تميّز القوميون، العرب والسوريون، عن غيرهم من قوى التحرر الوطني المعادية للسيطرة الاستعمارية، بإدراكهم العميق للصلة الوثيقة بين هذه السيطرة وبين تجزئة المنطقة إلى دول قطرية وزرع الكيان الصهيوني في قلبها. تقاسم المستعمرون بلاد الشام وغيرها من بلاد العرب وحولوا الحدود المصطنعة فيما بينها إلى حدود دائمة، تواجه أي دعوة أو محاولة لإعادة النظر فيها وتجاوزها نحو وحدة أو اتّحاد، حتى بين بعض أجزائها، بحرب لا هوادة فيها. عرف المستعمرون من جهة، والقوميون من جهة أخرى، أن الاستقلال الحقيقي، والتنمية والنهضة، ونيل شعوبهم حقها في تقرير مصيرها واحتلال مكانتها التي تستحق في العالم، مشروطة جميعها باستعادة وحدتها. منع الوحدة بالتهديد والوعيد المباشر أو غير المباشر، أو بالقوة، كان وما زال أحد ثوابت استراتيجيات القوى الاستعمارية والإمبريالية الغربية لإطالة أمد أو تأبيد سيطرتها. وبقي النضال من أجل الوحدة والخروج من أسر الكيانات القطرية الضيقة وغير القابلة للحياة، ـــ أثبتت التطورات اللاحقة مدى صحة هذه الرؤية ــــ أحد ثوابت القوى والتيارات القومية، رغم فشل المحاولات الوحدوية، والأخطاء، وحتى الجرائم، التي ارتكبتها بعض الأنظمة التي حملت رايتها.


خلال زيارة طرابلس، في العام 1948

أنطون سعادة كان أولاً وأساساً مناضلاً في سبيل وحدة بلاد الشام، سوريا الطبيعية، كرّس حياته وجهده الفكري والسياسي من أجلها باعتبارها شرطاً لا بدّ منه من أجل الاستقلال الحقيقي والنهضة. لم يكن الإصرار على مركزية هدف الوحدة ينطلق من حنين ماضوي إلى أمجاد غابرة، بل من قراءة دقيقة للواقع الدولي الذي صاغته سياسات الغزو والتوسّع والهيمنة الغربية تجاه بقاع واسعة من جنوب العالم، باتت مستعمرات وأشباه مستعمرات مستباحة. سعى سعادة كغيره من المناضلين المعادين للاستعمار في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، إلى بلورة نظرية عمل للانعتاق من نير الاستعمار والتحرّر. جميع الثورات التي وقعت في هذه البقاع، بمعزل عن الرايات التي رفعتها، شيوعية كانت أو اشتراكية أو وطنية، كما حصل في الصين والهند والفيتنام والأرجنتين وأندونيسيا وماليزيا وإيران وكوبا والكونغو ومصر والجزائر وغيرها من بلدان الجنوب، كان هدفها الرئيس، قبل أيّ هدف آخر، الخلاص من الاستعمار وبناء دول وطنية مستقلة. ربما لم تنجح هذه الثورات في تشييد نظم اشتراكية مثالية أو ديمقراطيات نموذجية، لكن غالبيتها تمكّنت من إنجاز المهام القومية الرئيسية التي قامت أصلاً من أجلها. الذين درسوا سيرة أنطون سعادة بموضوعية، لفتوا إلى تأثره بتجربة الجنرال خوان بيرون الوطنية في الأرجنتين، وبتجارب وطنية أخرى في أميركا اللاتينية، مناهضة لهيمنة الدول الغربية والولايات المتحدة. وقد كانت أميركا اللاتينية، بسبب خصوصية تجربتها مع الاستعمار الغربي، مختبراً للعالم الثالث، طبّق فيها هذا الاستعمار استراتيجيات الاستتباع السياسي والاقتصادي، قبل اعتمادها في مناطق أخرى منه. وهي كانت أيضاً مهداً لبعض أولى ثورات التحرر الوطني والدعوات للتوحيد القاري منذ القرن التاسع عشر، كما تشهد على ذلك تجربة سيمون بوليفار مثلاً.
منذ تلك الحقبة، ارتبطت معارك التحرر الوطني بالتطلع إلى وحدة القارة في مواجهة الإمبريالية، حمله العديد من قادتها الثوريين، من تشي غيفارا وفيديل كاسترو إلى هوغو تشافيز وإيفو موراليس. يفضل أعداء وخصوم القوى القومية، العربية أو السورية، من «باحثين وأكاديميين» غربيين، وليبراليين محليين، تجاهل هذا المعطى، أي تأثر القوى المذكورة بالتجارب الوطنية في جنوب العالم، والتأكيد على صلة رحم فكرية وسياسية مزعومة، تتفاوت درجاتها فيما بينها، مع الفاشية والنازية. هذه التهمة لم تستند إلى وقائع ملموسة تبرهن عن صحتها. تعريف سعادة للأمة السورية، على سبيل المثال، لا يمتّ بصلة إلى تلك التي قدمها الفاشيون والنازيون للأمة على أنها جماعة عضوية، امتداد للقبيلة بمعنى ما، تقوم على رابطة الدم وتتميز بالنقاء العرقي. وهو لم يبشر بحتمية استعمار الأمة السورية لغيرها من الأمم باسم «المهمة الحضارية» أو لاكتساب مدى حيوي، كما فعل الكثير من أبرز المفكرين الغربيين الليبراليين والقوميين على حدّ سواء خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. الخلفية الفكرية الفعلية، بالإضافة إلى الخلفيات السياسية البديهية، التي تفسّر كيل مثل هذه الاتهامات للتيارات القومية من قبل الغرب، وأبنائه غير الشرعيين فيما بيننا، هو عدم تبني هذه التيارات للسردية الغربية السائدة عن التاريخ العالمي، وبشكل خاص عن الحقبة التي تتعلق بالحرب العالمية الثانية.
تأثر بتجربة الجنرال خوان بيرون الوطنية في الأرجنتين، وبتجارب وطنية أخرى في أميركا اللاتينية

