د. جورج حبش

أسس المفكر والقائد أنطون سعادة في سياق مسيرته الكفاحية، الحزب السوري القومي الاجتماعي، ذا البنيان القوي، وشيّد بناءه على ركائز الفكر والتاريخ الحضاري للمنطقة، والتي عُرفت باسم بلاد الشام، أو الساحل السوري، وأخذت بنية الحزب الصفة العقائدية، وفقاً لما تركه سعادة من تراث فكري ومعرفي لأمته، وبالتالي نعثر على النجاح الذي حققه حزبه في ترجمة أفكاره بأساليب عصرية، تستند إلى جذورها المعرفية والتاريخية، والتي تستحضر معها حياة أنطون سعادة وأثره الكبير الفاعل والقائم على مشروعه الكفاحي برمته.
ومع الذكرى المئوية لميلاد القائد أنطون سعادة، فإنني أتأمل في تراثه الفكري، كي أستعيد بوصفه صاحب رسالة حضارية أحاط بكتاباته في سلسلة متراصة لكافة مراحل التاريخ العربي. وكان متقدماً في تصديه للمشروع الاستعماري القائم على التجزئة منذ «سايكس بيكو» مروراً بـ «وعد بلفور» وانتهاء بالوجود الاستعماري الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين.
كثيرة هي الموضوعات التي كانت تشكّل نقاط لقاء مشتركة بين حركة القوميين العرب والحزب السوري القومي الاجتماعي، ومنها ما كان يؤكده سعادة باستمرار في مسألة خطورة المشروع الصهيوني، الذي يشمل كل المنطقة العربية، وليس فلسطين فقط، وهو كان يرى في المشروع الصهيوني، مشروع هيمنة وسيطرة على كل المنطقة العربية، وعلى كافة الأصعدة، عسكرياً واقتصادياً، وسياسياً، وكان سعادة قد تناول مسألة مهمة في سياق المخاطر التي تتهدد المنطقة العربية، ومنها: خطر التقسيم والتجزئة، الذي يشمل كل المنطقة العربية.
أما عن القضايا الخلافية، التي تعكسها أجواء النقاشات التي كانت دائرة آنذاك في الجامعة الأميركية في بيروت، بين مختلف التيارات فيمكنني أن أقول باقتضاب إنها تمحورت حول نقطة أساسية: هل نحن أمام مشروع قومي سوري؟! لقد حدث خلاف حول هذا الموضوع، فمن جهتنا كانت نظرتنا شمولية في موضوعة القومية العربية من المحيط إلى الخليج ومن الفرات إلى النيل، فاليمن جزء من الأمة العربية ومصر وسوريا، بينما كانت أطروحات سعادة مقتصرة على «الأمة السورية»، وهذا ما أثار نقاشات حادة. لكن التجربة دعتني لأن أرى الأشياء بإيجابية، فهناك نقاط نتّفق عليها والتي تجسدت في رؤيتنا لخطورة المشروع الصهيوني، وموضوع التجزئة، رغم كل الخلافات. وبعد ذلك تطورت جوانب اللقاء والتنسيق، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى العلاقة النضالية الطويلة التي قامت فيما بيننا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقبله في حركة القوميين العرب مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، حين تعرفت عن قرب إلى المناضل عصام المحايري في تجربة السجن، وكثيراً ما كانت تدور بيننا نقاشات فكرية أثناء الفسحة في باحة سجن «الشيخ حسن»، وبعدها تطوّرت هذه العلاقة الرفاقية، وكذلك العلاقة الطيبة مع المناضل الراحل إنعام رعد، هذه العلاقات دعتني لأختبر عن قرب العقيدة التي يحملها الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكانت لدينا نقاط مشتركة عديدة.
ومن الجدير ذكره هنا، أن الصورة النضالية التي يقدمها الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى جانب قوى الحركة الوطنية اللبنانية وانخراطه في تأسيس المقاومة اللبنانية إلى جانب المقاومة الإسلامية، ودفاعه عن القضية الفلسطينية، من شأن ذلك أن يعكس صورة نموذجية لأفكار مؤسس الحزب أنطون سعادة...
