القاهرة | يفتتح نجيب محفوظ روايته «زقاق المدق» (1947) فى مقهى صغير فى الزقاق القاهري، حيث يتخلّى المعلم «كرشة» صاحب المقهى عن الراوي الشعبي الذى ينشد كل ليلة السير والحكايات الشعبية والدينية على رواد المقهى، لصالح الراديو، ذلك الاختراع العجيب ذلك الوقت. عبر هذا المشهد، يزيح محفوظ تقاليد «كلاسيكية» قديمة، لصالح الحداثة بوصفها جزءاً من حركة التاريخ. لم يجد صاحب «الثلاثية» تعبيراً عن ذلك سوى المقهى باعتباره فضاءً هاماً يعبّر عن المجتمع، أو «مخزناً بشرياً ضخماً للأفكار والشخصيات» حسب تعبير محفوظ نفسه، وملتقى أبطاله مهما تفرقوا بين الأماكن.

نقدياً، يمكن اعتبار المكان بطلاً أساسياً في روايات محفوظ، حيث يمثل المقهى ـ داخل المكان المحفوظي ــ جزءاً أساسياً منه، بل يكاد يكون إطاراً تدور حوله الحكاية، وهو ما يمكن إدراكه من خلال مراجعة عناوين أعماله: «قشتمر»، و«الكرنك»... أعمال حملت أسماء مقاهي قاهرية شهيرة، وكذلك بقية أعماله لا تخلو من مقاهي ذات دلالات رمزية، أو فنية. في «أولاد حارتنا»، يتغنى الأطفال أمام مدخل المقهى: «يا ولاد حارتنا توت توت انتو نصاره ولا يهود تاكلوا إيه ناكل عجوة تشربوا إيه نشرب قهوة». وفي «الثلاثية»، يلتقي الثوار (ثورة 1919) في أحد المقاهي لكتابة المنشورات، والتجهيز للثورة ضد الإنكليز.
في روايات محفوظ، تفارق المقاهي وظيفتها التي نشأت من أجلها «كمكان للتجمع واللقاء» إلى «مكان مواز وفضاء رحب يصهر جميع الأفكار السياسية والمذاهب الفكرية على طاولاته، وهي تتجادل في صخب، مظهراً حالة من الحيوية السياسية والحزبية من جانب، ومن جانب آخر مائل بينه وبين الوطن الكبير في صراع القوى السياسية وأيضاً في سكون الطبقات الشعبية البسيطة منتظرة ما تقرره النخب من مصائر» حسب تعبير الناقد ممدوح فراج النابي.
يتخذ محفوظ من مقهى «قشتمر» الذي يقع في منطقة العباسية، إطاراً لرصد تحولات المجتمع المصري عبر حكاية خمسة من أصدقائه اعتادوا اللقاء في المقهى. وفي «الكرنك»، يكتب حكاية عن القهر الإنساني، عندما يدخل المقهى حمزة البسيوني قائد السجن الحربي في عهد جمال عبد الناصر والذي يعد أحد أساطين التعذيب في السجون المصرية... كان المقهى عالمه الخاص، الذي استمد منه حكاياته، وبنى عليه بعض رواياته. وعندما أراد محفوظ أن يكتب عن عزل السلطة للمثقف، ومحاولة تغييب الشعب عن المشاركة في الأحداث، اختار «عوامة» في «ثرثرة فوق النيل» حيث يقضي المثقفون الليل في التحشيش والعبث. لم يختر مقهى، على عكس ما فعل كتّاب آخرون مثل أحمد فؤاد نجم الذي كتب قصيدته الشهيرة: «يعيش المثقف على مقهى ريش/ يعيش يعيش يعيش/ محفلط مزفلط كتير الكلام/ عديم الممارسه/ عدو الزحام/ بكام كلمه فاضيه/ وكام اصطلاح/ يفبرك حلول المشاكل قوام/ يعيش المثقف/ يعيش يعيش يعيش». وهو الأمر ذاته الذي فعله نجيب سرور فى قصيدته: «بروتوكولات حكماء ريش» التي بدأها: «نحن الحكماء المجتمعين بمقهى ريش/ من شعراء وقصاصين ورسامين/ ومن النقاد سحالى «الجبانات»/ حملة مفتاح الجنة/ وهواة البحث عن الشهرة/ وبأي ثمن/ والخبراء بكل صنوف «الأزمات»/ مع تسكين الزاي/ كالميكانيزم/ نحن الحكماء المجتمعين بمقهى ريش/ قررنا ما هو آت: ألبرتوكول الأول: لا تقرأ شيئاً.. كن حمال حطب/ وأحمل طن كتب/ ضعه بجانب قنينة بيره/ أو فوق المقعد/ وأشرب.. وأنتظر الفرسان/ سوف يجيئ الواحد منهم تلو الآخر/ يحمل طن كتب»! وتتواصل القصيدة في هجاء ساخر وقاس للمثقفين المصريين المنعزلين عن الحياة، والقابعين في أبراجهم العاجية.
