في أواخر السبعينات، وفيما كانت بغداد تغلق صفحات حرية فكرية قليلة ميّزت سنوات الـ 1972-1979، صدرت ترجمة مُبهرة لـ«أوراق العشب» بتوقيع الشاعر العراقي سعدي يوسف، هي الأولى من طبعات تجدّدت لاحقاً في القاهرة ودمشق بعد نحو ثلاثين عاماً. في تلك الترجمة، يؤكّد صاحب «الأخضر بن يوسف ومشاغله» أنّ «تقديم ويتمان إلى قارئنا وشعرنا في هذه المرحلة بالذات له أهمية كبرى، فهو أولاً نسمة شعرية صحية بين الكثير الكثير مما يترجم من شعر إلى لغتنا. وهو ثانياً شاعر أمة في دور النهوض، ما يقدم لشعرنا المتطلع إلى أن يكون المعبّر عن نهوضنا، أنموذجاً عالياً. وهو ثالثاً شاعر ثورة شعرية امتدت إلى أوروبا، وآتت أكلها، فقصيدة النثر ما كان لها أن تشقّ سبيلها الأوروبي لولا إسهامة ويتمان الكبرى. وهو رابعاً شاعر المحسوس والواقع المعيش والمفردة السائرة، وما أحوجنا وأحوج شعرنا إلى المحسوس والمعيش والمفردة السائرة». في الملاحظة الأخيرة، كأن سعدي يوسف كان يتصل بجوهر شعره الجميل «شاعر المحسوس والواقع المعيش والمفردة السائرة» الذي صار له مريدوه من شعراء العربية في العقود الماضية. ومن هنا بدا مدخله إلى «أوراق العشب» متصلاً بتجربته الشعرية والروحية وحتى قاموسه اللغوي الخاص، ومحاولةً منه لدرء ما لحق بالشاعر الأميركي الذي نحتفي بذكرى ولادته المئتين، لجهة تعرضه لـ «تشويهين كبيرين». الأول يتعلق بـ«أفكار ويتمان» وتمثله مراجعات ودراسات أميركية وأوروبية «حاولت أن تضع الشاعر في منزلة النبي أو المتصوف حيناً وفي منزلة الشاذ حيناً مستفيدة من شواهد في شعره ومشاهد من حياته».‏ أما الثاني، فمثلته نظرة الشاعر ت.س إليوت إلى شعر ويتمان الذي رأى أن «من غير الخسارة أن نرى أفكار ويتمان تتساقط عن أشعاره». ولكونه «شاعر المحسوس والواقع المعيش والمفردة السائرة»، قرأ سعدي يوسف عمل ويتمان انطلاقاً من «سائقي العربات والبحارة والنجارين والجنود واستطاع أن ينتقل من دار العتمة إلى دائرة الضوء مقدماً وجوههم وكلماتهم وأعرافهم وآلامهم ومباهجهم، وكان حريصاً في تقديمه هذا على أن يمنحهم جميعاً بطاقة تعريف واحدة محترمة لا نجد فيها غضاضة حين تجمع العاهر والقديس».

