تنطلق إيلين فليشمن في كتابها «الحركة النسائية الفلسطينية: 1920- 1948» الصادر عام 2003 بالإنكليزية قبل أن ينتقل أخيراً إلى العربية (دار قدمس ـــ ترجمة مها حسن بحبوح)، من عنوان مقال كتبته روز ماري صايغ «النساء الفلسطينيات: تاريخ يبحث عن مؤرخين»، في محاولة لترميم تاريخ النسوية الفلسطينية. ذلك لأن مرحلتي الانتداب البريطاني، ثم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وضعتا نضال المرأة في الخندق الخلفي للمقاومة. فوجدت النساء الفلسطينيات أنفسهن في غمرة وضع شديد الاضطراب، وتحوّلات سبّبت قدراً من التمزّق والتفكّك في حياة الفلسطينيين.

تناقش الباحثة فكرة الجنوسة التي كانت تمثّل جزءاً جوهرياً من العملية التي جرى تعطيلها، وتمازج بين قضية المرأة الفلسطينية وعملية النضال من أجل التحرّر الوطني، ما أدى إلى نشوء وعي غامض بالهوية الجمعية عبر تأسيس الجمعيات الخيرية النسائية، بوصفها البذرة الأولى للحركة النسوية الفلسطينية، وتقاطعها لاحقاً مع الروح الوطنية.

أمر أتاح لباحثي الدراسات النسوية تحليل الإرث المختلط للحركات الوطنية السابقة في تجسّدها الجديد بصورة دول قومية، وتقصّي الطبيعة التي تنطوي على مفهوم الجنوسة للروح الوطنية.
خلال دراستها للعلاقة الثلاثية بين الروح الوطنية، والحركة النسوية، والاستعمار، تنبّه فليشمن إلى حالة غير مألوفة تتمثّل في صمتٍ غريب يلفّ موضوع النساء الفلسطينيات في معظم الكتابات التاريخية التي تتناول فلسطين، إذ «لا يكاد يوجد تاريخ مكتوب يركّز على تجربة النساء الفلسطينيات». كما أنّ حضور النساء البورجوازيات يكاد يغطي على ما عداهن، ويوصفن غالباً بأنهن بعيدات عن هموم المرأة العادية، بسبب انتمائهن للنخبة. في المقابل، تؤرخ كتابات تلك المرحلة بوفرة للقيادات الذكورية، وهذا الواقع يمكن تعميمه على أوضاع النساء العربيات عموماً، وإن كان نصيب المرأة الفلسطينية من الضيم أكبر، نظراً إلى تغاير المجتمع الفلسطيني باختلافاته المدينية - الريفية، والطبقية والدينية.
هكذا لجأت الباحثة إلى العمل الميداني عبر التاريخ الشفهي، والصحف العربية، ووثائق الحكومة البريطانية، لتعويض النقص الحاصل في تأريخ الحركة النسوية، و«الأجزاء الصامتة في السجلات المكتوبة»، في محاولة حثيثة لفكّ الألغاز. كأنّها ــ كما تقول ــ تقوم بمهمة عالم آثار يجمع بقايا آثار متعدّدة، في إطارٍ واحد. تتوقف أولاً عند اسم ميليا سكاكيني بوصفها رائدة نسوية في العمل خارج المنزل. وهي من أوائل النساء اللواتي عملنَ في التدريس، كذلك شهدت عشرينيات القرن المنصرم خلع الحجاب لدى نساء الطبقة الوسطى، بتأثير كتابات محمد عبده، ورفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، ونشوء خطاب عصري رعته الدولة، إضافة إلى التأثير الأوروبي، في مجال التعليم، وإن هيمنت النظرة الاستشراقية إلى النساء العربيات في السياسة الحكومية البريطانية في فلسطين، بسطوة كتب الرحّالة الأوروبيين، فكانت النتيجة صورة مشوّشة للمرأة، لا تخلو من عنصرية وتمييز.
