هناك أماكن تتمنّى لو أنّك لم تعش لتزورها، ومناسبات كنت تفضّل ألا تحضرها أبداً. كان يفترض أنها مناسبة سعيدة: إطلاق الدورة الثالثة والستين من «مهرجانات بعلبك الدوليّة» التي تستحق كل حفاوة واهتمام. لكن ما أن تظهر لك القناطر السمجة التي اغتصبت الواجهة الشهيرة، أوّل شارع الحمرا، حتّى يبدأ صدرك بالانقباض، فإذا دلفت إلى الصالة التي كان اسمها ذات يوم «القاعة الزجاجية» لوزارة السياحة، ضاق نفَسك، وشعرت بالغثيان. لن تصدّق ما ستقع عليه عينك. ها أنت بين أول الشهود على الكارثة التي جرى تدشينها الرسمي في اليوم السابق. القاعة الكبيرة الشرحة المضيئة الديناميّة البسيطة التي تختصر الرؤيا الحداثيّة لمصمّمها المعلّم الراحل عاصم سلام، باتت أشبه بردهة فندق سوبر دولوكس في الخليج. أو «مقهى أراكيل»، كما كتبت قبل عام مي مكارم في «لوريان لوجور». خلال ورشة «اعادة التأهيل» التي استغرقت سنتين، تعالت الانتقادات والاستغاثات. وكانت زميلتنا إيلده الغصين قد أجرت في «الأخبار» تحقيقاً مفصلاً، عن عبثيّة «مسخ التراث في مبنى يرمز الى الحداثة» (12 ديسمبر 2018). لكنّ أحداً لم يبادر إلى ايقاف الأشغال، والاحتكام الى لجنة مستقلة من المعماريين والخبراء. لا نقيب المهندسين جاد تابت تدخّل لمنع الجريمة، ولا وزير السياحة الفخور بها، ولا أي مسؤول أو جهة في الدولة!

بعد قليل، فوق المنبر، ستتنافس شخصيات سياسية وفنية واعلامية على تهنئة ليلى الصلح «شفيعة الخير والجمال» على سخائها، وأفيديس كيدانيان، وزير السياحة الدائم النشوة، على «شجاعته»! الأولى هي ممولة هذا «الصرح العظيم»، والثاني هو حاميه والمدافع عنه، ضد حملة الاحتجاج الواسعة طوال مرحلة «إعادة التأهيل» التي استغرقت سنتين… فلولا كرم رئيسة «مؤسسة الوليد بن طلال للأعمال الانسانية»، وشراسة فارس السياحة المقدام، لما أمكن لهذه «التحفة المعماريّة» أن تبصر النور وتخرج إلى الوجود. فضاء بلا روح، على أنقاض ذاكرة المدينة. فضاء ليس للناس ولا يشبههم. كوكتيل متفجّر من قلّة الذوق والاغتراب الثقافي. «قاعة ليلى الصلح حمادة» كما أعيد تطويبها بماء الذهب وبحرف غليظ على جدار المدخل، مظلمة وخانقة بموادها وتقطيعها والاضافات الكارثيّة. بسطحها الواطئ المرقع بالجفصين، لا تترك لك أن تتنفّس. مُسرفة في «شرقيّتها» المفتعلة، مثقلة بمظاهر الفخامة التي يحبّها محدثو النعمة. فضاء عاصم سلام كان من علامات الحداثة العمرانيّة لبيروت، فأصبح مكاناً هجيناً، ينتحل هويّة «تراثيّة» مزيّفة وسطحيّة، مدّعية ومبتذلة. لقد دُمّرت هويّته، وطمست معالمه. تخيّلوا قصيدة لأدونيس أعاد كتابتها «ناظم» من عصر الانحطاط! ها هي الفلسفة «السوليديريّة» تنتقم من المعمار الكبير بعد رحيله، هو الذي قارعها بكل قواه. والأنكى أن الوزيرة السابقة ليلى الصلح جاءت إلى المؤتمر الصحافي فقط لتوقّع جريمتها، قالت كلمتين عن رسالتها الخيرية، وانتصارها على حملات «الاساءة»، وغادرت المنصة على عجل.
فوق المنبر، تمنّى وزير الثقافة محمد داود، أن تكون المهرجانات «رافعة اقتصاديّة» أيضاً. وتوقف محافظ بعلبك ـــ الهرمل بشير خضر عند السنوات الصعبة التي صارت وراءنا، بعد الانتصار على الارهاب، وتصنيف بعلبك منطقة خضراء حسب معايير الامم المتحدة. ولفت رئيس بلدية بعلبك حسين اللقيس، إلى انتهاء ورشة تطوير البنى التحتية كافة، مؤكداً أن أهل بعلبك ومنطقتها يشعرون بمسؤوليتهم عن تراث مدينتهم الذي يخصّ البشرية. واستعاد وزير السياح موّاله عن تخفيض الميزانية، علماً أن المهرجانات «أصبحت على مساحة الوطن» كما تفضّل. لكن يبدو أن «بعلبك» أقل تأثراً بالأزمة من سواها، إذا نظرنا إلى عدد المصارف وشركات التأمين والاتصالات التي تدعمها. وربّما كان من محاسن هذه الأزمة، على مستوى مهرجانات الصيف ككل، أنّها أعطت حيّزاً أوسع للأمسيات اللبنانية والعربية.
