في حمى الاصطراعات التي ضربت لبنان في سبعينيات القرن الماضي، بعوامل داخليّة مدفوعة بأخرى خارجيّة، يتصدّرها العامل اليهوديّ العدائيّ باجتياحاته المتكرّرة، وما رافقها من تداعياتٍ مدمّرة على الصعيدين النفسيّ والماديّ؛ في هذا الوضع المأزوم والمحموم والمشتعل كنّا، نحن الشباب، في قلقٍ على مصيرٍ آمنّا بقدرة شعبنا على تحقيق الأفضل له بوهجٍ من فكر المعلّم القائد أنطون سعادة، كما كنّا في غليانٍ ضاغط إزاء ثقل الأزمة وتأثيراتها.

آنئذٍ كنّا نرتادُ محجّات الكبار في الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كنّا وما زلنا أعضاء فيه، للوقوف على مجرى الأحداث والرؤى التي يستشرفون بها الآتي، وكم كانت اللقاءاتُ مثمرةً وتخفّف من وطأة المجريات الدامية. وكم كان الشغف لها يزداد مرّة بعد أخرى؛ ومن اللّازم والمفيد أن نضع أمام الجميع لازمةً كان يردّدها أحد هؤلاء الكبار، ويدعونا إلى الالتزام بها: «حين تشعرون بالقلق اقرؤوا سعادة». لم نرتقِ بدايةً إلى مستوى فهم مضمون الدعوة، لكنّ التجربة والاختبار اليوميين قرّبانا أكثر فأكثر من فعلها العملي، ولأنّ سعادة بات زادنا اليومي، بدأت حدّة الغليان والقلق تخفّ، وحلّ محلّها اطمئنان اليقين؛ وفي اليقين أنّ واقع فكر سعادة المعبّر عن حقيقة الأمّة السوريّة هو الكفيل بتثبيت دعائم العِمارة النهضوية مهما طال الزمن.
نقول هذا، ونحن على ثبات المؤمنين بفكره نراقب وندرس ونحلّل ولا نجد سوى هذا الفكر طريقاً للخلاص وتحقيقاً للمبادئ، الرافعة الحقيقية للنهوض القومي الحقيقي. وهذا ليس من باب التخيّلات والتصوّرات، بل من صميم التدقيق في كل ما جرى ويجري، ووضعه على محكّ العقيدة القوميّة الاجتماعيّة، التي يسري عليها ما يسري على كلّ ثابت منقذ مقارنة بكلّ طارئ عابر.
فالفكر القومي الاجتماعي، بثوابته هو المنقذ من كلّ التعثّرات والتخبّطات والفوضى في مختلف شؤون الحياة، وهو خارطة طريق الإنقاذ التي باعتمادها فقط خلاصٌ لمجمل كياناتنا السوريّة من كلّ ما تعاني منه:
الثابتة الأولى في هذا الفكر تُختصر في ضرورة تطبيق المبادئ على مساحة الوطن السوري، إذ لا يمكن تحقيق المبتغى في جزء أو أجزاء منه دون سواها، فـ «قضيّة الأمّة قضيّة واحدة، فإذا لم نعِ إلّا جزءاً واحداً منها، فلسنا قائمين على أساسٍ صحيح وليست خططنا صحيحة يمكن أن تنقذ المصير القومي... نحن نقوم بقضيّة كليّة واحدة لا بقضايا جزئيّة» (سعادة 16 أيّار 1949).. فالوحدة الجغرافية في تنوّع إمكاناتها هي التي مكّنت وتمكّن الأمّة السوريّة من تحقيق منجزاتها الرائدة المميّزة واحتضانها وإطلاقها في كلّ أرجاء العالم.
الثابتة الثانية: إنّ «الأمّة السوريّة مجتمعٌ واحد»، والأمّة الواحدة في المجتمع الواحد هي القاعدة الصحيحة الثابتة للوجود القومي، ذلك أنّ التجزئة في المجتمع الواحد تعرّض الأمّة لخطر الوهن والانحلال؛ ولكي تبقى الأمّة محافظة على سلامة صحّتها وتطوّرها التصاعدي يجب أن تكون في مجتمع واحد، في وحدة حياةٍ على أرض الوطن الواحد.
ووحدة المجتمع تعني وحدة المصالح في وحدة الحياة السوريّة التي هي ملك للسوريين وحدهم لا شريك لهم فيها. وفي هذه الثابتة تنتفي كلّ عناصر التفرقة والتجزئة بشريّاً وجغرافيّاً. وفيها كذلك تترسّخ قضيّة الأمة الكبرى المنبثقة من واقع حياتها وتخدم هذه الحياة، بالتالي فمن البديهي أن تكون هذه القضيّة مستقلّة عن أيّ قضيّة أخرى، لأنّ اختلاطها بقضايا أخرى يعرقل سبيل نهوضها.
الثابتة الثالثة تتعلّق بتنظيم الاقتصاد القومي الذي يعاني من فسادٍ ومزاجيّة ومنفعيّات فرديّة أو مجموعيّة، وتنظيمه الصحيح والفاعل يكون على أساس الإنتاج وهي الطريقة الوحيدة لإيجاد «التوازن الصحي بين توزيع العمل وتوزيع الثروة». والقاسم المشترك بينهما أن يكون كلّ سوريّ منتجاً بأيّ طريقة من الطرق على أن يصنَّف الإنتاج والمنتِجون، ويتمّ «ضبط التعاون والاشتراك في العمل على أوسع قياس ممكن».

