Games (الهند)، قرّرت Netflix تجربة حظها في السوق التركية. في مؤتمر صحافي أقيم في اسطنبول يوم 4 كانون الأول (ديسمبر) 2018، تحدثت كيلي لويغينهل، نائبة رئيس Netflix للأصول الدولية، عن إنتاجهم الأول The Protector، قائلة: «نعتقد أن الجماهير في جميع أنحاء العالم ستحبّ هذا الإنتاج. نعتقد أن 137 مليون شخص في 190 دولة سيظهرون ردود فعل إيجابية للغاية عندما يشاهدون هذه السلسلة».

في كانون الأول (ديسمبر) 2018، أطلقت Netflix مسلسلها التركيThe Protector

وعلى الرغم من اختلاط آراء The Protector، إلا أن العرض قد حصل على ما يكفي من الطمأنينة لمواصلة الموسم الثاني. هذه القطعة الفنية الخيالية، التي تتحدث عن شاب يعمل في البازار الكبير في اسطنبول ينطلق في مهمّة لإنقاذ المدينة من عدوّ خالد، انتشرت في تركيا والخارج.
وبين الظهور المفاجئ لـ Masum وإطلاق The Protector، بدأ التلفزيون التركي فصلاً جديداً في السينما والدراما التلفزيونية غير الشكل الذي اعتاد عليه المجتمع. ما الذي يكمن وراء نجاح هذا المحتوى في تركيا؟ رئيس الدراما في BluTV صارب قالف أوغلو قال في حوار مع صحيفة محلية بأن العديد من المشاهدين تعبوا من شبكات التلفزة التركية، موضحاً: «المسلسلات التركية مثل المسلسلات في الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية، ذات شكل ومضمون واحد، حتى إنّها متشابهة جداً في طريقة المعالجة». وتابع إنّ «القنوات وشركات الإنتاج الإعلامي التركية لا تتجاوز الخطوط الحمر التي تحددها الحكومة في ما خصّ معالجة القضايا الاجتماعية من خلال الدراما».
المسلسلات التركية مشهورة بطول مدّتها، والتكرار في اللقطات والمشاهد وحتى الأفكار. على سبيل المثال، وصل مسلسل مشهور مثل Arka Sokaklar إلى أكثر من 500 حلقة، يبلغ متوسط ​​كل منها 126 دقيقة تقريباً. وبدمج فترات الإعلانات التجارية التي تتخلل العرض، فإنّ الأخير يستمر إلى ما يقرب ساعتين ونصف الساعة لكل حلقة، يقول صارب قالف أوغلو: «ما هذا الجنون؟ من يفعل ذلك اليوم؟».
تم تصدير الميلودراما التركية، مثل المكائد الرومانسية كما في مسلسل Ask-i Memnu أو ما عرف في الأوساط العربية بـ «العشق الممنوع» في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلى العالم العربي، ودول البلقان وأميركا اللاتينية، مما عزّز الاهتمام العام بتركيا. لكنّ المشاهدين الشباب في تركيا يرفضون هذا الشكل من الدراما، علاوة على أنهم لا يهتمون بما يعرض على «تلفزيون الكابل» حسب إحصاء جديد أجرته شركة محلية. وحسب الإحصاء الذي أجرته شركة «متروبول» التركية المتخصصة، الذي شمل نحو 3100 شاب تركي في 10 محافظات تركية، يفضل الشباب التركي مشاهدة المسلسلات الأجنبية مثل Breaking Bad وGame of Thrones وThe Walking Dead التي تحظى بشعبية عالمية كبيرة. في الأسباب، قالوا إنهم لا يحبّون القضايا السخيفة التي تقدمها التلفزيونات التركية، مشيرين إلى ضعف السيناريوهات التركية مقارنة بتلك العالمية، إضافة إلى طريقة العرض على التلفزيون في يوم واحد في الأسبوع وطول الحلقات، والدعايات الكثيرة التي تظهر خلال فترة المشاهدة. يقول أردا طباش أوغلو: «عليك التزام البيت لمدة ثلاث ساعات كاملة كي ترى مشاهد مكرورة بالتفاصيل نفسها لكن مع ممثلين مختلفين، فضلاً عن دعايات تافهة أكون أصلاً قد سئمتها خارج البيت لتلاحقني إلى داخله».
