في «أهواء بيروت ومسارِحها»، يتذكر وضاح شرارة سيرة المقهى. كيف ظهر الجديد على قطيعةٍ تامة مع القديم. ما ميّز المقاهي الجديدة كان أشد وضوحاً من أي شبه مفترض مع السابقة منها. ولأنه يروي ويشاهد، يتذكر الأمكنة ويبدأ منها: الحمرا وشارع بلس والروشة قرب البحر. صورة ثرية بالتفاصيل، حتى أن أماكن الستينيات ما زالت في مكانها. لم تزحزحها الحرب. عظام الحرب ناتئة في مبانيها الباقية، لكن وجودها نجا. الذاكرة واسعة والبحر يحرسها. لكن من بين ما يشد الاهتمام في نص شرارة المكتوب في 1993، هو بدارو الستينيات. يبتعد السرد عن البحر. يذهب إلى الشارع الذي كان محسوباً على «الضواحي». لكن المقاهي تكاثرت فيه خلال فترة صعود المدينة أو محاولة الصعود. في 1993، حين كتب شرارة النص حتى 2009، موعد صدوره في كتاب، كان الشارع أشبه بضحية ساكتة، كي لا يقال جثة على هامش الحرب. وفي التوصيف إحالة واضحة وربما خاطئة إلى مكان الشارع. لكن الإحالة ضرورية إلى الزمن الذي يتحدث عنه شرارة: موقع الشارع ووظيفته قبل صافرة المعارك. لم يدرس أحد بعد مقاهي بدارو قبل الحرب، لكن توقفها لوقتٍ طويل، يذكّر بهبوط المدينة. ومن يذهب إلى بدارو اليوم، لا يذهب عميقاً، إنّما يتعرف إلى أطرافها، حيث توفر مقاهي الشارع وحاناته الكثيرة مهرباً من الحقيقة. ولا يعني هذا أن الحقيقة هي الأكثرية، وأن الأكثرية هي شعبوية، بل يعني أن الحسابات الطبقية واضحة في ملعب بدارو وبين زبائنه. إنه ليس منطقة البسطة المتخيّلة ولا الجمّيزة في زمانها. لا قبضايات في بدارو هربوا من أشباح الجمّيزة، ولا متصدّين في البسطة. المقهى البيروتي لم يعد بيروتياً، بالصورة المتخيّلة عن بيروت. حتى الوسط ليس وسطاً واحداً، أو أنه وسط لأجل ذاتهِ. لم يكن في حياته رقعةً واحدة، وتحويله إلى رقعة واحدة، كان يعني أن المقاهي التي ستفترشه واحدة. وتالياً، سيكون الآتون من طبقةٍ واحدة ويشكلون نسيجاً واحداً. وربما لهذا اختفوا فجأة. هل كان بدارو شبيهاً، واستعاد نسيجه، في محاولة أخرى للصعود؟

ليست الرقعة الواحدة والطبقة الواحدة أزمة الوسط الملوث بفظاعات سوليدير وحده. إنما هي أزمة الجميع، من الجميزة، الشارع الطويل الذي امتد إلى مار مخايل، وها هو يمتد إلى بدوي، كما لو أنه عقار واحد يحاول الحفاظ على تماسكه، بينما في الواقع يحاول الحفاظ على فئة معينة من الزوار، وصولاً إلى مقاهي الضواحي التي تحاول إسباغ طوابعها بعادات الطبقة الوسطى. والإصرار على «الشبه والتشابه» في المقاهي وفي ما يتفرع منها، ليس بالغ السوء، إلا عندما يسهم في تفكيك النسيج المديني وإزالة المعالم التراثية، أو تحويلها إلى قطع ديكور هزيلة في المشهد. فهذا يعني، أن زائريها، بدورهم، يصيرون كذلك. قطع ديكور ملونة في لوحة مفككة هي المدينة. وهذه القطع المتبعثرة، التي تشكّل المدينة، لا تقتصر على المقاهي، ويحتاج من يروي سيرتها أن يرى. في أحد النصوص المرجعية لقراءة التحولات التاريخية في وسط العاصمة، الذي أريد له أن يكون صورةً نموذجية لمقاهٍ تحاكي صورةً نموذجية لمدينة ما بعد رأسمالية، يتذكر نقيب المهندسين الحالي جاد تابت، كيف أنه، بدءاً من الثلاثينيات، قرعت الحداثة أبواب الحيّز المديني وغيّرت في هيئته. من قراءة نص تابت، يتضح أن التغيرات في زمانها لا تستدعي الصدّ بالضرورة، ولا تفسّر وجوه الحداثة على أنها مخالب