هذه الصورة التي يحفظها الشعبان الفلسطيني واللبناني في الذاكرة، لما قدّمه الحزب من تضحيات من أجل القضية الفلسطينية، وفي سبيل لبنان العربي ووحدة أراضيه واستقلاله، وأيضاً الدور الذي يلعبه الحزب في مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة، إنه حزب المفكر أنطون سعادة الذي بلغ أعلى درجات المقاومة والتضحية وقدم قوافل الشهداء، ليؤكد على قومية المعركة ضد الاحتلال الصهيوني والوجود الصهيوني في المنطقة.
ربما يأتي استذكار هذا الجانب، أي العلاقات النضالية المشتركة، في الذكرى المئوية، كمدخل إلى أنطون سعادة وأفكاره ذات القيمة الناضحة وحضورها المادي، اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وأكثر ما يلفت الانتباه هنا، هو أنه استند في أطروحاته وأفكاره إلى تاريخ أمته أولاً، وقبل أن يتكئ على أيديولوجيا بعينها.
وما يذهب إليه سعادة في فكره وعقيدته المتضمنة في خطاباته، والتي تبلورت في مفهوم الأمة السورية الممتدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ساحل الحضارات التاريخية العريقة، هي بالدرجة الأولى للحفاظ على أصالة هذه الأمة وعراقتها وتقاليدها.
ومما لا ريب فيه أن أطروحات سعادة جاءت رداً على خطة سياسية تذويب الهوية الوطنية التي انتهجها الاستعمال الغربي للمنطقة آنذاك، وما تلا ذلك من احتلال ودعم غربي للمشروع الصهيوني، وصولاً إلى زرع الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. وقد جاءت أطروحاته وفكره في الزمان والمكان المناسبين لمواجهة المشروع الاستعماري الساعي لتفتيت الأمة وتجزئتها.
ومن نافل القول هنا، إن أفكار سعادة التنويرية تبحث عن الهوية الوطنية للأمة، وعن استقلالها الوطني ووحدة أراضيها وحريتها. ما أريد أن أصل إليه، هو الإشارة إلى الواقع المؤلم الذي كان يثقل كاهل الأمة العربية، هذا الواقع الذي تمثّل بوجود الاستعمار والتقسيم والتجزئة والفقر والجهل، ومحاولات تدمير الحضارة العربية سابقاً ولاحقاً، وما لم يحققه الاستعمار الكولونيالي آنذاك، تحاول الدولة الإمبريالية الأميركية المتوحشة. وما ينادي به بعض المفكرين من مقولات زائفة مثل «صدام الحضارات» و«نهاية التاريخ» وتتبناها الدوائر الإمبريالية المسيطرة، والتي تقوم على أساس القوة لتحقيق تلك الهيمنة.
ومهما جاءت جحافل الغزو الاستعماري، فهي في المحصلة عابرة لأن البقاء للأمة العربية وللحضارة العربية، والنموذج العراقي والفلسطيني واللبناني، حاضر في هذا السياق. وهذا ينطبق على كل شعوب المنطقة، فالبقاء دوماً للأمة العربية وتاريخها وحضارتها، مهما تنوّعت أشكال الاستعمار وتجددت أساليبه، ومهما كانت الاستراتيجيات التي تلجأ إليها الإمبريالية، وخاصة الأميركية الصهيونية منها في الفترة الراهنة.
وفي جانب آخر، صاغ سعادة فكره في موضوعات شتى متنوعة، وتناول قضايا كبيرة، وخاصة الموضوع الاجتماعي، ورؤيته للمجتمع الحر. وربما من الضرورة بمكان التذكير بأن الحزب السوري أطلق عليه تسمية «الحزب السوري القومي» وأضيفت صفة الاجتماعي فيما بعد، وسعادة أبدع في هذا المضمار، في ما يخص القضايا الاجتماعية ومعنى ذلك أن أطروحاته تضمنت موضوع تحرر المرأة ومحاربة الاستغلال والفقر والجهل، ولديه أفكار ذات مضمون اشتراكي، وأيضاً محاربة الطائفية، وكان سعادة يؤكد في مفهومه بأن أي مجتمع حي، يعيش حياة فاعلة، وبالتالي عبر هذه الفاعلية يثبت وجوده وحقيقته، متناولاً قضايا الديمقراطية والحرية، وحقوق الإنسان الفرد في مجتمعه.
