يمكن القول بلا مواربة بأنّ المخرج والكاتب فادي ناصرالدين هو آخر حماة الدراما التلفزيونية في لبنان. من خلال عمله الرمضاني «بيروت واو» (مستمر منذ أربع سنوات)، يسعى المخرج اللبناني لتقديم دراما تشبه الناس، والبيئة الشعبية اللبنانية/ البيروتية، وفوق هذا قصة تقترب من حكايا الناس العاديين وقضاياهم. في المواسم السابقة، تناول ناصرالدين قضايا اجتماعية إنسانية وحتى سياسية في حلقات المسلسل الذي يبدو للوهلة الأولى سهل الصنع، إلا أنه كلما أمعنت النظر فيه، وجدت أنك أمام «سهلٍ ممتنع». إذ أنّ هذه السلاسة في الحلقات يصعب صناعتها إن لم «تضع روحك في هذا العمل» كما يشير فادي في معرض حديثه عن المسلسل. يكمل الجزء الحالي ــ الرابع ــــ من «بيروت واو» القصة من حيث تركها أبطال العمل في الجزء السابق. طلال (فادي ناصرالدين) يختلف كعادته مع حبيبته آية (ندى أبو فرحات)، فيتركان بعضهما مع جرح كبير على ما يبدو. أصدقاؤه يبحثون عنه، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليه.


يارا بوحيدر في المسلسل

يقارب المسلسل قصص أبطاله المعتادين يارا بوحيدر ورودريغ سليمان وربيع الزهر الذين يعيشون حياتهم بشكلها العادي الفطري، كما لو أنهم لا يمثلون. في الوقت عينه هم جزء من السيناريو الكبير الذي رسمه صانع المسلسل. خسر العمل بالتأكيد الكثير برحيل القدير زياد أبو عبسي أو فيلسوف الشارع وأستاذ المسرح والكاتب المعروف في المسلسل. لكن «بديل» أبو عبسي، هو المسرحي عبيدو باشا الذي تميز بشكل كبير في المسلسل، ما أعطى العمل دفعاً قوياً وكبيراً. إذ «ارتدى» الشخصية كما لو أن زياد أبو عبسي لا يزال حياً، فنفذ «الكاراكتر» من قلبه، ولم يشعر المشاهد بأيّ فراغ جراء الراحل الكبير في الشخصية. ويمكن اعتبار الدور فاتحة أمام باشا لتقديم مهاراته في بطولات أخرى. جديد العمل هذا العام الدخول في «الدراما/ القضية الفلسطينية»، وهو أمرٌ ليس بجديد على صناعه. إذ تناولوا في العام السابق الأزمة السورية من خلال أبطالٍ وقصة مرتبطين بالأزمة السورية. هذه السنة، يتناول المسلسل قصةً فلسطينية عبر حكاية كفاح (شريف البيبي) ووالدته أم كفاح (رائدة طه) اللذين يحكيان قصة من مخيم شاتيلا، متناولَين ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية. القديرة رائدة طه التي عرفها الجمهور عبر عملها المسرحي «ألاقي زيك فين يا علي»، نكتشف في ما بعد بأنها ليست والدة كفاح رغم أنها هي من ربته وتتعامل معه كما لو أنه ابنها الحقيقي. وراء هذه القصة، هناك سرٌّ كبير تكشفه حلقة من أروع حلقات المسلسل لا من خلال الكتابة فحسب، بل أيضاً من خلال الأداء الكبير لطه. أيضاً تبرز في المسلسل شخصية جديدة هي مدير شركة الإنتاج التي تتولى إنتاج وثائقيات ويعمل فيها كل من يارا ورودريغ. بديع أبو شقرا الذي يلعب هذا الدور، يرتبط في المسلسل بقصة حب مع «آية»، لكن على عادة أسلوب المسلسل تبدأ الأشياء بسرعة ثم تأخذ بالتباطؤ تدريجاً وصولاً إلى الحلقات الأخيرة لنفهم ما الذي سيحدث. من جهة أخرى، يحضر في العمل طارق باشا بديلاً عن طارق تميم. يُحسب لباشا أنه أكمل الدور، لكن على طريقته الخاصة، فلم نشعر أننا أمام الشخصية ذاتها التي قدّمها تميم، لكن بقي لدى المشاهد شعور بأنه لا يزال أمام الدور نفسه.
يقارب الجزء الحالي قصة فلسطينية وومضات من ذاكرة الحرب الأهلية


أدائياً، يمكن اعتبار المسلسل قائماً بشكل أو بآخر على أسلوب العمل الدرامي المباشر بالتصوير الحي. إذ لا نجد في العمل التعقيد الدرامي الكلاسيكي: يمثل الجميع كما لو أنهم يعيشون حياتهم فعلياً، كما لو أنهم ليسوا في مسلسل، بل في واقعهم. من هنا جاء هذا الخلط بين أسماء الأبطال الحقيقية وأسمائهم في العمل في بعض الأحيان، وهذا يعود إلى أن أسلوب ناصرالدين أقرب تماماً إلى حرفة تقديم عمل حقيقي يشبه الناس إلى هذا الحد. وهذا ما يراكم عليه المخرج عند إعداده لهذا العمل. تنجح ندى أبو فرحات في تقديم أداءٍ يختلف عن أي شخصيةٍ تؤديها في أي مكان. يمتاز دورها بشيء من «واقعية مدهشة» magnificent reality وهذا الأمر ينسحب على بقية الشخصيات. نرى مثلاً ربيع الزهر الذي لا يشبه إلا نفسه في هذا العمل، وهو كان قد أخذ من شخصيته الحقيقية الكثير، وأضاف إليها الكثير أيضاً كي تكون بهذا العمق في المسلسل: إنه شخصية تراها كل يوم وتعرفها كما لو أنها صديقك الأقرب. باختصار يمكن القول بأن جزءاً من قوة العمل هو في اختيار أبطاله/ مؤديه.
على جانبٍ آخر، يواجه العمل مشكلةً كبيرة هي في عدم حضوره على أي فضائية سوى فضائية «العربي»، وهي إلى حدٍّ ما فضائية غير مطروقة كثيراً حتى في لبنان بلد المسلسل الأم، وبلد الجمهور الذي يتوجه إليه المسلسل. وعلى الرغم من محاولة الشركة المنتجة (آرت ريب برودكشن) بنشر المسلسل حلقةً بحلقة عبر موقع اليوتيوب، إلا أن الجمهور محروم حتى اللحظة من متابعة المسلسل على قنواتٍ محلية أو أرضية. يخبرنا ناصرالدين بأنه كانت هناك محاولات في السابق، لكنها لم تنجح، لربما يحدث ذلك مع الأجزاء القادمة من المسلسل.
باختصار؛ «بيروت واو» عمل مختلف، غير معتاد، يقدم رؤية درامية خاصة يحتاج لها الوسط الدرامي لا اللبناني فحسب، بل العربي عموماً. من خلال حلقاته القصيرة (تمتد على أقل من 30 دقيقة)، يظهر الجهد الكبير الذي بذله صنّاع العمل لتقديمه بهذه الطريقة المميزة.

* «بيروت واو»: 21:30 على «العربي»