لكن اللافت هنا أنّ تعليم الفتيات قد انتشر على نطاقٍ واسع، لأسبابٍ اقتصادية في المقام الأول، وللحصول على فرص حياتية أفضل حتى في الزواج، إضافة إلى التنافس مع الأعداء اليهود. ولم يعد مُستغرباً، ذهاب عدد من الشابات الفلسطينيات إلى بيروت للالتحاق بكلية بيروت للفتيات كمرحلة تمهيدية للانتساب إلى «الجامعة الأميركية في بيروت»، والانخراط في حياة مفتوحة على المغامرة. أمر شجّع فتيات قرويات على التعليم كفرصة للمعرفة والقوة، برغم محاولات إدارة الاحتلال التمييز الجنسي في سلّم الرواتب بين المرأة والرجل في الوظائف الحكومية. هذه التحولّات فرضت قيماً سلوكية جديدة في حياة المرأة الفلسطينية لجهة اللباس والاستقلالية والعمل، تبعاً لوضع هذه المدينة أو تلك، إذ كان فضاء الحرية في القدس أكثر اتساعاً منه، في نابلس مثلاً، نظراً إلى تعدّد دياناتها، قبل أن تقع نكبة 1948. أدت الأخيرة إلى تمزّق المجتمع الفلسطيني، خصوصاً في المواقف المتعلّقة بالجنوسة. وهذا ما تشير إليه الباحثة خلال استعادتها السجالات التي أثارتها الصحف حينذاك بخصوص الوعي الجديد لقضايا المرأة، كما في كتابات ماري شحادة، وأسمى طوبي، وماتييل مغنم. هذه الكتابات اتسمت بخطاب علماني غالباً، في مواجهة خطاب ديني مضاد يتعلّق بالحجاب والتفرنج والقومية.
وفي مرحلة لاحقة من عشرينيات القرن المنصرم، برزت كتابات أخرى تتناول «حقوق المرأة»، في مواكبة واضحة للنهضة النسائية في مصر وسوريا، لجهة الاستقلالية الفردية وتمكين المرأة من المشاركة في الشأن العام. بدا أنّ هذه التغييرات ماضية قدماً، مع وضوح صورة امرأة الطبقة المتوسطة التي جمعت «أفضل ما في الشرق، وأفضل ما في الغرب». وهذا ما جعل عزيزة الطيبي تكتب بحماسة «إن المرأة مصباح تستضيء به الأمم وهي في سيرها إلى معارج الكمال، فويل للأمة التي يكون مصباحها مظلماً». كما طوّرت التنظيمات النسائية التي انتشرت خلال العقود الأربعة من القرن العشرين «إحساساً قوياً بالهوية الجنسانية»، واختباراً عملياً في اكتشاف الذات، ومعنى السلطة والنفوذ، لم يكن مألوفاً ضمن مجال الحياة العائلية، ما أدى إلى تحوّل في الاستراتيجيات التنظيمية للسيدات. وهذا ما نجد نتائجه في انتشار المنظمات الفرعية في مختلف المدن الفلسطينية، وصولاً إلى نساء القرى، خصوصاً بعد ثورة 1936، واضطراب أحوال البلاد. يومها، التحقت النساء بصفوف الثوار، وجرى اعتقال ومحاكمة بعضهن بسبب مشاركتهن في أعمال المقاومة. هكذا برزت صورة جديدة للمرأة الفلسطينية على أساس طبقي في المقام الأول، إذ استأثرت النخبة بمزايا، لم تكن متاحة للنساء الريفيات المحرومات من التعليم، وتالياً «لم يشاركن في النقاش الدائر حول المعاني الجديدة لمفهوم المرأة».
من جهة أخرى، برزت مشكلات تتعلق بالحركة الوطنية من جهة، وحقوق النساء من جهة ثانية، ذلك أنّ القيادات الذكورية أنكرت الدور الحقيقي للنساء في دعم الحركة الوطنية. ونادراً ما تشير الوثائق لهذا الدور الفعّال، كما في التظاهرات أو الاحتجاجات ضد الاحتلال، وهو ما يثير الاستغراب، وفقاً لما تقوله الباحثة. الشهادات الميدانية تنفي غياب النساء عن الحراك الوطني، أو تأصيل الخطاب النسوي، إلا أنّ ما هو واضح في تتبع تاريخ الحركة النسوية الفلسطينية، هو وقوعها بين هويتين متداخلتين، وربما متناقضتين: الجنوسة من جهة، وتماهيها في الروح الوطنية من جهةٍ ثانية، قبل أن تزلزل النكبة أركان المجتمع الفلسطيني، نساءً ورجالاً.