المضمون ليس جديداً رغم ادعاء كثيرين أنهم تفاجأوا به. الجميع تقريباً يعرف أن التيار الوطني الحر ينتمي إلى مدرسة «كيانية – لبنانية» تجاهر بآرائها وبتصوّراتها للآخر، خاصةً عندما يكون الآخر «غريباً». الاستغراب هو المستغرب. في البداية، وعلى مستوى البنية الفوقية، أي عندما نتحدث عن الأصول الأيديولوجية لأصحاب الشِعار، الذي تشكل أدبيات اليمين اللبناني وأفكاره مرجعية لهم، فلا جديد في تفضيل اللبناني أو في إعلان هذا التفضيل وبناء الخطاب على هذا التفضيل. الجديد، والطريف في آن، هو أن الملصق يقدّم نفسه كما لو أنه «حلّ اقتصادي» حقيقي، يقضي بطرد العمال من الجنسيات الأخرى. بطبيعة الحال، لن يقترح مصدر «الاقتراح» على العمّال «وعياً طبقياً» ولو من باب «الحنين»، فلماذا الاستغراب. وبما أن الحديث عن العمل والعمال، وبما أن الطبقة العاملة غالباً فقدت محدداتها التاريخية في ظل العولمة، وبدون الاستفاضة في تنويعات مفرطة في «لبنانويتها»، ربما يكون من المفيد العودة إلى قراءة «باباوات» اليمين اللبناني في الاقتصاد، أو مرشديه الروحيين، للعلاقة مع سوريا والسوريين تحديداً. ثمة إرث طويل. وبين هذا الإرث «الكياني» والحقيقة، يرتفع جدار كبير.

يحلل فواز طرابلسي في فصل من كتابه «صلات بلا وصلِ»، سلسلة مقالات لجورج نقاش في «تطور الاقتصاد اللبناني منذ الانتداب». التطور المقصود طبعاً هو تطور مقرون بفئات منتفعة محددة. وحسب نقاش، الإنجاز الكبير الذي حققه لبنان كان «تدويل اقتصاده إبان الحرب العالمية الثانية». أما العقبة الوحيدة أمام ذلك «الإنجاز» الرهيب، فكانت الوحدة الجمركية السورية – اللبنانية. وحسب نقاش إذا أزيلت العقبة، فإن لبنان سيخسر سوريا «لكنه سيربح العالم بأسره». وهذا الوهم، على ما يبدو، مرجعي لأوهام كثيرة. قد يكون حجر «الزاوية» في الجدار. في رحاب هذه الأوهام، على الأرجح، تطورت البورجوازيات الصغيرة، واستوت في صورها الحالية. وحول هذه الفكرة بالذات، تدور النقطة الثانية. أيّ مصدر يغذي الملصق الذي نتحدث عنه؟ إن كنا نتحدث عن بورجوازية صغيرة، فيجب التذكير أن هذه البورجوازية لم تعد قادرة على ربح حروبها ضدّ الصناعة الوطنية أصلاً كما حدث بعد الاستقلال مباشرةً، وذلك لاختفاء شيء اسمه صناعة وطنية. وللسيرة، يجب الانتباه دائماً إلى أن الحديث عن الطبقة العاملة يجب أن يقترن دائماً بالصناعة، أو على الأقل بدور العامل في عملية الإنتاج، وليس بالصورة التي نتخيّلها عن العامل والعمّال. هنا، من الإنصاف، ولو لماماً، الإشارة إلى أن مصطلح «العمال السوريين» ما زال مصطلحاً مألوفاً في لبنان. حتى إن الصفة الملازمة للسوريين الموجودين في لبنان ظلت «العمال»، كما لو أن علاقتهم في لبنان محصورة بذلك. وإن كان الوصف إطلاقياً وأسبابه ليست «بريئة» دائماً، إلا أنه قد يفسّر جزءاً أساسياً من «حساسية» ملصق «التيار» الجائرة ضدّ العمال السوريين. والتيار ليس تياراً فحسب بل هو جزء أساسي من الدولة.
من هنا، ربما، يمكن المرور إلى البنية التي يسميها ميشال فوكو بنية «تحتية» للمجتمع. وهذه البنية في بلد مثل لبنان ليست مسطحة. في هذا الإطار، ورغم الفوارق الهائلة، يمكن الاستفادة من دراسة لعالم الاجتماع الفرنسي روبير كاستيل، عن سوق العمل في بلاده. في نهاية تحليل تاريخي جدي، خلص كاستيل إلى أن تفتت مجتمع العاملين مقابل الأجر سببه فقدان الفعالية بسبب نقص الوسائل الكافية، ولكنه على ذات الدرجة أيضاً بسبب أزمة الشرعية التي تعاني منها الدولة. ثمة علاقة إيجابية واضحة بين خسارة الفعالية وخسارة الشرعية. ما يمكن الاستفادة منه، في خلاصات كاستيل هو هذه العلاقة بالضبط. فما يعبّر عنه «الخطاب» الذي يرتفع على واجهة عنصرية، بالدرجة الأولى، هو إعلان لعدم وجود أي مقدرة على «التغيير»، أو على «الإصلاح»، بالتنصّل من المسؤولية تجاه العامل، وتالياً يصير الخطاب نفسه محاولة لاستعادة الشرعية المفقودة، بتمييع موقعها في الأساس: «ما تشغلو غير لبنانيين». وربما، يمكن وضع ملصق التيار الاحتفالي - المُستعار من صحيفة بوسنية - في سياق واحد مع «تغريدة» رئيس التيار، التي دعا الناس فيها إلى النظر خارج جيوبهم، لأنه قد يأتي وقت «لا يبقى فيه معاش لأحد». وهذا السياق، هو السياق الذي يتحدث عنه كاستيل، حيث تغيب «فعالية» الدولة، ويبدأ الحديث عن أزمة الشرعية.

