أسباب ثمانية تدعو قومياً عربياً مثلي أن يحرص على إحياء ذكرى إعدام مؤسس الحزب السوري القومي أنطون سعادة في الثامن من تموز كل عام...

أولها: الشجاعة ورباطة الجأش غير العادية التي قابل بها سعادة رصاص الإعدام، وهي شجاعة حقيقية لا يتمتع بها إلا من كان مؤمناً بعقيدته إيماناً عميقاً، فيستحق احترام الجميع البعيد قبل القريب.
ثانيها: أن من يعتبر أنّ فلسطين بوصلته والعدو الصهيوني عدوّه الرئيسي ويحذّر مبكراً من الخطر الصهيوني، معتبراً أنّ الصراع معه صراع وجود لا صراع حدود... ويترجم القوميون الاجتماعيون هذا الفكر عبر مشاركة في حرب فلسطين عام 1948 ثم في إطلاق المقاومة الوطنية اللبنانية عام 1982... يستحق أن نتذكره كل يوم....

يخرج من الطائرة في مطار بيروت 2 آذار 1947()

ثالثها: أنّ الحزب الذي أسسه سعادة، ورغم مضي 68 عاماً على استشهاده، ما زال حاضراً بقوة في حياة لبنان وسوريا وصولاً إلى فلسطين ويسهم أعضاؤه في حمل لواء النهضة والوحدة في مجتمعاتهم بوجه أعداء الخارج والداخل.
رابعها: أنّ المدرسة الفكرية القومية العربية التي أنتمي إليها تعتبر الالتزام بالمشروع النهضوي العربي، بغض النظر عن الخلفية العقائدية للأفراد أو الأحزاب أو الحركات أو الجماعات، هو المعيار الحقيقي للاقتراب أو الابتعاد عنها، وسعادة مفكّر ومناضل نهضوي بكلّ المعايير.
خامسها: أنّ العروبة الحضارية الديمقراطية التي أؤمن بها لا تنكر وجود انتماءات قومية أو وطنية أقل اتّساعاً منها، أو انتماءات دينية أو إنسانية أوسع منها، بل تعتبر نفسها تسعى لأن تكون تكاملاً وواسطة عقد بين هذه الانتماءات جميعاً، والاحتفاء بمؤسس مدرسة فكرية سورية قومية هو تعبير عن هذا التكامل.
سادسها: إنني من الذين يعتقدون أن الفكر الوطني أو القومي، أياً كانت دائرة اتساعه، هو ضمانة وحصانة بوجه الزلازل الطائفية والمذهبية والعنصرية التي تعصف بأمتنا. فالفكر القومي يركز على الدولة المدنية والمواطنة العابرة لحدود كلّ أشكال التمييز، وبالتالي هي الردّ الفكري والثقافي على موجات الغلو الديني والتطرف الفكري والتوحش السلوكي، خصوصاً إذا حصّن هذا الفكر نفسه بالتراث الروحي للأمة، وبالفهم العميق لخصوصية المكونات الاجتماعية والإثنية التي تتشكّل منها مجتمعاتنا، وعبّر في ممارسته عن روح العدالة والحرية وحقوق الإنسان، وإعدام سعادة إثر محاكمة صورية هو انتهاك فاضح لهذه القيم..
سابعها: لقد آن الأوان للتحرّر من أسر صراعات الماضي العبثية بين تيارات الأمة، على تنوّعها وتباعدها الفكري والسياسي، بل داخل كل تيار وكل حزب، وأن ندرك جميعاً أننا ما زلنا في مرحلة التحرر الوطني والقومي التي تتطلب رصّ الصفوف بين كل من يعمل من أجل تحرير الأرض واستقلال الوطن، والقوميون الاجتماعيون في طليعتهم...
ثامنها: أنّ أمتنا تحتاج اليوم أكثر من أي وقت إلى ثقافة الإنصاف والروح الموضوعية في تقييم القادة أو الحركات أو التجارب لكي نطور الإيجابي فيها ونتخلّص من السلبي.. وهذا لا يتجلى إلا حين يقوم الواحد منا بإنصاف موضوعي لمن ينتمي إلى مدرسة فكرية أو خط سياسي مختلف...
ألا تكفي هذه الأسباب الثمانية لكي نحيّي رجلاً سعى بكل ما يملك لأن يكون باعث نهضة في بلاده فتم إعدامه مظلوماً وهو لم يكمل الخامسة والأربعين من عمره....