علامة فارقة في عالم دور النشر اللبنانية والعربية كان إنشاء «صنوبر بيروت» عام ٢٠١٤ وترجمة كتاب «رسول العري» لفؤاد حبيش. الدار أسستها هالة البزري مع شقيقها وياسمين طعان لتنضم إليهم المصممة والرسامة اللبنانية جنى طرابلسي. يضع هذا المشروع المتكامل على رأس أولى أولوياته عدم تحول الكتاب إلى منتج تجاري يتحكم بقيمته منطق البيع والشراء أو انضمامه إلى القائمة الصغرى أو الكبرى لإحدى الجوائز، بل بالنظر إلى النصوص جمالياً مثل «صَرح من الكلام المعروض على الطبيعة البشرية بشكل مطلق، كمحاولة لخَلق عالم، كما يوضح ديك الجن الذي نقل خمسة من أعمال صموئيل بيكيت (1906ـــ 1989) إلى العربية هي: «رفقة» (٢٠١٤)، «شر قول ونظر» (٢٠١٤)، «إلى الأعسر سر» (٢٠١٤)، «مفاصل ترتعش» (٢٠١٤) و«كيف الحال» (٢٠١٨)، المترجم كتب في آخر كل ترجمة «نقلت آثار بيكيت إلى العربية على مناهج لغوية أربعة هي نهج العامة صرفاً، ثم نهج العلماء صرفاً، ثم النهج المتناوب وهو أن يتتابع النهجان بتواتر يقرره النص، ثم النهج المخضرم وهو أن يصهر النهجان في تلاوة واحدة». نحن إذاً أمام نظرية متكاملة في الترجمة. ولئن بدت نصوص بيكيت أقرب إلى قصيدة النثر في «إلى الأعسر سر»، يلاحظ الاهتمام الخاص للشاعر أنسي الحاج بهذا العمل وبغيره. فتسييل لغة بيكيت ولبننتها في الأعمال الأخرى ونقلها إلى لغة الشارع والناس، لا تجعل معلّم العبث راهناً فحسب، بل تعطي للنصوص مدى هائلاً في التلقي والتأويل والمسرحة وإعادة صقل اللغة بروح جديدة. من هنا كان الحوار مع «ديك الجن»، الذي أجابنا عن أسئلتنا بما يشبه مناهجه الأربعة في ترجمة بيكيت


كيف انطلقت فكرة ترجمة أعمال غير معروفة لبيكيت للقارئ العربي؟ وهل المعيار الفني هو الذي رجّح هذه الأعمال على غيرها؟
- في فرق كبير بين العمل الثقافي والعمل الفنّي. العمل الثقافي بينظر إلى النصوص من خلال أُطر متل السوق، والقارئ، والجمهور وما يُدركُ، والكاتب وما يُمثّلُ... أمّا العمل الفنّي فبينظر للنصوص على أنّها صرح من الكلام معروض ع الطبيعة البشريّة بشكل مطلق، كمحاولة لخلق عالم. وبالتالي، في العمل الفنّي، النص بيفرض حاله وبعدين بيجي الـ«كيف». ما في «كيف» مهيمن، يعني ما في حيثيّة ثقافيّة بتكون هيي الإطار وبيجي النص بيقعد عاقل مطرحه بقلبها.

لو أردنا تقديم ما يشبه البورتريه للأعمال الخمسة المترجمة، ماذا يمكننا القول بخصوصها؟
- كانت الخمسينات عند بيكيت مرحلة روايات الأنا، وكان «كيف الحال» مسك الختام بين هالروايات، ونَحَر الأنا. من بعدها هجر بيكيت النص النثري مدّة عشرين سنة تقريباً. لمّا رجعله، صوب نهاية حياته، ألّف أربعة نصوص استكشف فيها أسرار شو بيحصل للكائن الحيّ الناطق متى ما انتزعت عنّه صفة الأنا. شو آدم بلا أنا؟ بـ «رفقة»، صوت، ونور طالع من الصوت. بـ «شرّ قول ونظر»، وجّ مريم العدرا، وابتسامتها قدّام آلهة الموت. بـ «إلى الأعسر سر» منروح لأبعد، ما بيفضّل من أساس البشريّة كلها إلّا تعويذة شرّيرة، يمكن تكون هيي اللي أصلاً خلقت عالمنا، وكانت سبب الشر فيه. وبـ«مفاصل ترتعش»، وأخيراً، بيبطّل أصلاً في كائن حيّ. بيصفّي في واحد مرحوم، وبتبلّش تبيّن معه طريق الرحمة.

ورد في تصدير «رفقة» و«شرّ قول ونظر» و«إلى الأعسر سِر» أن الشاعر الراحل أنسي الحاج شارك في قراءة النصوص. ما كان دور أنسي بالتحديد؟
- الأستاذ أنسي كان يحبّ الشعر أكتر من محبّته لنفسه. رضي يقرا هالنصوص معي ويعطيني إمبريماتور، مفاده إنّي مش ناشر شي هوّي ما قبل فيه. رضي، مع إنو كان يأسف عليي كتير، ليش رامي حالي هالرمية ع العاميّة. رضي محبّةً بالشعر.

