طوباك يا سورية،

طوباك أيتها العاقر بابنها البكر،
طوباك فها فتاك يحمل بيمينه مشعل الحق والحرية والنور.

■ ■ ■

كلمات تتدفق كأنها السيل الجارف من أفواه ألوف من الشبان في كل يوم وفي كل ليلة.
شبان، وحدت الغاية الكبرى غاياتهم وعانق الحلم الأعلى جميع أحلامهم، وتلاشت جميع مبادئهم في مبدأ واحد عام «سورية للسوريين».
شبان، تبارك الشباب. تباركت هذه الوجوه العالية النبيلة، تباركت هذه الدماء الطاهرة النقية.
شبان يؤمنون بأن لهم في الحياة حقاً، فيسعون إليه بجرأة وأخلاق، صفوفاً، وراء زعيم جريء مخلص يعرف ما يريد ويريد ما يعرف، ويؤمن بنفسه وبإخوانه، إيمانه بالرسالة الكبرى التي يحملها الى الأمة السورية.
كلمة تتكهرب لها قلوب أعضاء الحزب السوري القومي كأنها القوة تجري في مفاصلهم، أو انتفاضة من المجد والنور ترفع جباههم عن عتبة الشحاذة والذل والسكنة التي مرغت كبرياءهم على ترابها الأسود طوال أجيال عديدة.
ثورة بيضاء انبثقت من قلب هذا الجبل الأبيض، من جوار صنين من تحت أظلال الصنوبر.
ثورة تريد أن تهدم أباطيل الجهر والخرافات التي عششت في زوايا عقول الموتى، وتمحق خرافة التاريخ اللعينة التي خيمت على أدمغة الرجعية في هذه البلاد.
ثورة تحاول أن تنظف هيكل الحياة المقدس من أوساخ العقائد البالية والمبادئ، المتفسخة المشلولة، وتحطم الأصنام البلهاء، الموبوءة التي نصبها الخوف والجبانة آلهة في كل قرية وفي كل مدينة.
الزعيم روح كبيرة جبارة، من تلك الأرواح النبيلة التي تظهر في فترات من الزمن، تحمل رسالتها الى أبناء جنسها، لها مثلها الأعلى في الحياة وفي سبيل هذا المثل تكافح، وتعمل وتضحي.
الزعيم،
وثبة عنيفة، قوية في عروق هذه الأمة الغافية منذ آلاف السنين عن بوابة الاستعطاء تستجدي أكف المحسنين من عابري الطرق.
هذه الأمة الآكلة خبزها معجوناً بالدمع والدماء، الشاربة خمرها في كؤوس من التراب الأسود.
هذه الأمة التي تقدس ألف وثن مذهب، وتؤلّه ألف مسخ مذنب وتعبد ألف إله كاذب.
الزعيم،
رجولة صحيحة، كاملة.
رجولة تحترم نفسها، وتؤمن بحقها وتعمل في سبيل هذا الحق.
رجولة تعرف كيف تعمل، وكيف تضحي وكيف تحافظ على هيبتها حتى في أشد المواقف خطورة.
رجولة لا تلين إلا أمام الحق، ولا تشتغل إلا في سبيل الحق.
رجولة ــــ بكل ما في الرجولة من معنى واسع شامل، فزعيم الحزب السوري القومي رجل بأخلاقه العالية، رجل بعقائده ومبادئه، رجل بإرادته الحديدية، رجل بجرأته وإخلاصه وتفانيه، هو رجل ــــ وما أندر الرجال.
الزعيم،
صوت حق صارخ: أعدوا طريق أمتي بين الأمم صوت فتى شاب يهيب بإخوانه الشبان قائلاً:
يا إخوتي، يا أبناء أمتي الشبان: أنتم ملح الأرض، فإن فسد الملح فبماذا يملح؟
أنتم نور الغد، فلا تحولوا نفوسكم الى ظلمة كالحة.
أنتم جداول صافية عذبة تسير بقوة الى بحرها الكبير، فلا تكونوا في الغد مستنقعات موبوءة تأويها الديدان وتفور منها القذارة.
إن الشجرة المباركة التي أنتم بعض أغصانها لن تقدم ثمارها باستحقاق على مائدة الجهاد المقدس، إذا لم تكن ثماراً نقية طاهرة، بل تكون طعاماً لمزابل الحياة الكثيرة.
لا تخافوا الأفاعي الكامنة في كل معبر، ولا تركنوا إليها وإن تكن ناعمة الملمس، معسولة جدابة فهي شريرة.
الزعيم،
جبهة عالية نبيلة ترتسم عليها خطوط واسعة عميقة تتجلى فيها معاني التفكير الصحيح وتنتهي الى ما بين الحاجبين بتقطيبة فيها شيء كثير من هيبة الرجولة وعنفوانها.
عينان عميقتان شعشاعتان تنفرجان بين الآونة والأخرى عن أهداب طويلة تنبثق من خلالها نظرات مهيبة تشع فيها الثقة بالنفس والإرادة الوثابة والصراحة المخلصة الجريئة.
عينان تعلنان بوضوح أسرار تلك النفس الجبارة وتكادان تبوحان بما في تلك النفس من معان وأسرار وقوة وهيبة ورجولة وأخلاق وجرأة وإيمان.
أنف يستنشق الهواء بكبر فكأن صاحبه يحاول أن يقول:
* ادخلي ادخلي يا زوابع الحياة بكل ما فيك من بركات، ادخلي ادخلي بكل ما فيك من ويلات، ادخلي ادخلي أيتها الزوابع المقدسة فستجدين في صدري ألف عاصفة وألف زوبعة تزمجر بألف حنجرة وتعصوصف بألف لسان. ادخلي ادخلي فهنا مأواك.
شفتان تحيران بين ابتسامة مبهمة عميقة إذا رضيتا، وبين عبسة عنيفة إذا غضبتا، وبين الابتسامة المبهمة والعبسة المرة يحاول زعيم الحزب السوري القومي أن يشرح نظرياته ومبادئه وعقائده، وهو يحاول أن يقنع عقلك قبل أن يقنع عاطفتك لأنّ الأمم تحيا على العقول أكثر منها على العواصف وأنت بين هذه الابتسامة الحائرة وهذه التقطيبات القاسية تصغي بعقلك وعاطفتك، بعينيك وبقلبك فلا تخرج من الاجتماع إلا ورأسك ملآن وعاطفتك مكتفية.
تخرج وأنت تردد في عقلك وقلبك هذا رجل هذا رجل.
صدر مرتفع رحب كأنه قدة من صخور هذا الجبل، يحدثك عن رجولة زعيم الحزب السوري القومي.
صدر قائد جريء مخلص يتقبل ويلات الحياة بشجاعة، ويرى أنّ من الجبن أن يدير ظهره للعدو. قامة تتراوح بين الطول والقصر، لكنها منتصبة دائماً كالرمح. خطوات جريئة، سريعة، عسكرية منتظمة، خطوات قائد مخلص يسير دائماً الى الأمام.
■ ■ ■

