قبل قرابة قرن من الزمن، جلس الرئيس الأميركي وودرو ويلسون قبالة شاشة سينما، فتملّكته الدهشة وهو يشاهد أوّل فيلم يُعرض في البيت الأبيض وهو The Birth of a Nation (ولادة أمّة ــ 1915) للمخرج ديفيد غريفيث ثم قال عنه: «إنه التاريخ مكتوب بضوء البرق»! رغم ما اتهم به الشريط من ترويج للإعدام خارج سياق القانون، وعنصرية ضد السود، إلا أنّ ويلسون لمح فيه ما كرّسه النقّاد لاحقاً عن تأسيسه مرحلةً سينمائيةً جديدة ما زالت معتمدة ضمنياً حتى اليوم في هوليوود. وإن كان يصعب على الفن فعلياً أن يكتب التاريخ، إلا أنّه يستطيع أن يكون شاهداً عليه، على الأقل في عالمنا العربي. إذ يمكن لذكاء وبراعة الصنعة بذريعة الموهبة الاحتيال على الرقيب، وفضح المستور من دكتاتوريات السلطة وعقلّيتها المأزومة، وما أرسته من قوانين المزارع التي تتناهشها عصابات ومافيات لا أحد يجرّب وضع حدّ لها لا في السلم ولا في الحرب.

على أيّ حال، الميزة في الموسم الرمضاني السوري، أنّه أوّل عام يتسلّم فيه منصب مدير الرقابة الفكرية على النصوص شاب أكاديمي لمّاح اسمه سومر إبراهيم (أقيل خلال كتابة هذه السطور). قرأ ما أحيل إليه من «لجنة صناعة السينما» بتمعّن، ودوّن ملاحظاته بدّقة، وأباح نصوصاً جريئة إلى الحد الأقصى، بعضها ربّما يقترب من محظورات ويشتبك مع كواليس كانت معتمة. هذا العام، يحفل شهر الصوم بثلاثة أعمال اجتماعية معاصرة ستكون المنافسة بينها على نار حامية، يتصدّرها عنوان عريض هو «دقيقة صمت» (كتابة سامر رضوان، وإخراج شوقي الماجري، إنتاج «إيبلا» و«الصبّاح إخوان» ــ «الجديد»، و«أبو ظبي»). ينطلق المسلسل من شخصيتي «أمير ناصر» (عابد فهد) و«أدهم منصور» (فادي أبي سمرا) اللذين تفتح الرواية ستارتها عندما يتم الحكم عليهما بالإعدام، ويودعان السجن في انتظار التنفيذ. وفي ساعات الفجر الأولى من أحد الأيام، يحضر مدير السجن فجأة، ويقدّم لضبّاطه قراراً سريعاً بتنفيذ حكم الإعدام بالسجينين المشار إليهما. يبدأ الجميع الإجراءات اللازمة لهذا القرار الذي ينبغي أن ينفَّذ في أقل من ساعتين حسب تعليمات القيادة. لكنّ أحداثاً غريبة تبدأ بالظهور، أولها أنّ مهجعاً للمساجين يتم إحراقه، وثانيهما أنّ قراراً سريعاً بتعيين مدير جديد للسجن يصل بعد ربع ساعة من وصول المدير القديم لتنفيذ الإعدام. بعدها، نكتشف أنّ هذه الأحداث ما هي إلا توطئة لتهريب المحكومين إلى خارج السجن لا حباً بهما أو لأنهما معنيان بالأمر، بل لإعدام سجينين سياسيين آخرين. وفي غضون ذلك، يداري مدير السجن ما قام به بتدوين السجينين الفارّين في سجل الأموات، ليجابه لاحقاً أهل قرية «أمير». يجرّب الأهالي منع دفن «أمير» بذريعة خلافات قديمة، فتتصدى لهم أخته «ربى» (رنا شميّس) وتجري مراسم الجنازة الوهمية ليظهر الرجل لاحقاً عارياً في قريته ويخلّف إحساساً لدى بعض الجهلة والسّذج بأنّ روحه مباركة وقد بُعث من جديد. هنا، تبدأ سلسلة من الأحداث الساخنة لضابط يدير مافيا ويستغّل فعلته لصالح تصفيات مهيبة، لدرجة أنّه يقتحم مكاتب وزراء وشخصيات مرموقة في الدولة ويعتقلهم بدعم من رموز كبيرة تقف خلفه!