في جسد التراث. فالسينما، كما يقول تابت، بدأت تشدّ أنظار الجمهور، وأدى ذلك إلى نمو صالاتها عند «أطراف الساحة المفرطة في إشهار علامات حضورها». يحضر الكثير في وصف تابت الدقيق للمدينة، ولا سيما مقاهيها، إلا أن ثمة افتتاناً واضحاً بالسينما: «صور نجوم السينما العملاقة تغطي واجهات المباني، ملصقات هائلة من الورق المقوى المثبتة على هياكل ضخمة من الخشب، محاربون ذوو عضلات مفتولة...». الحقيقة أن رصد تابت الدقيق لساحة البرج، يدلنا على أن مشهدها المعماري كان يتبدل كل أسبوع، وتلعب البوسترات العملاقة دوراً في التغيير. حتى أنه في 1951، وعندما هدم السرايا الصغير، لم يحلّ مقهى بدلاً منه، بل شيّدت في مكانه «الريفولي»، وكانت هي واجهة الساحة وعنوانها. لماذا إذاً، صار الوسط في أيامنا وسط المقاهي (المعطّلة) وكيف كانت ستنجح المقاهي في بيئةٍ اعتادت على أنماط أخرى ومتواترة من العناصر التي تبحث عن أمكنتها الصحيحة في المدينة؟ الإجابة الأسهل، تفترض اللازمة الرأسمالية الضرورية في نقاشٍ كهذا. لكنها تبقى إجابة ناقصة كثيراً.
لطالما ارتبطت مشاريع الإعمار بطلب عام من السوق على المساحات التي ستبنى بروحية من المضاربة العقارية. وهذا ليس جديداً. وهو لا ينطبق على السكن، ولا على المباني بالزجاج المقوى وحدها، ولا بتفاوت طبقات المباني من فوق، كما يتفاوت الناس طبقياً من تحت. هذه الروحية تفرض التوقف عن البناء إذا لم يتم شراء ما تم إعماره بأسعار عالية وفي فترات زمنية قصيرة. وهذا، ربما، سرّع في عملية تطوير المقاهي لنفسها، واستحداث صيغ تناسب السوق. وطبعاً، هذا لا يعني أن انتقال المقهى والسينما معاً، جنباً إلى جنب، إلى المول، هو حدث تلقائي. وإن كان رأسمالياً ومخططاً له، فذلك لا يستوجب ذمه لأنه كذلك، بل لقرصنة البديل. المقهى ما زال مقهى في ساحة ساسين، والقول إنه لم يعد صالحاً ليس واقعياً. فالمدينة تغيّرت والناس تغيّروا. أما التغيّرات فتحتاج إلى معلّقات، وإلى أجوبة على أسئلة جدية. أين يكون المقهى عادةً ذكورية في التاريخ، وأين يستمر ذلك في الحاضر؟ هل يمكن أن يكون المقهى تراثياً خالصاً من دون أن يسبب مللاً رهيباً؟ هل المقهى ما زال ساحة لالتقاء عابرين يحلمون بالخروج من مناطقهم وطوائفهم؟ ربما في تجمعات على هامش المدينة وليس في قلبها.
على الأطراف يمكن للسلوك أن يمحو بعض الفوارق الطبقية لبرهة. يحدث هذا على الهوامش، لكن ليس في الوسط. والوسط ليس «سنتر فيل» الأشباح وحسب، بل في البسطة والجمّيزة وغيرها من شرايين المدينة. ما يميّز الوسط ومقاهيه، أنه لم يُعدم ديموغرافياً، بل أعدم على نحو مباشر. في دراسة لجورج قرم، نشرتها مجلة Revue d›économie financière أوائل عام 1994، يذكر الباحث اللبناني، كيف أنه، خلال الأعوام الـ 15 الأخيرة من الاحتراب الأهلي، فوجئ البيروتيون بقسوة وضراوة القصف المدفعي من قبل الميليشيات الرئيسة في البلاد على وسط العاصمة. وكان الأكثر غرابة، «قيام الجرافات في فترة الهدوء القصيرة، بين أيلول 1982 وأيلول 1983، بدكّ وتدمير الأسواق القديمة بإشراف شركة «أوجيه» التي يملكها رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، تحت شعار التطوع لتنظيف وسط العاصمة الذي تضرر إلى حدّ بعيد من الغزو الإسرائيلي للبنان صيف 1982». وبعد كل شيء صارت نظيفة تماماً، إلى درجة أن لا أحد يطأها.