في أحدث أفلامه، يحاول السينمائي المشاكس القبض على ما يفترض بأنه اللحظة الذهبية في التاريخ الأميركي المعاصر، تلك التي كانتها لوس أنجليس العاصمة الثقافيّة للإمبراطوريّة في نهاية الستينيات. «كان يا ما كان في هوليوود» الذي يُطرح اليوم في الصالات اللبنانية، سجلّ بصري -صوتي أخّاذ يرسمه مخرج استثنائيّ، حنيناً وذكريات شخصيّة ورثاءً لتلك المرحلة التي تبيّن أن ذهبها الساطع لم يكن سوى قشرة زائفة لخراب كبير.

ليوناردو دي كابريو في «كان يا ما كان في هوليوود»

منذ تقديمه أوّل أعماله في «مهرجان كان» قبل 25 عاماً، بنى المخرج الأميركي كوينتين تارانتينو لنفسه سمعة استثنائيّة في عالم الفن السابع تسمح له ــ الآن على الأقل ـ بأن يفرض على كبرى شركات الإنتاج العالميّة فيلماً على مزاجه بالكامل. وهو تماماً ما فعله في فيلمه التاسع وما قبل الأخير وفق تعهده بأن تقتصر مهنته السينمائيّة على صناعة 10 أفلام فقط. في «كان يا ما كان في هوليوود»، يقدّم المعلّم أكثر أفلامه «تارانتينويةً» على الإطلاق، مطلقاً العنان لذاكرته كما شاءت لتسجّل في شريط بصريّ- صوتيّ أخّاذ ما يفترض أنه اللحظة الذهبيّة في التاريخ الأميركي المعاصر كما كانتها لوس أنجليس العاصمة الثقافيّة قبل خمسين عاماً أي خلال نهاية عقد الستينيّات من القرن الماضي. هناك، حيث هوليوود أيّام المخرجين والممثلين العظام، ولوس أنجليس مدينة مكتملة الأنوثة والإغواء، والشّباب الأميركي وقد كسر الثقافة البطريركيّة التقليديّة، وانطلق في أجواء حريّات وتهتك وبوهيميّة لا حدود لها، جنساً وتسكعاً ومخدرات وعقاقير وأوهاماً. يروي تارانتينو سيرة تلك اللحظة في الزمان والمكان من خلال مصائر ثلاث شخصيّات لكل منها سرديّة منفصلة، لكنّها تتقاطع معاً في مراحل مختلفة ولأسباب متفاوتة، قبل أن تذوي جميعها حتى لا تكاد تُلحظ في سياق القصّة الأكبر عن المدينة/ الحلم/ المرحلة. وهو في ذلك يستبيح لنفسه ــــ على صيغة أنّه يحق للشاعر ما لا يحقّ لغيره كما في التراث العربي ـــ بأن يتلاعب بالتاريخ، فيعيد خلط أوراقه ويقرأه بعدها بطريقته الخاصّة، وبالجغرافيا، فيرسم لوس أنجليس داخل المنطقة الفاصلة بين الحقيقة والحلم، فيركبّها من عشرات الأشخاص الذين صادفهم في مسيرته المهنيّة المديدة. وهو في غيّه هذا، كأنه يرثي المرحلة برمتها، ويجمّلها قاصداً بالكذب والتظاهر والتزوير الدقيق، أن يقنعنا بأنّه قد عاش ذلك الحلم الذهبي، كما لو كان آخر الشهود الأحياء قبل انتقال الصفحة بمجملها إلى كتب التاريخ بغياب ناسها. بالطبع، تارانتينو ليس مغفلاً ولا ساذجاً. هو يعرف ربمّا أكثر من أي شخص آخر بأن طبقة الذهب اللمّاعة تلك، كانت زيفاً تاماً أخفى تحته خراباً كبيراً، وأنّ عشيقته الأثيرة لوس أنجليس لم تكن سوى بائعة هوى سايكوباثيّة طلت وجهها بمساحيق كثيرة، وأن عبقريّة سينما المرحلة قامت على أكتاف وحوش بشريّة من أمثال هارفي واينستين. مع ذلك، فنحن نحب كذب تارانتينو الجميل، ونستمتع بمشاهدته وهو يقصّ علينا هلوساته، ونتأمل قدرته على الرسم بأدوات السينما مذهولين ومذعورين، خشية أن نفقد متعة كل لحظة بلحظتها في رفقته، بل نتآمر معه لنشاركه أوهامه بإيماءاتنا البلهاء. في «كان يا ما كان في هوليوود»، لعبة السينما على آخرها، لكنّه مع ذلك ـــ وباتفاق غالبيّة النقاد المحترفين ــــ ليس بأفضل أعماله على الإطلاق عكس كل التّوقعات.
استعراض مرح مخلوط بالعنف والحزن لثلّة نجوم من الدرجة الأولى


