تتوزّع قصائد «ضمائر منفصلة» (دار نلسن)، المجموعة الشعرية الصادرة أخيراً لسلمان زين الدين، على الضمائر المنفصلة: أنا، أنتِ، هي، أنتَ، نحن، هو أو هي لغير العاقل، ومن هنا تأخذ اسمها.
الملاحظ غياب الضمير «هو»، أي الآخر، والاتصال الحميم بين بقية الضمائر وضمير «الأنا». و«أنتِ» هي المرأة الرمز: «عشتار» و«حواء»، و«هي» «كوثر» الدنيا التي ستكمل دينه، و«عناق» تعتقه من الطين الذي يحول دون التلاقي، وتحبوه بابتسامة فيقطف العناب عن شفتيها، و«أنتَ» خطاب يوجّه لشعراء كبار يعد دربه دربهم، وهم سعيد عقل، وجورج شكور وريمون قسيس، و«نحن» خطاب عن سراب الضوء وأجمل الأشياء وأسئلة عن مآل الوجود...
هذا العالم الذي يخلو من الآخر، وتغدو فيه الضمائر المنفصلة «أنوات» متصلة، يتجلّى في فضاء فنّي تشكّله عتبات المجموعة، فالنصوص ترافق بالرسوم التي خطّها أمين باشا، والإهداء له، علَّ قصائده تغنّي، كما يغنّي الربيع شذا الغصون... في هذا الفضاء المتشكِّل من شعر ورسوم وتغريد، وشذا... يثير الشاعر سؤاله: هل تنتشر هذه الرؤى بعدما طال في الضلوع انتظارها؟
في هذا الفضاء الجمالي، تطلب «الأنا»، من الزمان أن يتوقَّف، لتغنِّي ما تصرَّم من عمرها، وترى إلى الضمائر المنفصلة ـ المتصلة في آن. وأوّل أغنية من أغاني «الأنا» هي أغنية وجودها وجدواه، فهي الغيمة الآتية من البحر لتعود إليه، والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل نحن إزاء صورة من صور «العبث»، كما تقول أسطورة سيزيف؟
تجيب «الأنا»: لا، في ذلك المسار إلى البحر يكون صنيع، يحضر على صفحة الدَّهر، فالوجود ليس عبثاً كما يجعله سيد سيزيف بركلاته المتتالية، وإنّما هو مسار يوقظ أمكنة، ويزرع فجراً و... هذه الإنجازات هي ما يصنع «فتنة الدرب» التي تسبيه، فلم يعد يشغله هم الوصول وإنَّما هم «فتنة» المسار إلى الإنجاز.
الإنسان، في هذا الوجود، يخطو إلى الوصول. خطى، كلّ جسم خطوة، وإذ يموت الجسم ترحل الروح التي لا تفنى إلى جسم جديد، ترتديه غمداً. والصورة هنا واضحة، فالروح هي السيف والجسم هو غمدها، أو الروح هي الإنسان والجسم قميصها، ترتديه، وتمزقه، وتظل تفعل هذا في سعيها إلى الأصل... ولكن ما هو الأصل؟ وكم من الأجسام تحتاج لترقى إليه؟ وهل ترقى إليه؟
تبقى هذه الأسئلة مثارة، وتبقى «الأنا» تعيش غربتين عن المكان والزمان.
إن تكن هذه الأسئلة قد أثيرت، في المسكوت عنه، في عامي 2012 و2013، (القصائد مؤرخة)، فإنّها تطلق مباشرة، في عام 2014، ونقرأ: «هل سنصحو من رقاد الموت/ نختال بقمصان جديدة/ ونواري خلفها أرواحنا... / فيكون الموت جسراً.../ أم سنبقى نائمين/ تحت أجداث السنين/ فإذا ما هزَّنا/ في غفلةٍ من نومنا/ يوم النشور/ ننفض النوم عن الأجفان/ نستيقظ من كهف القبور» (ص155).
يبقى الشكّ قائماً في صدق نظرية الغمد/ السيف، أو الروح وقمصانها، ولكن اليقين يبقى قائماً في أن «فتنة الدرب»، أي درب الإنجازات، هي التي تحلّي العيش، وهو عيش «عُرتم»، وهذه كلمة منحوتة من عرس ومأتم، يقول: «وتبقى الحياة انتظاراً جميلاً/ وحزناً شفيفاً وعرساً ومأتم» (ص55).

مقدرة لغوية على النحت، والاشتقاق، فنقرأ، مثلاً، اشتقاقه فعلاً من «فينيق»

لدى الشاعر مقدرة لغوية على النحت، والاشتقاق، فنقرأ، مثلاً، اشتقاقه فعلاً من «فينيق»، بمعنى الانبعاث والقيامة «وتفينقت طائراً من رمادٍ/ وعرفت الفضاء بعد الوثاق» (ص90). ففتنة الدرب تتمثَّل في هذا «التفينق» الدائم طوال تمزُّق القمصان.