البرنامج الذي قدّمته نايلة دو فريج، رئيسة لجنة المهرجان، يجمع الجاز والبلوز والبوب والكلاسيك، إلى الطرب العربي والعود وذاكرة العصر الذهبي وأغنية المؤلف، أو «الأغنية الملتزمة». أمسية الافتتاح ستكون مع مرسيل خليفة (5 تموز/ يوليو). «كل الحروب خاسرة ـــ قال لنا مرسيل ـــ والبنادق الطائفية محشوة بالدموع»! أمسيته التي تفتتح المهرجان، أرادها «وردة معدة للحب، وسنونوة حنين لليالي بعلبك»، وفيها يستعيد مجموعة من أغنياته الشهيرة تحت عنوان «تصبحون على وطن». ترافقه الأوركسترا الفيلهارمونيّة اللبنانيّة بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي، وجوقة جامعة سيّدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة.
ولعل الذروة ستكون في هيكل باخوس، مع المغنية الفريدة جاهدة وهبه التي تأخذنا بصوتها القوي والرخيم والمثقف، في رحلة حضارية. «عبق الأندلس: من الموشحات إلى الفلامنكو» هو عنوان الأمسية (2 آب/ أغسطس) التي تنسج «فسيفساء شعريّة موسيقيّة غنائيّة راقصة، من يا ليل الطرب إلى olé الوجد»، ومن ولادة بنت المستكفي إلى فدريكو غارثيا لوركا، مروراً بـ باكو دي لوتشيا، وابن زيدون… يشاركها المغنّي الإسباني ملكيور كامبوس وراقصة الفلامنكو ليا لينارس. ويرافقها عازف العود عمر (منير) بشير وفرقته. أما ابن المعلّم العراقي الراحل، فسيحيي بدوره أمسية موسيقية تكون مسك ختام البرنامج: «عود حول العالم» هو عنوان أمسية عمر بشير الذي يجمع بين الغيتار والعود، بين المناخات العراقية والمجرية. سيؤدي مؤلفات من لبنان والعراق وتركيا، وصولاً إلى الفلامنكو والموسيقى الهندية والتأملية، إضافة إلى مؤلفات لوالده، ومقطوعات من ألبومه الأخير. وسترافقه فرقة من 7 عازفين وجوقة آلات نفخيّة (3 آب/ أغسطس).
من مصر يعود إلينا هشام جبر بتجربة جديدة، بعدما احتفل على طريقته (السمفونية) بخمسينية أم كلثوم في بعلبك. هذه المرّة ستكون «أمسية مع عبد الحليم» حافظ في الذكرى التسعين لولادته. الأغنيات سيؤديها الـ «أراب آيدول» الفلسطيني محمد عساف. الجديد أنه عرض موسيقي ـــ غنائي ـــ سينمائي… أي أن الغناء ستواكبه مشاهد سينمائيّة من أعمال العندليب الأسمر (مونتاج أمير رمسيس). والتوزيع الموسيقي يحمل طبعاً توقيع المايسترو هشام جبر الذي سيقود الأوركسترا الرومانية، بالاشتراك مع موسيقيين من الاوركسترا الوطنية اللبنانية. وتشارك في الغناء الفنانة نهى حافظ (20 تموز/ يوليو).
المواعيد «الغربية»، تبدأ من الجاز والبلوز مع الفرنسية المعروفة ميلودي غاردو (7 تموز/ يوليو) التي كان إبراهيم معلوف قد قدمها للجمهور اللبناني في بعلبك، كضيفة شرف، ضمن أمسيته قبل سنتين. اليوم بعد عقد من الغناء، وأربع أسطوانات، باتت غاردو تتمتع بشهرة عالميّة واسعة، ولا شك في أن أمسيتها ستكون من الأمسيات البارزة هذا الصيف. أما الـ pop فمتمثل بالمغنية الفرنسية الشابة جاين Jain التي باتت تجر وراءها جوائز ونجاحات عدّة وأسطوانتين (أول آب/ آغسطس).
وأخيراً موعد مع الكلاسيك تدعمه السفارة الايطالية ومركزها الثقافي في بيروت. إنّه Requiem جوزيبه فيردي الشهير الذي يجمع، في أحضان معبد باخوس، أربعة أصوات مكرّسة في عالم الأوبرا: السوبرانو ماريا أغريستا، والميتزو دانييلا بارتشلونا، والتينور جورجيو بيروجي، والباص جون ريليّا. الأب توفيق معتوق الذي يقف وراء التجربة قائداً لـ «أوركسترا الحجرة للإذاعة الرومانية في بوخارست» و«كورس الجامعة الأنطونية»، قدّم لنا التجربة، يوم أمس، بطريقة مشوّقة. تحدث عن «الحج إلى شمس اللهفة»، وقال إنّه يفضّل تسمية أخرى للعمل الذي يُعتبر «محطة مفصلية في تاريخ الموسيقى»: لنسمّه إذاً «أعظم أوبرا لفيردي»، لأنّه ليس تماماً «قداساً للموتى» كما يشرح لنا. ذلك أن فيردي الذي كان «معارضاً للاهوت الخوف الديني كما كان سائداً في القرن التاسع عشر، قلب النص وعدّل مساره» ليصبح نشيداً للجسد والحياة. كنا نسمعه ونحاول أن نتنفّس. ها قد انتزعنا الأب معتوق من «جحيم ليلى الصلح» إلى السماوات العالية. شكراً أبونا. نراكم هذا الصيف في «بعلبك».