وكان «مقهى ريش» أحد معالم وسط القاهرة الثقافية، شهد الاجتماعات السرية لزعماء ثورة 19، وكان يضم المطبعة التي طبعت منشوارتهم، وغنت فيه أم كلثوم وسيد درويش وصالح عبد الحي، وتحركت منه مظاهرات المثقفين ضد معاهدة كامب ديفيد، وكان أحد ملاذات الشباب المصري أثناء «ثورة 25 يناير».
كانت المقاهي القاهرية ساحة صراع للأفكار و«ترموميتر» لمدى الحرية داخل المجتمع، بل عنواناً للمثقفين. لم يكن للشاعر المصري الشهير أمل دنقل عنوان ثابت طوال إقامته في القاهرة، كان عنوانه الثابت الوحيد هو مقهى «ريش» حيث يستقبل كل مراسلاته، هو ومجموعة أخرى من المثقفين ممن انتموا إلى جيل الستينات. في السبعينات، بعد معاهدة كامب ديفيد وتغريبة المثقفين في المنافي المختلفة، تحولت معظم مقاهي القاهرة إلى محلات «أحذية». كان ذلك إعلاناً بأن عقل المدينة انتقل من «الدماغ» إلى القدم! استسلم الجميع لذلك القدر، أغلقت المجلات الأدبية الرسمية، لم يعد هناك مجال لنشر الأدب سوى في بيروت وبغداد، وانتقلت المناقشات والندوات إلى «البيوت» بعيداً عن الهواء الطلق، وبالتأكيد لكل قاعدة استثناءات.
لكن سنوات التسعينات وما بعدها، وبدايات الألفية، عاد الصخب إلى شوارع المحروسة. أعيد فتح المقاهي المغلقة، وتعدّدت ما بين مقاهي شعبية، «خُن» كما يحلو للبعض أن يسمي الأماكن الضيقة، أو أصبحت بعض المقاهي التاريخية سياحية، للفرجة فقط، واستعادت أماكن أخرى تاريخها المنسي وانتقلت المقاعد إلى الهواء الطلق.
بعد الثورة، اختلف الأمر. أصبح وسط القاهرة «مقهى» كبيراً، مفتوحاً طوال الليل، حيث المناقشات السياسية تحتل المساحة الأكبر. الفرق الموسيقية التي لا تجد مكاناً لإجراء بروفاتها توزعت على المقاهي. فجأة قد تستمع إلى غناء وعزف أو حتى بروفة مسرحية... مناقشات بين رسامي الكاريكاتور أو الغرافيتي، قد تولد في المكان فكرة «غرافيتي» يتم تجريبها أولاً على حوائط المقهى. لم تعد المقاهي «استراحة» المحاربين كما كانت في الأيام الأولى للثورة بل مكاناً «لتوريد» المحاربين بالقلم والريشة والأغنية والفكرة... فضلاً عن صفوف القتال الأولى مرات عديدة.
وبعدما فشلت الثورة (موقتاً على الأقل) بدأ الهجوم على المقاهي، وإغلاقها بحجج واهية، ربما خوفاً من أن تكون نقطة انطلاق لثورات قادمة. وربما لهذا غاب المقهى من الكتابة الأدبية في السنوات الأخيرة، ليسيطر أدب «الديستوبيا»، فالجميع ينتظر الرعب القادم!