بالعربية «القهوة» هي الخمر. هناك شبه بين المشروبين الأكثر انتشاراً في العالم كان ليدفع كاتباً غيري لإفراد مقال مستقل عنه، آخذاً في الاعتبار بعض فتاوى التحريم للقهوة بصفتها مشروباً مخدراً، وانتشار المقاهي في البلاد الإسلامية منذ القرن السادس عشر بصفتها بديلاً عن الحانات التي تقدّم المشروبات الروحية… لتكون المدة الفاصلة بين انتشار القهوة وزراعتها في شبه الجزيرة العربية والشروع باستحداث المقاهي في الشرق، قرناً واحداً. منذ ذلك الحين إلى اليوم، شهدت المقاهي تبدلات هائلة أثّرت في شكلها ووظائفها وروّادها، بحيث يصح - وإن بإخلال- التأريخ للمدينة وأحوالها انطلاقاً من هذا الفضاء.

هناك مقاهٍ لها تاريخ، كتب إدواردو غاليانو. في «مقهى بارافينتي» في مدينة سان باولو، كانت أولغا بيناريو ولويس كارلوس بريستس يتخيلان الثورة البرازيلية. وفي أزمنة المنفى، كان تروتسكي ولينين يناقشان مسألة الثورة الروسية في المقهى المركزي في فيينا. بعض أعمال الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا كُتبت في «مقهى البرازيل» في مدينة لشبونة، فيما قدّم بابلو بيكاسو أوّل معرض لأعماله في مقهى «إلس كواترياتا» في برشلونة. من «مقهى ريش» في القاهرة، انطلقت ثورة عام 1919 (راجع مقال الزميل أحمد حشمت)، وفي البوسطة درّس جمال الدين الأفغاني تلامذته. في القدس، انطلق حزب الصعاليك من «مقهى المختار». وفي «الويمبي»، أطلق خالد علوان رصاصاته المقدّسة. المقاهي أكثر من مكان للهو، وهي لم تكن دوماً على الحال الذي نظن أنها انتهت إليه: مقصلة الوقت.

«المقهى» لعبد الحميد بعلبكي (زيت على كانفاس ــ 110×90 سنتم ــ 1979)

المشكلة أن ما تتيحه بيروت عن نفسها يبدو نذيراً. مقاهيها وخاناتها وأحياؤها وسككها ومرافقها، لم تندثر تحت أنقاض بيروت الجديدة فحسب، بل اندثر معها تاريخ لا يمكن أن يُستعاد الآن. ما نعرفه عن مقاهي بيروت أنها بقيت حتى منتصف القرن التاسع عشر داخل المنطقة المسوّرة حول الميناء حيث كان يرتادها التجار والبحارة والمسافرون والجنود. لكن مع التخطيط العثماني الجديد للمدينة، انتقل عدد من المقاهي إلى خارج السور وبالأخص إلى منطقة الزيتونة ورأس بيروت والكورنيش. تكاثرت المقاهي وانتشرت في مختلف أرجاء بيروت: الساحات، خلف الساحات، الأحياء السكنية، الشاطئ البحري... واتخذت في تكاثرها أشكالاً وأطواراً مختلفة، كان يمكن أن تظلّ مجهولة لو لم يفكر الأنثروبولوجي شوقي الدويهي أن يرصدها ويدوّن تاريخها الذي حفظته ذاكرة روادها في لحظة تفصل بين حياة بيروت وموتها، أي لحظة التخلي عن بيروت القديمة وتراثها والشروع بـ «بيروت سوليدر».