يوصف مسرح بيكيت بمسرح التجريد. هل يتوافق التجريد مع اللغة العامية وهي لغة حسية نقلتَ بعضاً من أعماله إليها؟
- لغة بيكيت المسرحيّة لغة حسّيّة كتير، جدّاً. مجرّدة من الحيثيّات الاجتماعيّة إي، لكن مفعمة بوقائع حياة الجسد (أكل وشرب وحركة وتوابعه) والروح (أمل وسخط وذاكرة وتوابعه).

هل نجحت الترجمة في إعادة خلق عالم بيكيت ولغته عند نقلهما إلى العامية اللبنانية، وكيف كان وقع الترجمة على المتلقّين؟
- أمّا عن النجاحِ، فأنتم أدرى، والله أعلم. الوحيدين اللي كان عندهن تعليق ع موضوع فصحى أو عاميّة، كانوا صحاب المصلحة: صحفيين كتّاب ناقدين إلخ. الجمهور تفاعل مع النصوص وشاعريّتها.

«إلى الأعسر سِر» مترجمة بالكامل للفصحى، «مفاصل ترتعش» للعامية، والأعمال الأخرى بينَ بين. هل من رؤية معينة لاعتماد العامية أو الفصحى كلغة للترجمة؟
- في طبقتين بنصوص بيكيت، طبقة ميتافيزيقيّة وطبقة رثائيّة. واحدة بدها فصحى وواحدة بدها عاميّة. الفرق كان واضح وفارض نفسه ع المترجم.

هل اطّلعت على ترجمات أخرى لبيكيت، مثل ترجمة عصام محفوظ لـ «في انتظار غودو» مثلاً؟
- ما قرأتُ شيئاً أذكرُهُ.

الكتب صادرة عن «صنوبر بيروت» وفق رؤية في العناوين والأغلفة والترجمة مختلفة عن السائد والمألوف. ما هي هذه الرؤية؟
- هالة (البزري) هيي من أسّس الدار، ونحنا ما كنّا إلّا رفاقها، أنا وياسمين (طعان). وبعدين دغري انضمّت إلنا جنى طرابلسي، وخلقت شكل كتابنا. «صنوبر بيروت» ما بتنشر إلّا كتب منحبّها كلّنا. شو يعني؟ يعني منحس بجمالها، ومنعتقد إنها بتعيش مية سنة وشويّ، وجنى راسمة الغلاف، وهالة موافقة ع النص. هيدا عندنا هوّي الحبّ.

كأنك ابتكرتَ معجماً لغوياً صغيراً عند الترجمة للعامية لتسهيل القراءة وتعويض الحركات الخاصة بالفصحى، هل هذا نوع من الستاندارد أو المقاييس التي يمكننا اعتمادها عند نقل أي نص إلى العامية؟
- لأ ثمّ كلّا. هيدي كلّها إشيا خاصّة بترجمتي أنا لكتب معيّنة. مش معروضة كستاندرد. المشرّعين عندي إجلال كبير إلهن بس منّي أحدهن.

هل ما زال بيكيت راهناً اليوم بعد ثلاثين عاماً من وفاته؟
- بيكيت لأ ما عاد راهن، رحل. بس النصوص يا صاحبي الكريم معها مدى كبير، هائل.

اختيار كاتب صعب مثل بيكيت وترجمته إلى العامية في نوع من تسييل لغته لتكون أقرب للغة الشارع والناس، هل هو استفزاز للعقول الكسولة والوجبات الجاهزة في الثقافة والأدب؟
- أنا لا أحبُّ الإستفزازَ. ولا أحملُ رسالةً. أرى، كما أنتَ ترى، إنّو في كسل فكري من جهة، ومقابيله في أغذية محضّرة بتسهّل استمراريّة هالكسل، ويمكن هيي اللي أوجدته. بس ما عندي أيّ أمل واجه هالحالة وصارعها. مساقبة إنو رغباتي بتبعدني عنها. بقول الحمدلله.

ماذا عن العمل الفني المشترك مع هاشم عدنان؟
- ألّف هاشم عدنان فريق اشتغل انطلاقاً من مسرحيّات كنت أنا مترجمها. الفريق حس بالإلفة اللي بين عالم بيكيت وعالمنا. وجسّدها.

هل من أعمال أخرى قادمة؟
- فاتح مشغل ترجمة. عم نحضّر ترجمات عديدة، لأفلاطون، وليوحنّا الرسول، ولسبينوزا، ولصديقنا الحبيب شريف مجدلاني، وكمان لمار يوحنّا الصليبي، في عنده لطائف رائعة سمّاها كلام نور وحبّ، عم نترجمها. وشاءت الأقدار إني بالصدفة عثرت ع مخطوطة لترجمة، قامَ بها أحدُهم، هاي عم بحكيك بالقرن التاسع عشر، لرواية للماركي دو ساد إسمها «أيام فلورابلّا». وهاي الأصل الفرنسي منها مفقود. بس عثرنا ع ترجمة للغتنا، وإن شالله بتتحقّق وبتنتشر.