مثلث الدين والسياسة والجنس في «عندما تشيخ الذئاب»


يتنافس هذا العمل مع آخر يقدّم خلطة تعتبر بمثابة مثّلث خطير يقارب الدين والسياسة والجنس. إنّه «عندما تشيخ الذئاب» (عن رواية بالاسم نفسه للكاتب الفلسطيني الراحل إبراهيم ناجي، سيناريو وحوار حازم سليمان، وإخراج عامر فهد، قنوات «أبو ظبي»). تلاحق الرواية مصائر شخصيات طحنها الفقر فدعست على قيمها، وفتحت أفواهها على مزاريب ذهب، لكن بطرق غير مشروعة. هكذا، كانت المادة مساحة خام لإنجاز معادل سوري يمتلك مفردات البيئة المحلية ويتواءم مع تاريخها ومعطياته السياسية، ضمن حبكة تلفزيونية تدور أحداثها في تسعينيات القرن الماضي. في إحدى الحارات الفقيرة التي نتعرف فيها إلى نماذج إنسانية منوّعة تدور مصائرها في حارة شعبية تبدو للوهلة الأولى عادية، نكتشف أن هذا الحي كان يوماً ما مسرحاً لعدد من الأحداث والأسرار المخفية التي حكمت مصير سكّانها وقادت كل واحد إلى خاتمة مختلفة. من الشيخ عبد الجليل المنافق (سلّوم حدّاد) الذي يدير جمعيات خيرية يسطو على أموالها ويبحث عن نساء أرامل ليصرف عليهن قبل أن يشبع رغباته المريضة، إلى جبران اليساري (عابد فهد) الذي يجابه الشيخ ويصطدم معه، لكن في لحظة مفصلية يتحّول إلى صورة مشابهة له عندما يرمي تاريخه النضالي، ويتحّول إلى منشار حقيقي. وبينهما يقع «عزمي وجيه» (أنس طيارة) ابن الجليلة (سمر سامي)، شاب ورث عن أمّه سعة الثقافة وانتمى إليها كما لا يفعل مع شيء آخر. خسر وظيفته في الخارجية ومستقلبه الواعد في المحاماة بسبب قرابته من «جبران»، فإذا به يطوّع ذكاءه، بعد انكشاف شخصيات دينية وأخرى يسارية أمامه، ليؤسّس جماعة إسلامية بذريعة مال وفير ورثه عن أمّه ويصبح داعية خطيراً أجبرته السلطة ليكون عبئاً عليها!
الحماسة ستبلغ منتهاها ونحن نشاهد «مسافة أمان» (كتابة إيمان السعيد، وإخراج الليث حجو، وإنتاج «إيمار الشام» ــ «لنا»، وlbci، وldc)، خصوصاً أنّ العمل شهد في كواليسه مشاكل كبيرة داراها صنّاعه عن عيون الإعلام في ما يخصّ النص الذي لم توافق كاتبته على تعديلات مخرجه. كما أنّها بحسب بعض المصادر تأخرت في تسليم الحلقات، ما اضطر حجو للاستعانة بكاتب شاب ليكمل له الحلقات. علماً بأنّ الحكاية تولّف خلطة مشوّقة تصل إلى نهايات صادمة! تفتتح مشاهدها برصد الطبيبة «سلام» (سلافة معمار) مرتبكة ملهوفة ومسيّجة بالقلق والرعب، بعدما تلقّت اتصالاً من جماعة إرهابية اختطفت زوجها (مأمون الفرخ) ولم تطلب فدية مالية، وإنّما أعطتها أمراً بوضع حقيبة متفجرّات في مركز طبي. سريعاً، تنتصر «سلام» لضميرها الإنساني وتضحي بزوجها مقابل ألا ترتكب جريمة بشعة يذهب ضحيّتها العشرات من الأبرياء. تقتل العصابة الرجل، لتأخذ درب التشعّب وصولاً إلى «سراب» (كاريس بشّار)، سيدة في الأربعينيات تجد نفسها وحيدة بعدما هجرها زوجها الثري وترك مسؤوليات مجابهة الحرب على كاهلها. تكتشف أن ابنتها تدرس الفن في الوقت الذي كان يفترض أن تدرس الحقوق. وفي غمرة الحياة، تنتقل المرأة من الفيلّا الخاصة بها في «يعفور» (ريف العاصمة) إلى دمشق لتقع في غرام «حسام» (عبد المنعم عمايري)، زوج صديقتها الجديدة (نادين تحسين بيك) وهي فنانة تشكيلية تحمل جانباً مضيئاً، خصوصاً لناحية صداقتها مع الشخصية التي يلعبها قيس الشيخ نجيب... فيما نلاحق خصوصية العلاقة بين الأب وابنته في ثنائية يشكّل قوامها موسيقي عتيق (جرجس جبارة) وابنة انتهازية (حلا رجب) تطبع صدمة قاسية على جبين والدها الذي رعاها برموش عينيه!
لعلّ الاكتشاف الأبرز في هذا العمل سيكون في شخصية (كنان) التي يؤدّيها طفل سوري اسمه بلال الحموي باحترافية في تجربة هي الأولى بالنسبة له، وهو في الخامسة عشر من عمره. يعيش في سيّارة «فان» وحيداً بعد مقتل جميع أهله! لكنّ مسافة أمانه مع الحياة تدعوه لإقناع كلّ محيطه بأنّه شخص طبيعي يعيش يوميات اعتيادية مع عائلته في بيت دافئ!