عرفت عندما كان الحزب ضباباً في دماغه، فأحسست بأنه من خلال ذلك الضباب سينبثق فجر الإيمان الحقيقي، فجر النور والحق والعقيدة، ولمست من نبرات صورته الموسيقية أصداء زوبعة بعيدة تزمجر في صدره وشعرت بإيمان جديد يتسرب من روحه الى روحي فيعانق كل كياني، ماضي وحاضري ومستقبلي.
في تلك الساعة ولد إله جديد قوي في قلبي، وماتت آلهة.
وكنت ألتقي به دائماً وفي كل ليلة منفرداً في زاوية مختفية من زوايا مطعم حداد في رأس بيروت، فيدفعني قلبي إليه، ولتلك الزاوية فضل كبير عليّ، فضل لن أنساه الى الأبد، كما أّن لها الفضل الأكبر على أكثر شبان الحزب.
من تلك الزاوية انبثق إيماني الجديد. إيماني بنفسي وبقضيتي وببلادي.
الإيمان... الإيمان... ما أعظم الإيمان.
بالإيمان شفى الناصري الأعرج والأبرص والأبكم، وبالإيمان أقام الميت.
بالإيمان وحّد محمد الجزيرة بعدما كانت أفخاذاً مشعبة.
بالإيمان يعمل غاندي في الهند.
بالإيمان تعمل ملايين من البشرية المتألمة.
بالإيمان ينتقل الجبل الى البحر.
بالإيمان يعمل الحزب السوري القومي.
بالإيمان... الإيمان... تبارك المؤمنون.

* «المعرض» ــــ العدد السابع والأربعون ــــ 25 شباط (فبراير) سنة 1936

** سكرتير الإذاعة سابقاً