القاعدة الاقتصادية التي أرساها سعادة هي «إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج»


وحين يتمّ الالتزام بهذا الأساس الاقتصادي، ينتفي التصرّف الفردي الذي يشكّل أحد الأسباب الرئيسة لتقهقر الشأن الاقتصادي.
وفي هذا الحدّ من التصرّف الفرديّ أو المجموعي ولوجٌ إلى عالم تحقيق العدالة بين إمكانيّات المجتمع السوري، وإسقاطٌ لكلّ أنواع الاصطراعات الهدّامة وفي مقدّمها الاصطراع الطبقي.
مختصر القول في الناحيّة الاقتصادية أنّ القاعدة التي أرساها سعادة «إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمّة والدولة» هي القاعدة التي تقدّمت وما زالت على كلّ الحلول الاقتصاديّة التي اعتُمدت ولم تؤدِّ إلَّا إلى نتائج قزميّة.
الثابتة الرابعة ضمانة الأمن القومي: في دائرة الشمول العقائدي، لا يستوي أمر الشؤون الحياتية على اختلافها وتكاملها إلا إذا تمّت صيانتها وضمانتها محافظة عليها وعلى استمراريتها وتطوّرها تصاعديّاً. فهذا يتطلّب جيشاً قوميّاً قويّاً «يكون ذا قيمة فعليّة في تقرير مصير الأمّة والوطن»؛ وقد أثبتت الوقائع الميدانيّة، على الرغم من جزئيةّ المعتمَد، أنّ الجيش المنظَّم والمعَدّ إعداداً نفسياً وعسكريّاً هو القادر على تحقيق الانتصارات، في وجه قوى معادية تمتلك من العدّة والعديد ما لا يفسح مجالاً للمقارنة، وهنا نسأل: ماذا لو اعتُمدت الأسس والقواعد التي وضعها سعادة؟ ألا تكون النتيجة الحتميّة انتصاراً بأقلّ خسائر وبأقصر وقت؟!
الثابتة الخامسة: فصل الدين عن الدولة، هذا الفصل ضرورة ملزمةٌ كون تعلّق المؤسّسات الدينية بالسلطة الزمنية يشكّل العقبة الكبرى أمام تحقيق الوحدة القوميّة، ويسيء إلى جوهر الدين كقيمة اجتماعية بانية. ولا مندوحة في أن الواقع العملي خير دليلٍ على ما صوّب عليه الزعيم.
هذه الثوابت الخمس، مع أخرى غيرها، لم نتطرّق إليها التزاماً بما حدّدته الصحيفة، تؤكّد بما لا يقبل الشكّ أنّ عمليّة الاغتيال ـ الجريمة لم تتمكّن من اغتيالها وإن أثّرت على وتيرة تنفيذها، وأنّها كلّها ما زالت الطريق الوحيدة لخلاص المجتمع السوري من معوّقات نهوضه.