ربما، كما يقول معظم الذين تابعوه وعرفوه، أن كانط بالعربية كان إنجازاً. وفي زمانه ــ بما أننا نتحدث عن كانط الذي يفرد مساحةً للزمان والمكان ــ كانت ترجمته بمثابة حدث تأسيسي، تمثّل في إجراء تسوية بين العربية والفلسفة الحديثة، بحيث تصير الأخيرة قابلة للحياة بالعربية. وليس «كتاب النثر» (دار التنوير ــ 2018) ببعيد عن هذه الأجواء. رغم أن النصوص متناثرة لجهة القضايا التي تتناولها في الفلسفة أو في السياسة، إلا أنّ مركزية كانط تظهر في عقل الكاتب. لكنها لا تظهر من دون التباسات، بل نتحدث دائماً عن «كانطية فريدة» في وعي موسى وهبه: «ذلك أن كانط بحسب ما تخبر الكراريس، بحق، يقف عند منعطف العصر الراهن، حتى لا يمكن القول: لا يمكن العبور إلى الفكر الفلسفي المعاصر إلا من بوابة كانط». يعطي وهبه مثالاً: «فيشته يعرض نفسه كشارحٍ لكانط بل مكملٍ له، فهمه أكثر مما فهم هو نفسه. وهيغل يرى سيستامه الفلسفي تجاوزاً للمأزق الكانطي، وإنهاء للمنعطف الذي أحدثه كانط. ونيتشه بدأ حياته الفكرية كانطياً، أما هايدغر فبنى قوله انطلاقاً من قراءةٍ أخرى لكانط». ومن بين مقاطع أخرى، يظهر هذا المقطع، «فرادة» كانطية وهبه، التي تبقى عمومية في تعبير يلامس المعنى من الخارج. حتى في مثاله، لا يميّز وهبه بين الفلاسفة، بل يضع كانط في المنتصف. يجعلهم يدورون حوله. بينما، وفي بداياته، كان فِيشْته متأثراً بالكانطية إلى حد الذوبان، لكنه صار لاحقاً بالنسبة إلى كثيرين رمزاً للذين يجمعون بين الفلسفة والدين، وخاصةً في فترة انجرافه إلى روحانية متعالية خلال إقامته في برلين. في أي حال، فيشته ليس مهماً بالمقارنة مع كانط. شلينغ أيضاً كان كانطياً، وكان برأي المتفلسفة أيضاً من الذين يوحدون الدين والفلسفة.



لأسباب كثيرة، يجب التمييز بين كانط والكانطيين دائماً. بين نقل الفيلسوف الألماني وبين تأويله ثمة فارق كبير، ولذلك يوجد أكثر من كانط واحد، ولذلك يوجد كانطيون. ولذلك يوجد «في الفرق بين نسق فيشته ونسق شلينغ في الفلسفة»، الذي يعد مرجعاً أساسياً وضرورياً لفهم الاختلاف في مشارب الكانطيين. لكن المفارقة أن مقام هيغل صاحب التمييز بين الأنساق السالفة، لا يبدو منطقياً في حسابات وهبه. برأيهِ، يصعب الفصل من الخارج بين الكانطية الجديدة والوضعية المنطقية التي ازدهرت انطلاقاً من «حلقة فيينا». ويبالغ عندما يعتبر «أن الثقافة الفرنسية قد انصرفت إلى الاهتمام بهيغل ردحاً من الزمن ــ وربما بتأثير من الماركسية ــ فإن العلاقة بين فوكو وكانط ليست خافية على أحد».
قد لا يستغرب كثيرون هاجس الماركسية عند وهبه، إذ أنه بدأ حياته ناقداً لكانط، وفي مراحل لاحقة خرج من ماركسيته بخِفة ورشاقة ضمن فترة تحولات كبرى في فرنسا ولبنان أيضاً. للإنصاف، ويظهر ذلك في «كتاب النثر»، أنه لم يحاول المزج بين الماركسية وكانط كما فعل كثيرون سابقاً. كان واضحاً وانتقل إلى كانط من دون لبس. أما الالتباسات، فتحضر في مرحلة انتقاله الخالصة. كانطيته تختلف عن قراءة الفلسفة الفرنسية لكانط. حتى هايدغر الذي يقول وهبه إنه انطلق من «كانطية معكوسة»، لا يتفق مع البرواز الميتافيزيقي الذي يضع وهبه كانط فيه. إنه كانط خاص، يريد استعماله هو غير كانط المتعارف عليه، لأنه ليس كانط الذي يريد فرض الشيء في ذاته. هذا الاشتباه قادر على تفسير اشتباهات أخرى صاغها وهبه على شكل افتراضات إنشائية، بأن الهيغلية نالت الردح في فرنسا بأثرٍ من الماركسية. ولسيرة الهيغلية نفسها، يشبه الاشتباه بين الدين والفلسفة الذي ظل قائماً في السياسة حتى ظهور «الهيغليين اليساريين»، من ماركس إلى شترنر وباور وفيورباخ. وعلى الهامش، كما يجب التمييز بين الكانطيين، يجب التمييز بين ورثة هيغل، ولعل أهم دليل للتمييز بين هؤلاء هو «الأيديولوجيا الألمانية»، الذي يقرّع فيه ماركس الآخرين لإفراغهم الهيغلية من كليّتها.
