ولد والت وتمان في لونغ ايلند في نيويورك. ولو بقي حياً لبلغ سن المئتين الآن، لكنا سنحتفي بمولده في محاضرات وعروض مسرحية وحفلات موسيقية وأمسيات شعرية ودراسات نقدية جديدة. فهذا الشاعر (1819-1892) الأميركي هو وريث شعراء من أمثال هوميروس وفرجيل ودانتي وشكسبير وكل الشعراء الذين عرّفوا الشاعر على أنه الرائي، والفرد المتميز بموهبته ولغته وصوره وموسيقاه، وهو الفرد المنطلق نحو حريته، مجسداً ذلك «الحلم الأميركي» الذي تاق الإنسان إلى تحقيقه عبر تاريخ طويل من المعاناة والكفاح. ويجد ويتمان أنه لم يكن فرداً في جوقة بل شاعر يعرف «السر المثير للفضول».



احتفى ويتمان بمواضيع تغنت بالديمقراطية والطبيعة والحب والصداقة، إلى جانب مواضيع تعلقت بالروح والجمال وحتى بالموت. وواصل تطوير أسلوبه الشعري الفريد وأدهش مجايليه من الشعراء والنقاد ومنهم رالف إيمرسون الذي احتفى بالنسخة الأولى من «أوراق العشب» التي ضمت 12 قصيدة فقط في حينها حيث واصل ويتمان تنقيحها وتطويرها ليركز على مهمة بناء ورسم الحدود الأخلاقية والنفسية والسياسية لثقافة العالم الجديد. وحين اندلعت الحرب الأهلية في أميركا، قرر أن يحيا حياة «نقية» وتطوع للعمل في المستشفيات ورحل إلى واشنطن عام 1862 لرعاية شقيقه الذي جُرح في الحرب. وكان لتجربة الحرب ومعاناتها عميق الأثر في مسيرته ولغته وموضوعاته وتطلعاته لبناء عالم خال من العنف والاستغلال:
«قال طفل، متسائلاً ما معنى العشب؟
وهو يحمل عشباً ملأ يديه
كيف لي أن أرد على سؤال الطفل؟
لا أعرف معنى العشب أكثر منه
أو أظن أنه منديل الرب
هدية معطرة، وذكرى أنزلت عن عمد
تحمل اسم المالك»
في 1873، تعرض ويتمان لجلطة تسببت له بشلل جزئي. بعد أشهر رحل إلى كامدن في نيوجيرسي لزيارة أمه التي كانت تحتضر في بيت أخيه حيث بقي حتى عام 1882 ونشرت له نسخة جديدة من «أوراق العشب»، مما ساعده على كسب المال وشراء منزل في كامدن. لكنه توفي في 26 آذار (مارس) 1892 ودفن في القبر الذي صممه بنفسه وبناه على قطعة أرض في مقبرة هارلي. قضى ويتمان جلّ حياته كشاعر في كتابة «أوراق العشب» وتنقيحه حتى وفاته، ما أدى إلى إنتاج طبعات عديدة من الديوان على مدى أربعة عقود. وقد ظهرت الطبعة الأولى بكتاب صغير يضم 12 قصيدة كما نوهنا، فيما كانت النسخة الأخيرة تضم أكثر من 400 قصيدة.
تتميز قصائد «أوراق العشب» بضعف ترابطها في الديوان، إذ تقدّم كلّ قصيدة احتفاء الشاعر بفلسفته في الحياة والسعادة بالمتع الحسية في زمن اعتبر مثل هذا الاحتفاء أمراً لا أخلاقي. وفي الوقت الذي ركز فيه الشعراء الإنكليز الذين كتبوا قبل ويتمان على الرمزية والدرس الأخلاقي والتأمل في القصيدة الدينية والروحانية، احتفى ديوانه «أوراق العشب» بالجسد والعالم المادي، حيث نجد ويتمان الذي تأثر برالف إيمرسون وحركة التسامح، وهي نتاج مباشر وأثر من آثار الحركة الرومانسية، يحتفي بالطبيعة ودور الإنسان الفرد فيها. رغم ذلك، لم يهمل دور العقل أو الروح، بل نجده يسمو بالإنسان، شكلاً وعقلاً، ويرى فيه محطّ اهتمام الشعراء واحترامهم.
من حيث الشكل، أهمل ويتمان القافية أو أحكام الوزن الصارمة وطول البيت الشعري. ومن بين أشهر قصائده في هذه المجموعة، «أغنية نفسي» التي يراها النقاد جوهر رؤية ويتمان الشعرية: قصيدة جمع فيها ما بين السيرة الذاتية والموعظة والتأمل الشعري. ويكتب الشاعر في مقدمتها «أتوقف في مكان ما بانتظارك». ويرى ويتمان أن محل ولادة الشعر هي الذات الإنسانية وأفضل طريقة لفهم الشعر هي الاسترخاء ومراقبة نشاط عقل المرء.
ظلت «أوراق العشب» مجموعة مثيرة للجدل: فهي تحتفي بصور حسية صريحة، تعرّض بسببها ويتمان للنقد، لكنها نجحت في النفاذ إلى ثقافة الشعب واعتُبرت من الأعمال الأساسية في تاريخ الشعب الأميركي. يرى الناقد ميلر أن تأكيد ويتمان على «الثقافة الأميركية ساعدته في إيجاد ملحمة أميركية متميزة يمكن مقارنتها بأعمال هوميروس» (ميلر، 55) وفي ثقافة دائمة التغير، نجد أعمال ويتمان تتمتع بالتحرر من قيود الزمن، وهذا ما تواءم مع المفهوم الأميركي للديمقراطية والمساواة، «مما أدى إلى إنتاج نفس التجربة ونفس المشاعر في نفوس أناس تفصلهم قرون من الزمن» (فيشر، 66) وتشير الاستعارة المأخوذة من العشب إلى رؤية رعوية لنظرة مثالية ريفية. ويؤكد الشاعر هذه الرؤية في معظم قصائده التي تحتفي بفكرة الحرية في الطبيعة التي تكون متجسّدة في الزمان والمكان وحرية التعبير.
أثارت مجموعة «أوراق العشب» الجدل كونها مليئة بالصور الحسّية، لكنّها احتلّت مكانتها في تاريخ الشعب الأميركي


