يمثل الزجل صفحة مشرقة في كتاب التراث الثقافي اللبناني. لطالما تربّع الزجالون على عرش الذاكرة الشعبية، وتماهوا مع تطلعات البسطاء حتى غدوا عنواناً للجميل من أحاديثهم، وموئلاً لذاكرتهم الجامعة. قد تجد لبنانيين كثراً لا يتذكرون أسماء بعض سياسيّيهم وأعلامهم، لكن يندر العثور على واحد منهم لم يحفظ مطالع وافتتاحيات لزغلول الدامور وزين شعيب وسواهم من أهل الزجل. أناس قدموا من المألوف ليحترفوا صياغة الدهشة النقية في رحاب مجهول غمرته البهجة الساحرة. رجال تراقصت الدفوف بين أناملهم طويلاً على وقع صياغة موزونة ومقفاة. وكان أن ابتدعوا كلاماً يصاغ بمفردات عادية لكنه سرعان ما يكتسب نكهة الدلالة الآسرة.

يمثّل شربل كاملة أحد العلامات الفارقة للزجل اللبناني بصيغته الراهنة. شارك في برنامج «أوف» (2010) الذي رعاه الشاعر موسى زغيب على شاشة تلفزيون «أو. تي. في» ليحرز المرتبة الأولى و«الدفَّ الذهبي» في تقييم لجنة التحكيم.. ولتكرسه الذائقة الشعبية المتلقية بوصفه لحظة متفلتة من زمن الماضي الجميل. يقول الشاعر الذي أعاد، مع رفاقه، للدفِّ هيبته وسطوته، إنّ عجينة الزجل الحالي اختمرت بإرث أركانه السابقين. ويجزم أنّه ما كان له كزجال أن يحتلّ مكانته في أذهان المتابعين وأفئدتهم لولا أنه استوعب وتمثل «مرجلة» زين شعيب، ورهافة طليع حمدان، ووجدان خليل روكز، وعنفوان موسى زغيب، ورقة زغلول الدامور، وبلاغة أسعد سعيد، وسلاسة خليل شحرور، ودهشة إدوار حرب، وعبقرية سواهم مما لم تسعفه الذاكرة بأسمائهم.
من موقعه كشاعر ورئيس لـ «جوقة العمر»، يقول شربل كاملة إن الزجل يشهد اليوم عصره الذهبي، فالقائمون على منبره بمعظمهم من المتعلمين المثقفين الذين يمتلكون خاصية المعرفة بمحاذاة عفوية الموهبة، وهم لذلك لا يكتفون بما أخذوه من الأسلاف، بل يحرصون على وضع بصماتهم الخاصة باحترافية واقتدار. شعراء اليوم «يدركون جيداً حجم المسؤولية الإبداعية الملقاة على عواتقهم، ويعلمون جيداً أنه يجدر بهم أن يمثلوا الورثة الشرعيين لأولئك العتاق الذين امتلكوا حيزاً واسعاً من الوجدان الجماعي، كما يتعين عليهم أيضاً أن يمثلوا إضافة يعتدّ بها إلى الكثير الذي يختزنه ذلك الوجدان». يوافق كاملة على التمييز بين الزجّال وشاعر المحكية. يتمتع الأول بقابلية للارتجال في حين يمتلك الثاني خاصية التعمق في الصياغة الشعرية. لكنه يشير إلى نقطة تمايز في الزجل المعاصر من شأنها تجسير الهوة المعرفية بين أبنائه وبين شعراء المحكي المتّسمين بقدر من النخبوية. معظم الزجالين حالياً من حملة الشهادات العلمية العالية، ما يعني تقلص المسافة الثقافية بينهم وبين شعراء المحكية عن مثيلتها في الزمن حيث كانت الأمية سمة سائدة بين أهل الزجل.
ثمة عامل مؤثر آخر يلقي بظلّه على مسار الزجل راهناً يعيده كاملة إلى الأثر الفادح الذي تركته الحرب الأهلية على مسار الشعر الزجلي. كان متعذراً على تلك المرحلة الصعبة أن تزخم الحراك الزجلي، فشهد الزجل حالة من الانقطاع حتمت على شعرائه الحاليين أن ينهضوا بمهام إعادة التأسيس، مما جعل دور الزجال مركباً: من ناحية هو معني بأن يكون استمرارية لرواد سابقين، ومن ناحية أخرى عليه أن يضطلع بدور منصة إطلاق لنهضة زجلية مواكبة للعصر، وهو استحقاق مضن أمكن لأهل المنبر الزجلي أن يفوا به عن جدارة.
في جديد شربل كاملة إعلانه عن إقامة 31 حفلة (في مناطق وبلدات لبنانية عدة)، ضمن تحدّ زجلي على مدى 31 يوماً من أيام شهر آب (أغسطس) الحالي، أي بمعدل حفلة في كل ليلة. هو بذلك يكسر الرقم القياسي الذي حققته «جوقة القلعة» بقيادة موسى زغيب حيث أقامت عام 1973 تسعاً وعشرين حلقة في الفترة نفسها. هذا الفيض الشعري لا يحتمل ـــ بحسب محدثنا ــــ فرضية التحول إلى تكرار ممل لأفكار متماثلة بالرغم من الوفرة التي يتسم بها. الشاعر الحقيقي هو بحر ـ بحسب شربل ـ وليس من المنطقي أن نخشى نضوب البحر بفعل تسرب بعض مائه، ويضيف: «تلك الغزارة هي بعض خصوصية الزجال الذي لا يتعبه القول ولا يضنيه البحث عن الفكرة المتقدة التي تضيء الدرب. سيكون لدينا دوماً ما ندهش به محبّي الزجل. فذلك ما خلقنا لأجله».
في الحوار مع شاعر زجلي، لا بد من أن يقفز إلى البال سؤال عن تلك الحدية التي يتواجه بها الشعراء في مناظرات لا تنتهي. يبدو الموقف حينها أقرب إلى ساحة حرب. هل بوسعهم نسيان تلك الخصومة بمجرد توقف الدفوف عن نشر إيقاعها؟ يبتسم كاملة قبل أن يجيب: «الخصومة تنتهي في مكانها. نغادر المنبر أحبة يهنئون بعضهم بعضاً. لا يعنينا أن ينتصر واحدنا، المهم أن ينتصر الزجل، وأن يتلقى الجمهور إضافةً قيمةً إلى مخزونه من الجماليات الشعرية». ويضيف: «التحدي صفة ملازمة للزجل. ولا بدَّ من إثارة الحماسة. لكن ذلك محكوم بضوابط التعبير الراقي البعيد عن الإسفاف. بعض الحرج قد يكون مطلوباً، لكن من الأهمية بمكان أن يبقى الشعر بمنأى عن أي إحراج. علينا أن نكون أوفياء دوماً لفكرة أننا أصحاب رسالة، وأننا نقدم فناً راقياً لمتذوق يجيد التمييز بين الغث والثمين.



مواعيد الأماسي
بعد العقيبة (1 آب)، وبعلقين (2 آب) ورعشين (3 آب) ويانوح (4)، وكفرشحام (5)، ستكون بلدة فتري اليوم على موعد مع شربل كاملة، تليها على التوالي: بسكنتا، اهدن، وادي نهر الكلب، علما الشعب، رويسة البلوط، بعقلين، بتلون، درب السيم، علي النهري، كيفون، وادي بعنقودين، شلالات الوزّاني، عيتات، عين سعادة، حاصبيا قضاء بعبدا، جسر الباشا، مشغرة، عين عكرين، دوما، بتغرين، عاليه، بعقلين، راشيا الوادي، نبع الصفا وشرتون