الطريف أن الملصق يقدّم نفسه كـ «حل اقتصادي» حقيقي، يقضي بطرد العمّال من الجنسيات الأخرى


إلى ذلك، ثمة صعوبة عامة بالاعتراف بالاتجاهات الحقيقية للأزمة الاقتصادية ولا سيما بعدها العالمي. ولا يتوقف الأمر على خطاب التيار الوطني الحر وحده. اقتصادياً، هناك تغيّر جدي وواضح في سوق العمل، وهناك من يريد أن يتصرف دائماً كما لو أن العالم يبقى مكانه، كأنّ الوعود بمحاربة الفساد، أو بالتخلص من العمال الأجانب، ستحيي الاقتصاد وهو رميم. في ثمانينيات القرن الماضي وحتى تسعينياتها، وجد الكثير من عمال العالم أنفسهم بلا عمل أو أنهم يعملون في أعمال «مؤقتة»، والحديث هنا شمل المهاجرين بعدما استنزفوا تماماً الاندماج في دولة الرعاية. حسب دراسة مطولة لفرنسوا هورستيل صادرة في آخر الثمانينيات، فإن هؤلاء لم يستطيعوا أن ينقلوا مهنهم إلى أبنائهم، ووجدوا أنفسهم أمام عالم جديد في غاية الرعب. واعتبر هورستيل الأمر مأساوياً، أي استحالة الإنسان نقل معارف مهنة معترف بها وقيمتها إلى أبنائه. بعد ثلاثين عاماً على هذه الأفكار التي ما زالت قيد البحث في العالم، ثمة من لا يريد أن يخبر اللبنانيين بكل هذا، من بين جملة تغيرات أخرى لا تحضر في النقاش عن الأزمة الاقتصادية.
وليس هذا هو المكان المناسب لإطلاق نقاش اقتصادي، لكنه المناسب للتذكير بهزالة الاستعاضة عن النقاش الجدي بالتحريض ضدّ اللاجئين. المفارقة أن « الحل» المقترح في الملصق لا يعاني من رهاب اللاجئين اعتباطياً، بل لأن هذا الرهاب يلقى الأصداء في نفوس كثيرين، ولا يجب التنصل من هذه الحقيقة، رغم أنه ـــ وقبل الحديث عنه أخلاقياً ـــ ليس حلاً مجدياً من الناحية الاقتصادية حتى. هذا الشِعار، رغم رداءة الملصق من الناحية السيميائية واستعماله رموزاً غريبة، قد يلقى قبولاً في أوساط فئة مأزومة ما زالت تنتظر المزيد من الشعارات. هذا ما يفترضه الذي كتب الشِعار والذي نشره. أما كيف تعامل اللبنانيون مع ذلك، فذلك بحث آخر.

ملصق التيار «الاحتفالي» مُستعار من صحيفة بوسنية