لكن الشاعر تعرّض للنقد بسبب الغلو في النزعة الوطنية الأميركية التي نجدها واضحة في «أوراق العشب» وقصائد أخرى. ويقول الناقد ناثانيال أوريلي في دراسته عن هذه النزعة في شعر ويتمان أنّ أميركا كما تخيلها ويتمان متغطرسة وتوسعية وهرمية وعنصرية، وأنّ «أميركا كهذه غير مقبولة عند سكانها الأصليين والأميركيين من أصول أفريقية والمهاجرين.....وكل أولئك الذين يؤمنون بالحقوق المتساوية» (أوريلي، 53). أمر ظلّ يواكب رحلة ويتمان في كتابة ملحمته ورؤيته لأميركا الحلم التي تناقض صورة الدولة التي تخيلها منتقدوه. ويردّ من خلال الجمع ما بين نزعة الفلسفة المتعالية والواقعية، هذه الفلسفة التي جسدها في قصائد «أوراق العشب» و«أغنية نفسي» و«آه أيها القبطان»:
«الشفتان شاحبتان وساكنتان
أبي لا يشعر بذراعي
ليس هناك نبض ولا إرادة
ترسو السفينة سالمة آمنة
انتهت رحلتها
من رحلة حافلة بالموت
السفينة المنتصرة
تدخل منجزة غايتها
امرحي أيتها الشواطئ
ودقي أيتها الأجراس»
وفي قصيدة «أميركا»، يجسد ويتمان رؤيته وحلمه بعالم يسمو فوق تفاهات الأخطاء والخصومات والهيمنة، فتكون الأم والأخت والحضن. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد مرور قرنين على الحلم، هل ما زالت هي فعلاً مركزاً لأخوان وأخوات يتقاسمون المحبة؟
«كلهم سواء في المحبة
إن كانوا بالغين أو غير بالغين، شباناً، كهولاً
أقوياء، كرماء، نزيهين، صبورين، قادرين، أثرياء
«أميركا» خالدة خلود الأرض
خلود الحرية والقانون والحب
عظيمة حكيمة متسامية
أم رؤوم في صوان الزمن»
لكن في أجمل مقارناته، يذهب ويتمان بعيداً في مقاربة الإنسان بالحيوان، حين يجد أن الحيوان مكتف ذاتياً ولا يتجاوز حاجته ولا يتذمّر كثيراً ولا يسهر في الظلام ولا يبكي بسبب ذنوبه، ولا تزعجه مناقشة واجباته تجاه الخالق!
ويمكن أن يكون الاقتباس التالي خير خاتمة للتذكير بعظمة رؤية هذا الشاعر وحداثة نظرته للشعر رغم مرور قرنين على ولادته: «نحن لا نقرأ الشعر ولا نكتبه لمجرد أنه شيء جميل. نحن نقرأ ونكتب الشعر لأننا أعضاء من العنصر البشري، والعنصر البشري مشحون بالعاطفة. ولذلك، يعتبر الطب والقانون والتجارة والهندسة وغيرها من العلوم دراسات نبيلة وضرورية لديمومة الحياة، لكن الشعر والجمال والمخيلة والحب هي الأهداف التي نحيا من أجلها» (من مقدمة كتاب «أوراق العشب»).

* أستاذ مساعد سابق، في قسم اللغة الإنكليزية، كلية اللغات ـ جامعة بغداد ـــ محاضر ومترجم فوري في مؤسسات دولية ومحطات تلفزيونية، مقيم في الإمارات. نشرت له بحوث ودراسات في الشعر المكتوب بالإنكليزية

المراجع
- Fisher, Philip, The New World, American Literature in a Culture of Creative Destruction, Harvard University Press.
- Greenspan, Ezra, ed. Walt Whitman’s Song of Myself, Rutledge, New York, 2005.
- A Study in the Romantic Drift in Whitman’s Leaves of Grass, Academia Publications.
- Nathaneal O’Reilly, Imagined America, Nationalism in Leaves of Grass, British Journal of American Studies