صحيح أن هناك ترجمات لشعر ويتمان إلى العربية، سبقت ما أنجزه سعدي يوسف، إلا أن للأخير فضلاً في تقديم صاحب «أوراق العشب» بلغة صافية رائقة محسوسة ومتداولة، لا تثقلها المرجعيات القاموسية، بل كانت مدركة لعبقرية ويتمان في إنزال الملحمة الشعرية من علو سماوي متخيل إلى نبض أرضي وحياتي مشتبك بالمصائر الإنسانية ونشدانها السرمدي للحرية. والمعنى الأخير لم يفارقه الشاعر والمترجم المصري رفعت سلّام الفائز أخيراً بـ«جائزة أبوالقاسم الشابي» عن ترجمته «أوراق العشب» كاملاً إلى العربية، فهو يرى أن ويتمان «صوت شعري فادح وفريد، يُنزل القصيدة من علياء التأمل الذهني في القضايا المجردة إلى هموم الإنسان اليومي، العابر في طرقات العالم، ليحتل هذا الإنسان قلب القصيدة، بلا منازع، بأوجاعه، وأحلامه، وهمومه». ترجمة الديوان الكامل لويتمان التي صدرت في القاهرة عام 2016 جاءت بنحو ألف صفحة، تضمنت مقدمة مترجمها الشاعر رفعت سلّام وتمحورت حول الجوانب الفنية الجوهرية في شعر ويتمان، وتفاصيل تتعلق بنهج الترجمة إلى العربية، وأردفها بثانية جاءت أشبه بـ«سيرة» للشاعر الأميركي وديوانه الوحيد المتجدد «أوراق العشب». كما احتوت على قصيدة لوركا الشهيرة «غنائية إلى والت ويتمان». ومن هنا بدا طبيعياً أن يصف سلّام ترجمته بكونها «سفر ويتمان الشعري الكامل»، بل هي لـ «قارّة شعرية بكاملها - لم يسبق أن عرفها الأدب الأميركي، ولا المكتوب بالإنكليزية عامة- تضم بلداناً وأنهاراً وجبالاً وبحاراً، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب شاعر من قبل». قبل ترجمة سلّام «الكاملة»، هناك ترجمة أخرى «جزئية» صدرت من ركن الثقافة العربية الثالث البارز، أي دمشق، وهي ترجمة الشاعر والأكاديمي السوري عابد اسماعيل لقصيدة «أغنية نفسي» لويتمان، التي يرى بعضها أنها تتضمن «فرقاً شاسعاً بينها وبين ترجمة سعدي يوسف». يومها، قال عابد اسماعيل: «حين ذهبت إلى الولايات المتحدة لإكمال دراستي، لم أكن قد اكتشفت والت ويتمان بعد، إلا من خلال الترجمات المتفرقة هنا وهناك. عشتُ لأكثر من ست سنوات في المدينة التي عاش وتربى فيها، وهي مدينة نيويورك، وخبرتُ الشوارع التي تعود ويتمان التسكّع فيها، والموانئ المنتشرة على طول نهر هدسون، التي اعتاد الذهاب إليها، بل كنت أعبر حديقة والت ويتمان في مدينة بروكلين مرّتين يومياً، ذهاباً وإياباً، في طريقي إلى جامعتي «نيويورك يونيفرستي» في مانهاتن (قلب نيويورك). واكتشفت عوالم ويتمان الحسّية، شيئاً فشيئاً، وبدأت أقرأ شعره في ضوء هذه المعايشة اليومية». وعن اختيار «أغنية نفسي» كونها تمثيلاً لشعر ويتمان، قال اسماعيل: «بعد حصولي على الدكتوراه في الشعر الأميركي الحديث، وعودتي إلى سوريا، بدأتُ أدرّس ويتمان لطلابي في السنة الرابعة في جامعة دمشق، وركّزت على قصيدة «أغنية نفسي» كونها تمثل النواة المركزية لكتاب ويتمان الوحيد «أوراق العشب» الذي أمضى الشاعر حياته كلّها ينقّح فيه، ويضيف إليه، ويحذف منه، حتى أننا نحصي تسع طبعات مختلفة منه بين عامي 1855، وهو تاريخ ظهور الطبعة الأولى، و1892، تاريخ ظهور الطبعة الأخيرة، التي عرفت بـ«طبعة فراش الموت». شرحت الأسباب التي دفعتني لترجمة هذه القصيدة في مقدمة كتابي، وقلت إنّ الترجمات التي قرأتها لويتمان لا ترتقي البتة إلى مستوى النص الأصلي، فهي إمّا ترجمة بتصرف كبير، أو محاولة لفرض صوت المترجم وأسلوبه على النص الأصلي، وفي كلتا الحالتين، نحن أمام ترجمة غير مثالية، وناقصة».