لم ينطلق وهبه من ترجمته لكانط لتأسيس نسق فلسفي خاص يحيل إلى كانط نفسه، بل إن «كتاب النثر» الذي جمع بتأنٍ شديد على ما يبدو ـــ ورغم مركزية كانط في وعيه ـــ قد يجعل صاحب النصوص أقرب إلى نيتشه منه إلى كانط. ولعل هذا ما يجعل موسى وهبه حاضراً في موقع المترجم أكثر من حضوره كناثر. في «كتاب النثر»، يحضر الفرد وتحضر الجماعة حضوراً غير ماركسي، وهذا مفهوم: «كنت أود أن أسرّ إلى صاحبي بأن يضبط ساعته على توقيت العصر، إلا أنني انتبهت في اللحظة الأخيرة إلى أنه منذ أنه ــ أعني من يومها ــ لم يعد صاحبي يحمل ساعةً، أو لم يعد بحاجة إليها». لكن ما هو لافت، أن هذا الحضور ليس كانطياً أيضاً، إذ أنه وبحسابات الأخير، المكان والزمان صورتان للحدث، ولا يمكن تصورهما، ولسنا نتحدث هنا عن التصورات الأولية. سنلمس أيضاً في مقابلات أجريت مع وهبه، ما هو شائع عن الكانطية بأنها مرحلة أخلاقية، أو مقدمة للأخلاق بتعبير غير فلسفي، كما يحب أن يسميها الباحثون في الكانطية، الذين يرتكزون إلى القول الكانطي الشهير، الذي يقرّ فيه بهدم المعرفة لكي يمهد الطريق إلى الإيمان: «ها قد كبرنا مع الحرب الثورية، وثورية هي الحرب لأنها تكبرك قفزاً قفزاً فتقطع في سنواتٍ معدودات أجيالاً كاملة من العمر المبتذل».
يعترف مهدي عامل أن وهبه صاحب فكر يتقن استخدام المنطق ويجتهد في أن يكون مقنعاً

إلى ذلك، ثمة إعجاب طبيعي ومفهوم بالعقلانية: «عقلانية واحدة إذاً لعلمٍ واحد ودائرة معلوم واحدة، يطرد العلم منها الجهل»، إضافة إلى تحفظات واضحة تبدو سياسية أكثر من فلسفية، على الحزب الشيوعي اللبناني، وانخراطه في الحرب الأهلية: «الجماعة لا تفكّر ولا تناقش بل تستوضح وتنفعل فقط. والواقع أني عدت إلى لبنان وجدت أنّ ما كنت أمارسه في تلك الجماعة المنتظمة حولي، كان مغايراً تماماً لخط الحزب الشيوعي كما ظهر في سنة 1974».
في جميع الحالات، لا يمكن الحديث عن موسى وهبه من دون المرور على مهدي عامل والنقد الذي وجهه إلى موسى وهبه في «نقد الفكر اليومي»: «الفكر العاجز عن إدراك العقل التاريخي، الذي يستبدل ديالكتيكية الثورات بصفر كلي، يغمر سطح الأشياء، فتحتجب الأعمال، وتحتجب الحركة». رغم هذه القسوة الموصوفة، يعترف عامل أن وهبه صاحب فكر يتقن استخدام المنطق ويجتهد في أن يكون مقنعاً، من دون أن يعفيه من تهمة إلغاء العقل في التاريخ ــ وهذا يلغي العلم ويلغي إمكان المعرفة ـ في محاولة إثبات أن التاريخ لا معنى له، ذلك لأن هذه الحرب الأهلية، هي عند وهبه «حرب بلا معنى». لقد كان مهدي عامل «ألتوسيرياً» متفرداً في ألتوسيريته، بينما يختزل وهبه ألتوسير بالقول إن وجوده تخوم اليسار كان ضمانةً كافية للمثقفين الشيوعيين. كان مهدي عامل، مهتماً بالأخلاق لأنها تقود إلى الحقيقة والحقائق، بينما المعرفة يمكنها إدرك الظاهر فقط، وهذه غالباً استعارة من كانط. في أي حال، وكما يمكن الاتفاق مع وهبه والاختلاف معه، فهذا ينسحب على مهدي عامل أيضاً. لكن الأخير، ورغم راديكاليته في «نقد الفكر اليومي»، يبقى الأقرب إلى فهم الحالة اللبنانية، وإلى ترجمة أحوالها في الفلسفة، أو ترجمة أحوال الفلسفة، من دون أن تلازمه خشية دائمة بالمس بمركزية الأصل الذي تأتي منه هذه النصوص. وهذا نقاش طويل.