شهادة لتاريخ المدن، للنور، لبيروت... صاغها باللون ولا شيء سوى اللون، ورحل عن 87 عاماً من النور. أمين الباشا الذي تنفّس اللون وصالاً ووصولاً، ترجم إمكانياتٍ مهولة من احتمالات انعكاس الضوء في مدينتنا، مدينته. عاشق الماء والموسيقى الكلاسيكية، ليس من المتفلسفين في إعطاء المعاني المضخمة للأشياء، لكنه صاحب مواقف واضحة أيضاً، سواء اجتماعياً أو سياسياً أو حتى فنياً. المولود في بيروت عام 1932، استسلم أمس لآخر ألوان الظلال، بعدما ملأ فضاءاتنا بصخب أضوائه وأنواره وألوانه المبهجة! ومعها يجوز القول بثقة: موسيقاه الفرحة! فاللون نغمة، والنغمة توأم روحه. الشاب الذي واصل حلم العزف عبر فعل الرسم، دخل «الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة» ALBA من عام 1954 حتى 1957، ثم تابع دراسته التخصصية في «المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة» في باريس، ثم «أكاديمية غراند شوميار» في باريس.


أمين الباشا ـ بدون عنوان (زيت على كانفاس ـ 1994)
لكن الأخيرة لم تكن وحدها المدينة الشغف، بل كان لمدن إسبانيا أيضاً حصة من أعوام أمين المغوية باللون والضوء والحياة، بالفرح، بالحب. ولبيروت، بيروته الفرِحة المحتفلة والمبهجة والراقصة والمشعّة الحصة الكبرى! لبيروت الناس، المقاهي، الأرصفة، الطرقات، لبيروت ذات الهوية البصرية المنتمية لذاتها وتاريخها، لأسقف حمر، وبحر وكورنيش... لشرفات ونساء وأطفال وزهور! لبيروت لا نريد لمعالمها أن تستمر في الذوبان وترحل كما رحل مؤرّخها الفنيّ لوناً خالداً لا يخفت ونوراً لا ينضب. بيروت التي يسمح لكل شيء بأن يخنق ضوءها، إلا الفنون البصرية الأصيلة، الجديّة. فأمين الباشا صور هذه البيروت... بيروت الحياة، لا بيروت الركام! بيروت الاحتفال لا بيروت الحرب! بيروت المطر الخفيف لا بيروت الأعاصير! رسم الباشا بيروت الجميلة الفاتنة المغوية الحلوة! لوحات وأكثر، منحوتات، ورسمات وتشكيل ثلاثي الأبعاد. على خشب، على قماش، على ورق، على قطن، على كل شيء. بالريشة، بالقلم، بالحبر، بالزيت، بالمائيات، والمائيات التي كان باشاها. ولم يكتفِ بذلك: نسج السجاجيد، صاغ الحليّ و المجوهرات، لعب بالخزف، نحت بكل ما وصلت إليه يده، فيما ريشته عزفت مع كل تنويعات الخامات والتقنيات. تمرّن، تمكّن وأبدع.
عشقت جدران المتاحف العربية والدولية أعماله، وحاز جوائز عديدة عربية وعالمية. فهو رمز من الرموز الأساسية في الحركة التشكيلية العربية، وتحديداً اللبنانية، وقد يصنّف أباً مؤسساً فيها من الجيل الثاني.

هو يعدّ ملهماً أيضاً لجيلٍ كاملٍ من الحداثويين بعده

وعلى يده تتلمذ معظم أساتذة الفنون التشكيلية من الرعيل الثالث إبان الحرب الأهلية اللبنانية التي أرشف تفاصيلها اليومية برسوماته. مَن خسره المحترف التشكيلي اللبناني والعربي، ليس مجرد فنانٍ مبدعٍ شغوفٍ وخلّاق، بل ملهمٌ أيضاً لجيلٍ كاملٍ من الحداثويين بعده. ويشهد التاريخ الفنيّ اللبناني وناسه على غزارة إنتاج الباشا الفني وبمختلف الوسائط ومختلف المواد، وكل الوقت، تختصرها كلمة بول شاوول في التعريف لأحد معارضه: «قلما رأيت أو تخيلت أمين الباشا لا يرسم. في المقهى، يرسم المقهى وناسه. في الشارع يرسم الشارع. في المرسم يرسم المرسم. ويرسم وهو جالس. يرسم وهو ماشٍ. يرسم وهو واقف. يرسم وهو يحادث. يرسم وهو يزور صديقاً. يرسم وهو مسافر. يرسم وهو مقيم. يرسم على كل شيء. على فنجان القهوة. على مناديل الورق. على أي علبة. على أي خرقة. على أي طاولة. على أي شيء... وفي أي وقت. وفي كل مكان. ربما يرسم أكثر مما يتنفس وأكثر مما يرى. وأكثر مما يلمس. رسمه يكاد يتجاوز حواسه، يصير أكثر من حاسة، وأكثر من غريزة، وأعمق من عادة». هذا هو مطر أمين الباشا الجميل، فهو لا يجيد سوى تأليف المواد المدهشة للعين. قد يجوز القول إنّه احترف بأعماله، فتن العيون، أخذ القلوب، وغواية المهج! فمن أراد أن يعبر إلى ضفة التجريد كان له ذلك في مجموعات كثيرة من أعماله، ومن أراد الانطباعية وجدها، ومن أراد التعبيرية كانت له. أمين الباشا كان قادراً على التنزّه بفرح بين هذه المدارس، بل أخذ الرائي معه في هذه الرحلات التشكيلية الحداثوية الدافئة قلباً والمفعمة بشذى الألوان قالباً.
عشقت جدران المتاحف العربية والدولية أعماله، وحاز جوائز عديدة عربية وعالمية


ولم تقتصر تجربة الباشا الواسعة الشاسعة على اللون والضوء، بل امتدّ إطار الشغف الابداعي إلى الحروف، فكتب. الرجل الموسوعي تشكيلياً، ترافقه موهبته في التعامل مع الريشة، بموهبة قل نظيرها مع القلم، حرفاً وكلمة. نذكر مما نشر، مسرحية «أليس» (دار نلسن)، ومسرحية «المنتحر» (دار نلسن)، ثم قصة «دقات الساعة» عن الدار نفسها... وصولاً إلى «شمس الليل» (عن كتاب العربي ــــ الكويت) ثم «بيروت أمين الباشا مائيات ورسوم 1953-2009» (الصادر باللغتين العربية والفرنسية) وغيرها من الكتابات المؤثرة! والأهم أنّ كل هذه الكتابات تترافق مع رسوماته بشكل أساسي وبنيوي. «هزمتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعها!» كتب محمود درويش، وصدق. رحل أمين الباشا، لكن فنه بقي ولن يموت!