«يتفينق» الشاعر عندما تعروه حال خاصّة هي «راحة التعب»، ويؤتيها تتويجه ملكاً في عالم يسعى فيه إلى النور، ويطوف حول قناديل معلقة من الإبداع والأدب، ولم تبارح مدار النور أجنحته «حتّى استحالت فراشات من اللهب» (ص44).
وهذه هي أغنية «الأنا» الثانية، وهي أغنية فتنة الدرب المتمثلة بالإبداع المشكِّل لراحة التعب، التي تجعل الفراشات نفسها لهباً يكشف ويضيء بوصفه «سارق النار»، لا فراشات يحرقها اللهب. وهنا نلحظ توظيفاً لأسطورة «بروميثيوس» الذي تحدَّى كبير الآلهة، وسرق النار ليعطيها للإنسان.
فراشات اللهب، المؤدية دور «بروميثيوس»، في هذه المجموعة الشعرية، شعر يتبع نظام الشطرين، في الغالب، ويتبع نظام التفعيلة في عدد من القصائد، ويبدو أنّ الشاعر يتخذ موقفاً من قصيدة النثر، أو شعر النثر المتحرّر من الوزن والقافية، فينحت اسماً لهذا النوع من الشعر هو كلمة «شثر»، المنحوتة من كلمتي شعر ونثر، ففي زمن يغدو «الشعر» فيه «شثراً» يتصحّر الشعر. يقول: «في زمان تصحَّر الشعر فيه/ وغدا في المكان شثر نهير/ يصبح الشعر مثلما الماء سعراً/ في صحارى يضجُّ فيها السعير». وهنا نلحظ المفارقة، فالشعر المفروض أن يكون «فراشات اللهب» ـ «بروميثيوس» يغدو «شعراً» في صحارى يضجُّ فيها السَّعير، ما يثير سؤالاً هو: ماذا يتبقى من «فتنة الدرب»؟ في هذا الزمن يرى الشاعر، عند جورج شكور، ودربهما كما يقول واحد، «القريض المصَـفَّى خالص الأصل ما به تعكير» (ص124).
ويكرّر رأيه هذا في خطابه لريمون قسيس، فيقول: «نحن نبني للشعر مجداً أثيلاً/ وسوانا يخوض في الأرجاف» (ص131). هنا نلحظ وجود «السوى»، أو الآخر، وتميّز «النحن» منه واختلافها عنه. لكن الشاعر عندما يتحدّث عن الشعر، في موضع آخر، فيرى أنّ أجمل الشعر «هو العاصي على التعليب/ في شكل محدَّد... خارجاً يجري على المجرى/ كنهر يتمرَّد.../ فإذا ما رمت يوماً أسره/ في قصر شعر/ يهدم القصر ويصعد» (ص149).
السؤال الذي يطرح هنا هو: كيف يوفِّق الشاعر بين رؤيتين، تتمثّل أولاهما في الإعلاء من شأن شعراء اتباعيين لا يخرجون على المجرى، إلى حد القول: «يبتكر الفجر»، «شاعر القرن»، «القامة القرن»، «أمير القوافي»... تتمثّل جودة شعر هم في تجويد صياغة العبارة، أو في «تقصيب النظم»، أو في «جعل القصيدة بلّوراً أو رخاماً من النظم»، وثانيتهما في العصي على التعليب والخروج على المجرى، والتمرّد وهدم القصر...؟
قد تكون الإجابة: إنّ رؤية الشاعر تطوَّرت، فرؤيته الثانية تعود إلى عام 2014 في حين أنّ رؤيته الأولى تعود إلى عام 2012، وقد تكون الرؤية الكلِّية: إنّ أجمل الشعر ذاك الذي يبقى بعيداً مثله مثل أجمل الأشياء يبتعد كلما اقتربنا منه: «أجمل الأشياء/ ما يبقى بعيداً/ دونه خرق القتاد/ فإذا منه اقتربنا/ يمتطي مهر البعاد...» (ص147).
وإن واصل مهر البعاد جريه يواصل الشاعر اقترابه، لأنّ الأرض من دون شعر منفى. يقول الشاعر: «وحده الشعر يجعل الأرض أحلى/ من لقاء الحبيب بعد التجافي/ كلّ أرضٍ تخلو من الشعر منفى/ وبنات القريض تنفي المنافي» (ص135). وهكذا يكون الشعر «عسل» الوجود المحلِّي، وتكون الأغنية الثانية «فتنة» درب الأغنية الأولى.