يحمل مفهوم أنطون سعادة للوطنية نظرة عميقة ومتجذرة، تأتي في سياق ممنهج بعيد عن المفهوم التقليدي ليصل إلى معنى مشاركة الإنسان في البناء وتحرر وطنه.
ويتجلى هذا المعنى النبيل من خلال وقفته بعز وإباء، وهو يردّد دوماً «الحياة وقفة عز للوطن». إن سعادة يريد من وراء هذا القول أن يؤكد على موضوعية الكرامة الوطنية للإنسان الفرد والمجتمع عامة.
إن فكراً يصوغه رجل مثل أنطون سعادة يكون، بلا أدنى شك، مكتملاً وناضجاً ببناء متلاحم، وهو يرى وجوديته منذ ولادة النهضة القومية الاجتماعية. وبذلك يبحث عن معاني العز والسمو والأصالة في الحياة، ويرفض الذل والهوان والظلم والاستبداد، وبهذا أسس مفهوماً متجذراً لمعنى المقاومة الوطنية والقومية.
إن أحد أهم المعاني التي يؤكد عليها سعادة هي العيش بكرامة واعتزاز، ولا تأتي الكرامة والعزة الوطنية بوجود استعباد، وهو يدعو لمحاربة العبودية داخلياً وخارجياً.
ويأتي تأكيده في هذا السياق بأن محاربة الاستعمار والصهيونية والرجعية واجب وطني من أجل الحفاظ على الحضارة ونهضة الأمة. ويبني سعادة مراهنته على حالة نهوض الأمة. حين تقود هذه النهضة مشروع التحرر نحو الاستقلال والأهداف المشروعة. وبالتالي لا أحد، ولا قوة تستطيع أن تقف في وجه ثورات الشعوب التي تشد حريتها واستقلالها ونهضتها.
كان سعادة يرفض، رفضاً قاطعاً، الطائفية أو المذهبية، وهو يؤكد دوماً على وحدة الأمة والابتعاد عن الفئوية ذات المصالح الضيقة، وينتقد السلطة الطائفية، ويدعو الشعب إلى تغييرها، ويرفض أيضاً منطق التقسيم الطائفي. وكانت أفكاره تبحث دوماً عن حق وحقوق وبصورتها الكلية غير المجزوءة والتي تحمل في مضمونها البعد الثقافي، وهي ذات زخم هائل لا سيما في تركيزه على القضايا الأخلاقية، وأريد التأكيد على هذا الموضوع، فيما نراه لدى أعضاء الحزب من المستوى الثقافي العالي، ومن الالتزام والانضباط والعلاقات، والصورة الأخلاقية المثالية.
إن الإشارة إلى المفاصل الرئيسية والهامة في فكر سعادة وفلسفته، لهو أمر في غاية الأهمية، لأن خطاباته تحمل حياة بكاملها. وليست أية حياة الحياة التي يراها في وقفة عز فقط.
إنّ وقتنا الحالي، وعصرنا الراهن، يلزمه إرادة وأداة صحيحة ومعرفة ومثل وقيم إنسانية، إذا بحثنا عنها فسنجدها لدى المؤسّس أنطون سعادة، وكذلك لدى كل المفكرين القوميين العرب، أمثال: قسطنطين زريق وساطع الحصري، وكل المناضلين من أصحاب الشأن القومي العربي، شأن العزة والكرامة والوطنية بامتياز.
تحية إلى ذكرى الراحل الكبير أنطون سعادة، في مئويته المجيدة،
تحية إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي،
حزباً عربياً مناضلاً من أجل حرية الوطن والأنسان...
المجد والخلود للشهداء الأبرار

* نشرت هذه المقالة في مجلة «فكر» ـ عدد 83 ــــ آذار (2004)