قيامة أرطغرل
خلال زيارته موقع تصوير مسلسل «قيامة أرطغرل»، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شركات الإنتاج التلفزيوني إلى تكثيف جهودها لتصوير «حياة أجدادنا العثمانيين»، متابعاً: «لقد كانوا وما زالوا مثالاً يحتذى، حكموا العالم وأشاعوا فيه العدل والسلام والاطمئنان». وقال أردوغان إن الشعب التركي بجميع فئاته بات يشاهد مسلسل «قيامة أرطغرل» بإعجاب واهتمام في الآونة الأخيرة، ووصف المسلسل بأنه بمثابة ردّ هام على أولئك الذين يستخفون بقدرات تركيا وشعبها. وأوضح الرئيس التركي أن الفريق المشارك في إعداد المسلسل التاريخي سيقدِم خلال الفترة المقبلة على إنجاز أعمال جديدة ومتتالية. وكشف عن تشكيل الحكومة لجنة لإعداد وتوجيه شركات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، لإنتاج عروض تنهض بالشخصية التركية وتبث فيها القوة لاستعادة أمجادها. ونوّه أردوغان إلى أن الغرب يحاول «تشتيت أفكار شبابنا، من خلال تحويل ناظريه إلى حياة مادية زائفة لا تضيف قيمة إلى الإنسان ولا تساهم في نهوض أمته، من خلال تصوير الجسد وهو ما يمثل الخواء الروحي والانحدار الأخلاقي للغرب». ووصف مسلسل «قيامة أرطغرل» على مدى ثلاثة مواسم الحملات التي شنها الأتراك في القرون الوسطى ضد أعدائهم. ويملك المسلسل الذي يركز على حياة أرطغرل بك والد عثمان بك مؤسس الإمبراطورية العثمانية في القرن الثالث عشر، أعلى نسب المشاهدة في تركيا أسبوعياً.
ومنذ تولى «حزب العدالة والتنمية» السلطة في عام 2002، أصبحت المسلسلات التلفزيونية أبرز صادرات تركيا، وتم بيع ما يقارب 150 مسلسلاً تلفزيونياً تركياً إلى أكثر من 100 دولة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وأميركا الجنوبية وجنوب آسيا. ومن الشائع أن نرى مجموعات من السياح العرب أو الإيرانيين في إسطنبول يزورون المواقع التي شاهدوها على الشاشة. ولكن «قيامة أرطغرل» يستهدف بشكل مباشر الجمهور المحلي، إذ يبث على شبكة TRT 1 التي تديرها الدولة، والمشاعر التي يبثها هي مشاعر قومية بحت.
لكن دنيز شاشماز، رئيسة قسم المحتوى في BluTV، ترى أنّ جمهور الشباب في تركيا قد سئم تلك المواضيع التي تتناولها شركات الإنتاج الإعلامي الرئيسة في تركيا، وهي إما مملوكة لمقربين من الحزب الحاكم أو منضبطة تماماً بضوابط الإنتاج والبث التي تضعها الحكومة وهي «متزمتة كثيراً بالنسبة للسينما العالمية» على حد قولها، علاوة على أن شاشماز ترى أن الشباب التركي يتكيّف بسهولة مع التطورات التكنولوجية الجديدة.
في البداية، من الصعب إقناع المشاهدين بإخراج بطاقاتهم الائتمانية ودفع مبلغ ولو زهيد مقابل مشاهدة أحد العروض عبر الإنترنت، ولكن كثيرين قد اشتروا عضوية بالفعل في ما بعد، فـ «ما يستحق ذلك بالنسبة لهم هو المحتوى المختلف وغير المقيد من الحكومة» كما قالت. كما استحوذت منصة BluTV على عروض أجنبية شعبية مثل The Young Pope وThe Handmaid’s Tale، ولاقت ملايين المشاهدات في تركيا، فيما أطلقت المنصة مجموعة من المسلسلات بأنواع جديدة على السينما التركية، مثل 7Yuz بمعنى «7وجوه» وهي سلسلة مصغرة مبتكرة من سبع حلقات.
وأخرجت المنصة أيضاً مسلسلاً باسم Sifir Bir - Bir Zamanlar Adana›da بمعنى «صفر واحد- في يوم ما في أضنة» وهو عرض مافيا متميز. وهو سلسلة شعبية بدأت أصلاً عندما قام شبّان هواة بتصوير الواقع بشكل جريء في مدينتهم، ونشره بشكل ذاتي على منصة YouTube. وبعد اهتمام عدد كبير من المتابعين المحليين بالمشاهد، وقّعوا عقداً للاحتراف مع BluTV.
إلى جانب تلك العروض، تقدم المنصة كوميديا ​​يومية ساخرة مثل Bartu Ben أي «أنا بارتو»، حيث يظهر الممثل والموسيقي بارتو كوتشوك تشاغلان في محاكاة ساخرة ذاتية صاخبة للحياة اليومية في تركيا، مغموسة بفكاهة كوميدية ساخرة، ولغة جريئة وتمثيل لشخصيات واقعية. وقد أصبح Bartu Ben عنصر جذب لملايين الشباب التركي.