تجري حكاية الفيلم المرحة في هوليوود 1969 عاصمة صناعة السينما الأميركية حيث الشخصيّة المتخيّلة ريك دالتون (يلعب دوره ليوناردو دي كابريو) ممثل لعب سابقاً أدواراً مهمة في أفلام الغرب الأميركي، ويرى حياته الفنيّة تؤول إلى الغروب في الوقت الذي تصعد فيه كفاءات شابة للعب الأدوار الرئيسة للإنتاجات الجديدة. ودافعه إلى ذلك هو الحسد ومرض الشهرة لا الحاجة الماديّة، وكذلك كليف بوث (براد بيت) الممثل الذي يقوم بالأدوار البديلة لدالتون لكنّه أصبح عملياً عاطلاً عن العمل، مع انتشار شائعات بأنّه قتل زوجته ونجح من التملص من الجريمة، كما تراجع حظوظ رفيقه في الحصول على أدوار مهمّة، مما يجعله يقضي وقته سائقاً ورفيق شراب ومصفقاً لعبقريّة صديقه دالتون. وأيضاً هناك النجمة السينمائيّة الصاعدة شارون تيت (شخصيّة حقيقية لعبت دورها الممثلة الحسناء مارغو روبي) التي تعيش متعة تفتّح موهبتها وأنوثتها على القشرة الذهبيّة الهشّة للمدينة.
وبينما يستعرض تارانتينو ــــ من خلال علاقة الصداقة والتلازم بين دالتون وبوث ـــ كل ذاكرته البصريّة والسمعيّة عن لوس أنجليس بشوارعها ومزاجها المادي في الأزياء والسيّارات والأثاث وإعلانات الطّرق والمحلات فيها والمطاعم والحانات وكعك الدونات، وبوسترات الأفلام المشهورة وحتى نوعيّة الموسيقى المنبعثة من راديو السّيارة في تجولات الصديقين الاستعراضية من دون حاجة دراميّة غالباً، فإنه ما يلبث أن يقدّم شارون تيت الشخصية التاريخيّة للممثلة، ونجمة الأغلفة الأميركيّة، وزوجة المخرج المعروف رومان بولانسكي التي تحوّلت حادثة مقتلها وضيفاتها في منزلها عام 1969 على أيدي مجموعة دينيّة هيبيّة من السايكوباثيين القتلة كان زعيمهم تشارلز مانسون، إلى الشغل الشاغل للأميركيين طوال عقد على الأقل. حادثة ألهمت أيضاً عشرات الأعمال الدراميّة والوثائقيّة إلى وقت قريب، قبل أن يظهر على الساحة أو جي سيمبسون وبقيّة قتلة الممثلات/ الموديلات. في الحقيقة، فإن روبي تستحوذ على قلوبنا في تقديمها لشارون رغم أنّه دور بصريّ غالباً من دون أن تتجاوز الكلمات التي تقولها على الشاشة السطرين، لا سيّما في مشهدها بعد أن تتسلل إلى السينما لتشاهد نفسها وهي تؤدي دوراً في أحد أفلامها بينما تجلس على المقعد حافية القدمين. وهناك مشاهد أقدام نساء حافية كثيرة في هذا الفيلم. لكن عبقريّة تارانتينو تتألق من خلال التوتّر الذي يبنيه في قلوب المشاهدين، وهم يقعون شيئاً فشيئاً في غرام شارون، بينما هم يعرفون دائماً الحقيقة التاريخيّة بأن كل هذا الجمال سيلقى نهاية مفجعة، وكذلك الخيال المُبدع في صياغة الأحداث نحو مآلاتها الأخيرة. «كان يا ما كان في هوليوود»، حليّة بصريّة تامّة لضحايا الحلم الأميركي الجميل وأبناء تلك المرحلة الذين هم متقاعدون أو على وشك التقاعد، واستعراض مرح مخلوط بالعنف وبالحزن لثلّة نجوم من الدرجة الأولى (دي كابريو متألقاً في لعب دور تمثيلي فاشل يضطر لإعادته، وبراد بيت يؤدي أفضل دور له من دون الاعتماد على حسن طلته، وإن اضطر لخلع قميصه بينما يصلح أنتين التلفزيون في يوم قائظ، وأيضاً المشهد المُقحم للمواجهة مع بروس لي)، وكذلك روبي المرأة السّاحرة دائماً، ناهيك بالأدوار المساعدة التي قدم أحدها آل باتشينو (منتج سينمائي يقنع دالتون بتقبل وضعه والانتقال لتمثيل أفلام غرب أميركي في إيطاليا)، والطفلة المذهلة جوليا باترز وغيرهم.
برغم كل عبثتيه وشكلانيته المفرطة، إلا أنّ تارانتينو، كما العهد به، يقدّم هنا شهادة تاريخيّة مهمة، ونقداً عميقاً للخراب العقليّ والسايكولوجيّ الذي يتلطى تحته التقدّم الأميركي المزعوم في ظلّ الرأسماليّة المتأخرة، ليس لناحية الجرائم العبثيّة والنزعات المتطرفة فحسب، بل أيضاً ـــ وهو الأهم ـــ في إدانة المناخ الأميركي العام، وطريقة تعايشه واستمتاعه الآثم بمتابعتها، وانعدام المفاجأة في ردود الفعل تجاهها. لعلّ «كان يا ما كان في هوليوود» فيلم لنقد الحاضر عن طريق استعادة الماضي، وتلك دائماً حيلة العاجز عن قلب الطاولة بما عليها، ربما في إنتظار انتاج فيلمه الأخير.