نسأل الدويهي عن غاياته من دراسة المقاهي الشعبية على وجه الخصوص فيجيب: «دراسة المقاهي كانت جزءاً من بحث يطال مسائل أخرى تتعلق بموضوع المدينة وخاصة ما أسميه قاع المدينة. إلى جانب ما يسمى الدولة العميقة، هناك المدينة العميقة التي لا نراها في رأس بيروت. كان هذا البحث جزءاً من همٍّ بحثي يتناول المدينة العميقة في بيروت. بالإضافة إلى هذه الدراسة، أنتجت ثلاثة نصوص أخرى صدرت في مجلة المركز الفرنسي CERMOC، وتناولت روابط الأحياء في مدينة بيروت، والروابط العائلية فيها، وصورة بيروت عن نفسها أو كيف تفبرك المدينة من هو البيروتي ومن هو غير البيروتي. هذه المقالات اشتركت في هدف واحد، هو محاولة معرفة كيف تعيش بيروت العميقة أحوالها وأيامها. ولندرة المعلومات حول مقاهي بيروت الشعبية، احتجت لإجراء 120 مقابلة. كنت أنزل إلى ساحة رياض الصلح يوم كانت دماراً. في كراج صيدا، قال لي أحدهم: يا سيّد لا تأت إلى هنا، وإن أصررت على النزول، فلا تشرب شيئاً لئلا يخدروك! هذا هو العمل الانثروبولوجي؛ عليك أن تنزل إلى الشارع وتخالط الناس».
يقدّم شوقي الدويهي في بحثه «مقاهي بيروت الشعبية: 1950-1990» (دار النهار ـــ 2005)، صورةً مشوقة وباهرة عما كانت عليه المقاهي الشعبية البيروتية. هو لا يقدّم سيرة مفصّلة عن مقاهٍ بعينها ولا يسترسل في التأريخ لها بقدر ما يحلل السمات والممارسات التي تميّز ثلاثة أصناف من المقاهي موزعة على ثلاثة مجالات جغرافية: مقاهي ساحات وسط المدينة، مقاهي خلف ساحات وسط المدينة، مقاهي الأحياء، مستثنياً من دراسته ما يُعرف بالمقاهي الحديثة التي بدأت بالانتشار أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ليكون المقهى الشعبي موضوعه الأوحد، وهو بتعريفه «المقهى الذي يتضمّن ثلاثة عناصر: لعب الورق، تدخين النرجيلة، احتكار الذكور للمكان».
أكثر من مكان للهو، لم تكن دوماً على الحال الذي نظن أنها انتهت إليه: مقصلة الوقت


الملفت في الكتاب هو قدرة المؤلف على الخروج من تاريخية موضوعه وتركيزه على الوظائف الاجتماعية والثقافية للمقهى ومكوناته، رغم اعتماده على الذاكرة والرواية الشفوية الشعبية بشكل أساسي لبناء دراسته. من وظائف الساحات الثلاث (ساحة البرج، ساحة رياض الصلح، ساحة الدبّاس) ودورها في صهر الهويات المحلية وتلطيف الفروقات والسلوكيات المختلفة، يدلف لفهم الطبيعة الخاصة بمقاهي الساحات التي تشكّل واجهة المدينة وربما صورتها عن نفسها. فما دامت الساحة «عتبة المدينة» أو بوابة عبور غير المدينيين إلى العالم المديني، سيترتب على المقهى أن يكون جزءاً من هذا العبور والانتقال. إنه أولاً محطة للمسافرين الذين يلتقون أقرباءهم فيها، أو ينتظرون موعد انطلاق البوسطات ليعودوا إلى بيوتهم آفلين. وهو ثانياً «صندوق بريد» يتلقى منه الرواد الرسائل أو الأطعمة والحاجيات المرسلة من العائلة والأقارب، أو مكان للميعاد كما في بعض المقاهي التي اقتصرت على أبناء منطقة أو أخرى. وبهذا لعب مقهى وسط الساحات «دور ساعي البريد الشفهي في زمن لم تكن وسائل الاتصالات قد عرفت ما عرفته في ما بعد من انتشار واسع». كذلك لم يغب الاتصال العام والسياسي عن تلك المقاهي التي كان بعضها أشبه بمكاتب وديوانيات للزعماء (زعماء الأطراف تحديداً) يلتقون فيها بجماعاتهم ليعرفوا أخبارهم ويقضوا بعض حاجاتهم، وإن كان ذلك لم يدم إلا لأواسط الستينات نتيجة التحديث الذي شهده لبنان، والانتشار التدريجي للتلفزيون. بالمناسبة، التلفزيون الذي يعتبر اليوم واحداً من أهم وسائل اللهو في المقاهي (خاصة في المواسم الرياضية) كانت تقوم مقامه حتى بداية الستينات مجموعة من الفنون الشعبية المسلية كالحكواتي، الكاركوز، الرقص، الغناء، أو عروض للحيوانات الغريبة.