فأحد المرتكزات الأيديولوجية المركزية للنظام الليبرالي العالمي ـــ كما يسميه أتباعه ـــ الذي «شيّد» بعد هذه الحرب، هي أنّ قواه حالت دون انتصار «الشر المطلق» الممثّل بالنازية والفاشية على النطاق الدولي، وأنقذت بقية شعوبه منه. الشر المطلق بالنسبة لغالبية شعوب الجنوب مثّلته الدول الاستعمارية المسيطرة آنذاك، أي فرنسا وبريطانيا، التي نكبت بالمعنى الحرفي للكلمة البلدان التي خضعت لها. بل من الممكن القول، إذا نظرنا للتاريخ من منظور عالمي، وليس من منظور أوروبي مركزي، أن صعود النازية والفاشية، وما أدى إليه من حروب بينية أوروبية وإضعاف للدول الاستعمارية الرئيسية، شكل تطوراً إيجابياً بالنسبة إلى شعوب الجنوب لأنه فتح نافذة فرص أمامها للتحرر من سيطرتها. الخلفية الفكرية - السياسية الأخرى لهذه الاتهامات هو موقف سعادة الجذري من إسرائيل والحركة الصهيونية. فعداؤه الجذري للمشروع الكولونيالي الاستيطاني والاحتلالي، الذي يحتل مكانة أساسية، أيديولوجية بقدر ما هي استراتيجية، في سياسات الغرب وخطابه السائد، هو السبب الفعلي لاتهامه وغيره من القوميين بـ «العداء للسامية»، على الرغم من أن هذا العداء كان منتجاً فكرياً وسياسياً غربياً صافياً، ارتبط بسياقات تاريخية واجتماعية-سياسية لا علاقة لشعوب الجنوب بها لا من قريب ولا من بعيد.
ما زال تحدّي التجزئة والسيطرة الإمبريالية، والتحدي الصهيوني، اللذان سعى أنطون سعادة للتصدي لهما، أبرز التحديات التي تواجهها الشعوب العربية. ولن تستطيع هذه الشعوب صياغة مستقبل أفضل إلا بشرط التغلب عليهما