Once Upon a Time in Hollywood: بدءاً من اليوم في الصالات اللبنانية



ابنة بروس لي غاضبة
في نهاية الشهر الماضي، صوّبت شانون لي، ابنة النجم بروس لي (1940 ــ 1973)، سهامها على كوينتين تارانتينو بسبب طريقة تصويره لوالدها في فيلمه الجديد «كان يا ما كان في هوليوود». أكدت شانون أنّها شعرت بخيبة أمل لإظهار «ممثل أسطوري» كبروس لي (أدّى دوره مايك موه) على هيئة شخص «متكبّر ومغرور، يُكثر من الكلام الفارغ». يبدو بروس لي وهو يتحدّى الممثل البديل «كليف بوث» (يجسّده براد بيت) لخوض جولة قتال بعدما يبادر الأخير للتباهي بأنّ يديه تعتبران «أسلحة فتّاكة». في رسالة مفتوحة، شدّدت لي الابنة على أنّه بدلاً من «التعالي»، كان والدها على بلاتوهات التصوير يعمل بـ «جدّ كبير»، لا سيّما أنّه ممثّل من أصول آسيوية في نهاية الستينيات: «يمكنني أن أفهم كل الأسباب الكامنة وراء ما تم تصويره في الشريط... أفهم أنّ الشخصين متخاصمان وهذا نوع من الخيال الغامض... كما أنّهم يصوّرون فترة من الزمن تنطوي بوضوح على الكثير من العنصرية والإقصاء... أفهم أنّهم يريدون إظهار شخصية براد بيت قوية جداً ويمكنها التغلب على بروس لي. لكنهم لم يكونوا بحاجة إلى معاملته بالأسلوب الذي اعتمدته معه هوليوود البيضاء عندما كان على قيد الحياة»، مؤكدةً أنّ ما جرى «عار». وأخيراً، ردّ تارانتينو على انتقادات شانون موضحاً في حديث إلى صحافيين في موسكو أنّ بروس لي «كان متعالياً إلى حدّ ما». وأضاف: «ما سمعتموه في الفيلم ليس من نسج خيالي بالكامل… لقد سمعته يقول أشياء من هذا القبيل». وتابع السينمائي البالغ 56 عاماً أنّه «قد يقول البعض إنّ لي لم يقل مثلاً إنّه قادر على هزيمة محمد علي، لكنّه قال هذا بالفعل… حتى إنّ زوجته، ليندا لي، أشارت إلى الموضوع في سيرتها الذاتية».