في «جوف المدينة»، أي في المناطق الواقعة خلف الساحات، حيث كانت تنتشر الأسواق التجارية (سوق النورية، ىسوق سرسق، سوق الأرمن..)، كانت المقاهي تتخذ نمطاً آخر، بدءاً من الاسم وانتهاء بالوظيفة. في حين ميّزت «الغفلية» ساحات المدينة ومقاهيها، كانت الهويات الخاصة أشد وضوحاً في المقاهي الواقعة خلف الساحات. لقد سمّيت معظم هذه المقاهي بأسماء مالكيها، على خلاف الأسماء العمومية التي كانت تميّز مقاهي الساحات. وتميّز كلُّ مقهى بلعبة القمار الخاصة به سواء على صعيد النوع (لعبة السيف، ندّافة حلبية، حدفة) أو على صعيد الكم (لعبة كبيرة، لعبة صغيرة)، بحيث كان النشاط الأبرز المميز لهذه المقاهي هو القمار. وهذا ما انعكس على وظيفة صاحب المقهى الذي لم يعد في كثير من الأحيان مجرّد مشرف أو مراقب، بل انخرط في اللعبة كواحد من اللاعبين أو كداعم لواحد من هؤلاء. القمار في جوف المدينة كان علنياً ومكشوفاً لأن الجوف وحده قادر على استيعاب الإفرازات التي تأنف الواجهة منها. ليس القمار فحسب، فقد كان بعض هذي المقاهي بؤرة للحشاشين و«النشالين» والغانيات اللواتي اتّخذن وسطاء يسوّقونهن ويحمونهن لقاء بدل من المال. على أن الهوية الأكثر فجاجة لهذه المقاهي كانت تظهر في اللحظات الحرجة «للنزاع على المدينة» الذي كان العمل والكسب سببه الأول. وهو ما كان يتطلب توسّل القوة أو إعلان الولاء لواحد من الزعماء السياسيين. القوة التي لم تكن إلا الرجال والسلاح، من أين يكسبها العتالون والأجراء؟ من المقاهي، حيث كان احتياط كل جماعة حاضراً. هكذا، سريعاً، يتحول المقهى إلى «خط دفاع عن الجماعة».
النوع الثالث من المقاهي التي خضعت للبحث هي مقاهي الأحياء، والحيّ بتعريف الدويهي «هو المكان الذي يغلب عليه السكان». لقد كانت أحياء العاصمة حتى الأربعينات، منكفئة على ذاتها ومستغرقة لحياة معظم سكانها. وكان للجيرة والعلاقات الاجتماعية فيها مكانة وحضور مميزان. الانضباط والمراقبة سمة هذه الأحياء، وأماكن اللهو ليست استثناء. لكن واقع الأحياء هذا لم يستمر أمام واقع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة التي فرضتها مجموعة عوامل، أهمها انفصال مكان السكن عن مكان العمل، تشكّل العلاقات والصداقات خارج الحي وبالتحديد في المدارس والجامعات، وارتفاع حجم المباني. طبعاً لم يكن المقهى في منأى عن هذه التغيرات، ولا هو ببعيد عما يشهده الحي من شؤون أو شجون. والمقهى كما لاحظنا متصف بالمكان وأحواله، فلا تلبس أن تقع مشكلة في الحي أو أيما واقعة حتى يدور الحديث عنها في المقهى، ذلك لأنه أشبه بمذياع أو بريد شفهي يستطيع مرتاده أن يعرف فيه ما يدور في الحي من أحداث، بل ما يدور في البلد نظراً لعلاقة بعض زبائنه بالزعماء والقادة السياسيين، الذين أفادوا من المقهى لتوطيد نفوذهم الشعبي وضمان تأييد الناس عند كل استحقاق سياسي.