بطبيعة الحال، فإن منصة BluTV ليست الوحيدة التي تحاول اقتحام هذا السوق الجديد. إذ انطلقت منصة puhutv، وهي جزء من Dogus Media Group، وقامت بالإعلان عن عروض تلفزيونية جديدة.
يعتقد جان كليتشي أوغلو، وهو مخرج شاب حائز جوائز عديدة، أن أحد أسباب جاذبية هذه العروضات الجديدة عن غيرها هو مدى واقعيتها في المقارنة مع غيرها، خاصة بالمقارنة بما يقدم من خلال التلفزيونات التي تشرف عليها الحكومة أو تخضع لرقابتها. وقال كليتشي أوغلو لـ «الأخبار»: «عندما تشاهد التلفزيون، تشعر بأن هؤلاء الناس الذين تشاهدهم يعيشون ​​في المدينة الفاضلة. لا يمكنك حتى معرفة البلد الذي تحدث فيه كل هذه المشاهد والسيناريوهات، يتم فصل الشخصيات عن كل صراع حقيقي». ويضيف: «لماذا لا نصوّر الواقع بما فيه؟ الواقع الذي يعرفه الشباب ومن يعيش فيه؟ لقد كانت السينما وما زالت أداة لمعالجة القضايا الاجتماعية إلى جانب الترفيه، فأين القضايا الاجتماعية الحقيقية التي نعالجها لهم في ظل هذه القيود المفروضة على العروض على التلفزيون؟».
القنوات وشركات الإنتاج الإعلامي التقليدية لا تتجاوز الخطوط الحمر الموضوعة من قبل الحكومة


ويؤكد كليتشي أوغلو أنّ منصتّي BluTV وpuhutv نجحتا لأنهما «تصوران بشكل دقيق الحقائق والقضايا الخلافية اليومية في المجتمع التركي، وتتحدثان عنها بشكل جريء من دون الهروب إلى الأمام. تناقشان العلاقات المثليّة، واللاجئين السوريين، وتصوّران حياة الناس من الطبقة المتوسطة، وتدخين الحشيش، وشرب الكحول، والمخدرات، والجنس، وكل ما هو موجود في المجتمع، ولكن يمنع الحديث فيه لخصوصيته كما تقول الحكومة».
تصر دينيز شاشماز على أن BluTV لا تحاول أن تكون مثيرة للجدل، إذ قالت: «إذا كنت تحاول تصوير الحياة الواقعية، فستصل إلى هذه الموضوعات، فهي جزء من الحياة. ما يجعلنا مختلفين أننا نحاول أن نروي قصة مثلما تحدث في الواقع».
عندما يتم فرض الرقابة على السجائر والكحول والنساء بشكل معين على شاشة التلفزيون، ناهيك عن المزيد من الموضوعات المثيرة للجدل، فإن هذا تمثيل لواقع غير حقيقي، وهو يثير حفيظة المشاهدين.
وفي مقابلة مع قناة NTV التركية في آذار (مارس) 2018، أعلن نائب رئيس الوزراء فكري إشيق إن المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون في تركيا (RTUK) يتخذ خطوات لضمان أن البرمجة الرقمية ستكون أيضاً خاضعة لأنظمتها. وتابع أنّ هناك «بعض الفظاظة الخطيرة على الإنترنت»، مما يعني ضمناً أن بعض المحتوى قد يخضع للرقابة.
يعترف صارب قالف أوغلو من BluTV بأن إشراف RTUK ربما لا مفرّ منه: «قد نكون مقيّدين في كيفية تمثيل بعض الأشياء مثل الكحول والسجائر والجنس، ولكننا سنظل نحكي قصصنا بطريقة حقيقية كما هي في الواقع. أعتقد أنه في بعض الأحيان، يمكن أن تكون القيود دافعاً للإبداع». ويشير المدير كليتشي أوغلو إلى نقطة مماثلة، باستخدام مثال السينما الإيرانية. وحول سبب اختيار بعض الحكومات فرض الرقابة على المحتوى الإعلامي، قال لـ«الأخبار»: «الحكومات تخشى الفن، فهو ينقل المشاهد من كونه سلبياً إلى نشط، تقع على عاتقنا مسؤولية إنشاء مشاهدين نشطين مستجدين». تختم دينيز شاشماز بـ «لن تستسلم. في الواقع، فإن منصتنا تتوسع، نحن الآن نقدم ترجمات باللغة الإنكليزية لإنتاجنا السينمائي، وخلال أشهر بسيطة سنطلق اللغة العربية بشكل رسمي مما يوفّر محتوى جيداً لجيران تركيا».